من قال بأنَّ أمَه ماتت فقد كذبَ!

محمد عبد المجيد
Taeralshmal@gmail.com

2021 / 11 / 23

الأم لا تموت؛ لكنها ترحل، وذكرياتك عنها لا ترحل؛ إنما تعود كلما اشتاقت روحك إليها، ورائحتها الزكية تعبق المكان كلما جددتَ التفكير فيها.
حبل السُرّة الذي انقطع بُعيد ولادتك يُعاد رتقه مرة أخرى لكنك لا تراه؛ إنما تمسك به الملائكة حتى تلتقي بها بعد عُمر طويل بإذن الله.
الموضوع لا يحتاج لأكثر من الاتصال الروحي المُركـّـز فتجدها، رحمها الله، تمر من غرفة إلى غرفة بسرعة البرق أو تقف أمامك للحظات دون أن تدري أو تمسح دموعك في لحظات الحزن، أو تربت على كتف ابنك فتصل أجيالا ببعضها، أو تضبط فستان زفاف ابنتك في ليلة العُمر!
الأم لا تموت وعليك أن تنظر إلى الباب كل يوم ..وكل عام .. وما بقي لك من عُمـــْـر حتى تسمع المفتاحَ فتراها واقفة معتذرة لك عن غيابها الطويل.
الأم لا تذهب إلى المقبرة إلا يوم الرحيل ثم تعود إلى البيت قبلك، وتجلس في مكانها المفضــَّـل لتتأكد أنك وأولادك بخير وفي رعايتها.
أوقف ملاكا يمر بجانبك واسأله عن ست الحبايب سيردّ قائلا: لقد رأيتها لتوي .. انظر، إنها تجلس هناك في مكانها المفضــّــل!
عبقرية الخلق في تلك العلاقة الساحرة المعقودة بروحانيات غير مرئية حتى لو كانت بينك وبينها ملء الأرض خلافات قبل غيابها في باطن الأرض؛ فستجد بعد رحيلها أن الملائكة رتقتْ، وأصلحت تلك الخلافات الماضوية فتتحول إلى حالة حٌب من جديد كأنك سقطت من بطنها يوم شيعتَ جسدها الطاهر!
لعلك لم تلاحظ أنها عادت من ظُلمة القبر إلى نور الدار بعد عام أو اثنين أو عقـــْــدٍ أو عدة عقود مُحاولة أن تُصلح خلافات الأبناء والبنات لتفشل مرات لا حصر لها في نثر زهور المحبة على ( بيت العز) فلا تنجح قبل أن تلتقيك في السماء، وتشُدّ أذُنَك بعتاب الأمومة فهي لم تترككم هكذا، فاستدعيتم الشيطان ليُصلح بينكم!
الأم لا تموت فبعض الأمهات يجلسن في كل غُرف البيت الكئيب ليُعدْن الروحَ فيه بعد غياب الجسد، وكثيرًا ما يفشلن؛ فالزمن ينحاز إليهن أحيانا وإلى الشيطان أحايين أخرىَ!
لا تُصدّق النعش والمُشيعين وحفارَ القبور والبكّائين فالمقبرة خالية، وست الحبايب سبقتكم إلى البيت، ولعلها تعقد الضفيرة في شعر رأسِ ابنتك الصغيرة قبل التوجه إلى المدرسة، أو تُحّذّر ابنك الصغير من ابتسامة جاره البالغ من العُمر نيـّة غير صافية، حتى تعود أنت وتتحمل المسؤولية.
الأم لا تموت ولا تُدفــــَـن فهي إنْ لم تتسلل عائدة فهي تنطلق إلى الجنة بدون حساب إذا كنتَ أنت مقتنعا بأنها الأم المثالية في التربية والمحبة والصبر وإسعاد ساكني دارها!
أنا أدعوك لتبحث عنها جيدًا في كل أرجاءِ البيت وتستخدم حواسك كلها فقد تشمّها أو تلمسها أو تسمعها أو تراها أو تجلس بجوارها فتراك بغير علمك!
الأم لا تموت؛ لكن أنانية مَنْ حولك ومشاق الحياة وغياب الروح الحقيقية جعلــتـك تُصدّق أو تتوهم أنها ماتت، لا أنها غابت أو رحلتْ أو.. اختبأتْ!
كل أفراد الأسرة يغادرون الدار إلا أمُّك فهي أحرس وأحرص عليك من ملائكة يحيطون بكَ، فالملائكة تهرب إذا ضاق البيت بغير المحبين، أما أمُّك فلا تتركه قبل أنْ تُهيل أنت على ذكراها النسيان!
قل لي بربك، هل تُصدّق أنَّ الأم تموت؟
لا أريد أن أسمع صوتـــَــك يجيب؛ إنما أريد أنْ أرىَ دموعك تنفي موتَ أمك!
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو النرويج



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن