-عبدالعلي حامي الدين- وتقديس النص القرآني

عبدالإلاه خالي
pirouguntad@yahoo.com

2021 / 11 / 20

على هامش مقالي عن أخطاء التقديم والتأخير في القرآن وأثرها في ترجمته إلى اللغة النرويجية دار حوار لطيف بيني وبين السيد "عبدالعلي حامي الدين" حيث ادّعى هذا العزيز أن التقديم والتأخير في القرآن كله بلاغة، وتلبية لطلبي سرد بعض وجوه تلك البلاغة، فبيّنت له أن القرآن لم يتغيّ إلا الحفاظ على الفاصلة وأن الوجوه البلاغية المسطرة في بطون كتب المسلمين وجوه متوهمة لم تدر بخلد كاتب القرآن؛ لكنه أصر وادعى أن القرآن جمع بين الحفاظ على الفاصلة وتثبيت غايات بلاغية؛ فذكرتُ له أن التقديم القرآني كثيرُهُ ركيك، والقليلَ البليغَ منقولٌ عن كتابات الغير؛ فاستنكر علي هذا وجاء بأمثلة أخرى من القرآن على أساس أنها ضرب من ضروب البلاغة.
ونظرا لمحدودية المجال الذي يوفره نظام التعليقات بالموقع ارتأيت الرد بمقال أناقش فيه ما ذكره من وجوه.
أرقى التحية لك سيدي حامي الدين!
قولك أن التقديم القرآني جاء لتحقيق غايات سامية بتراكيب بلاغية إعجازية قول مرسل لا ينبني على أساس، وفيما يلي تفصيل لتلك الغايات المُدَّعاة:
غاية الاهتمام والتهمم: ذكرتَ أن الله قدّم لفظ "آيات" في قوله ﴿ كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ وقوله: ﴿ كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ ﴾ للتأكيد على أهمية آياته..
لو كان مبتغى كاتب القرآن الدلالة على أهمية الآيات بتقديم ذِكرِها فيما جئتَ به من نصوص، فَلِمَ أخرها في نصوص أخرى كقوله: ﴿ وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ.. ﴾[1]، وقوله: ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾[2].
غاية التشريف: ذكرتَ أن ( الله ) شرّف الحياة على الموت بتقديمها في قوله: ﴿ وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ ﴾، وشرّف العاقل على غير العاقل بتقديم الأول على الثاني في قوله: ﴿ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ﴾.
تُرى ما رأيك في قوله: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ ﴾[3]، وكذا قوله: ﴿ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ ﴾[4]؟ ألا تبصر تقديمه الموت على الحياة في الآية الأولى، وتقديمه غير العاقل ( أَنْعَامُهُمْ ) على العاقل ( أَنفُسُهُمْ ) في الثانية؟ وألا تبصر كيف قدَّم الزاحف على بطنه وأخَّر الماشي على رِجلين في قوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ ﴾[5]؟
غاية التخصيص: ادعيتَ وادعى الفقهاء من قبلك أن الحصر والتخصيص هو أحد المعاني التي تغيّاها القرآن من خلال أسلوب التقديم والتأخير، وهي دعوى تتهاوى أمام كل دارس موضوعي لهذا الأسلوب في القرآن، ولنناقش مَا أوردتَه في مقالك من أمثال:
ـ اختصاص الولاية: زعمت أن الله خص نفسه بالولاية من خلال قوله: ﴿ قل أغير الله أتخذ وليا ﴾.
لو كان هذا التخصيص حاضرا في ذهن كاتب القرآن لما دعا في آيات أخرى إلى اتخاذ أشخاص آخرين أولياء كالرسول والمومنين والملائكة وجبريل، إذ قال: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ. وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَالِبُونَ ﴾[6]، وقال أيضا: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾[7].
ـ اختصاص الربوبية: ذكرتَ قوله: ﴿ قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ﴾ وادعيت أن تقديم لفظ "الله" غايته الدلالة على أن الربوبية محصورة في الله وحده، وهذا ادعاء منقوض بآيات تثبت وجود خالقين غيره، كقوله: ﴿ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ ﴾[8].
ـ اختصاص الحاكمية: ذكرتَ قوله: ﴿ أفغير الله أبتغي حكما ﴾ كدليل على أن الحكم محصور في الله دون غيره؛ فماذا تقول في الآيات التي تأمر بتحكيم الرسول وتحكيم أولي الأمر؟
تأمل قوله: ﴿ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً ﴾[9]؟
وتأمل قوله: ( يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾[10]؟
وتأمل قول إبراهيم: ﴿ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾[11].
ألا تنقض هذه الآيات ادعاءك؟!

سيدي عبدالعلي حامي الدين! لم يَدُرْ بخلد كاتب القرآن ما دار بخلدك من معاني وغايات، إن هي إلا تنميقات كلامية مفصلة تفصيلا على تعابير القرآن، وخذ على ذلك مثالا:
وَرَدَ ذِكْرُ لفظ "الرسول" في بعض الآيات مقدما، وورد في بعضها مؤخرا، فكيف تعامل شيوخ الإسلام مع هذا التقديم والتأخير؟
في الآيات التي قُدِّم فيها اللفظ قالوا هذه بلاغة، وسمّوا هذا التقديم تقديم الشرف والمنزلة والاهتمام؛ وفي الآيات التي ورد فيها ذِكْرُ الرسول مؤخرا كما في قوله: ( واعلموا أن فيكم رسول الله.. )[12] قالوا هي بلاغة أيضا وأطلقوا عليها اسم تقديم التقريع والتوبيخ، أي تقريعَ مَنْ أُخِّرَ الرسول عنهم!
ألا يدل هذا على أنهم يفصِّلون المعاني والغايات بحسب تركيب الجملة في القرآن؟
وما رأيك لو قلتُ لك أن التأخير هو الذي يدل على الأهمية والتهمم والاهتمام، باعتبار أن الآخِرَ إليه المنتهى، وأن اليومَ الآخِرَ خيرٌ وأبقى، وباعتبار أن التأخير فيه تشويق للسامع وإثارة لذهنه؟ أليست هذه دلالة عميقة وبالتالي بلاغة لغوية يمكن البناء عليها في التقديم والتأخير؟ فَلَوْ أخِّر لفظ "الرسول" في جميع المواضع، ألا يكون ذلك بلاغة بهذه الاعتبارات؟!
فاسبَح بخيالك سيدي واترك له العنان كي يحلق بعيدا بحثا عن تبرير للتقديم والتأخير في القرآن. واعلم أنك لن تعدم البلاغة والفصاحة في كل تبرير يصل إليه خيالك..

أما قولك أنني لم أكن موضوعيا حينما اعتبرتُ البليغَ في القرآن منقولا والركيكَ خطأ، فحبذا لو قدمتَ أنتَ تفسيرا لتلك الازدواجية الفاضحة! كيف تفسر جَمْعَ القرآن بين البلاغة والركاكة؟ كيف يكون ( الله ) بليغا في موضع وركيكا في مواضع؟!
من الثابث علميا أن محمدا تفاعل مع ثقافات عصره فأخذ من عقائدها ونقل من تراكيبها اللغوية الشيء الكثير، والتدليل على أن التقديم القرآني البليغ منقول من كتابات شعرية ونثرية سابقة ليس مجال دراستي الآن، لكن تكفي الإشارة إلى شاهدين اثنين أذكرهما تحفيزا لك على مزيد بحث.
الشاهد الأول: في معرض كلامه عن الكيفية التي ينتهجها قضاةُ السنهدرين في تنبيه الشُّهود للفروقات بين أحكام الإعدام وأحكام الأموال، قال المفسر اليهودي في "مشنا السنهدرين" ( Sanhedrin Mishnah ): [ كانوا يُحْضِرون الشهود ويقولون لهم: « .. سنختبركم بالاستجواب والتحقيق لتكونوا على علم أن أحكام الإعدام ليست كأحكام الأموال. ففيما يتعلق بأحكام الأموال يَدْفَعُ الإنسان ( الذي شهد زورا ) مالاً فيكفر عن خطيئته، أما فيما يتعلق بأحكام الإعدام فإن دمه ودم ذريته يقترن به إلى الأبد. ولقد وَجَدْنَا هذا مع قايين الذي قتل أخاه، حيث قيل بشأنه ( التكوين 4 ): "إن صوت دماء أخيك تصرخ" ولم يقل: "دم أخيك" بل: "دماء أخيك"، دمه ودم نسله. تفسير آخر: { "دماء أخيك" لأن دمه قد سال على الشجر والحجر }. مِن أجْلِ ذلك خُلق آدم وحده، ليُعَلِّمكَ أنَّ مَن أهلك نفْسا من إسرائيل فكأنما – بحسب الكتاب – أهلك العالم كله، ومن أحيا نفسا من إسرائيل فكأنما – بحسب الكتاب – أحيا العالم كله .. » ][13].
لاحظ قوله: " مَن أهلك نفْسا من إسرائيل فكأنما أهلك العالم كله، ومن أحيا نفسا من إسرائيل فكأنما أحيا العالم كله"!
في هذا النص ورد تقديم المفعول "العالم" وتأخير الظرف "كله"، وهو تقديم نقله القرآن حرفيا في سورة المائدة حيث قال: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ﴾.
الشاهد الثاني: جاء في التوراة: [ هكذا سُبُلُ كُلِّ النَّاسِينَ اللهَ، وَرَجَاءُ الفَاجِرِ يَخِيبُ * فَيَنْقَطِعُ اعْتِمَادُهُ، وَمُتَّكَلُهُ بَيْتُ العَنْكَبُوتِ * يَسْتَنِدُ إِلَى بَيْتِهِ فَلَا يَثْبُتُ، يَتَمَسَّكُ بِهِ فَلَا يَقُومُ. ][14].
في هذا النص قُدِّم الخبر ( مُتَّكَلُ ) على المبتدإ ( بَيْتُ العَنْكَبُوتِ ). نقل كاتب القرآن هذا التركيب في سورة العنكبوت، حيث قال: ﴿ وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾[15].

العزيز حامي الدين، ها قد جاءك ردي وأنا في انتظار تعليقاتك فقط لا تنسى أن تحدد لي الوقت الذي أكتب فيه ردودي!

الهوامش:

[1] سورة الأنعام. الآية 54.
[2] سورة المؤمنون. الآية 45.
[3] سورة الملك. الآية 2.
[4] سورة السجدة. من الآية 27.
[5] سورة النور. من الآية 45.
[6] سورة المائدة. الآيتان 55، 56.
[7] سورة فصلت. الآيتان 30، 31.
[8] سورة المؤمنون. من الآية 14.
[9] سورة النساء. الآية 69.
[10] سورة النساء. من الآية 59.
[11] سورة إبراهيم. من الآية 36.
[12] سورة الحجرات. من الآية 7.
[13] التلمود، متن المشنا، الجزء الرابع "مشنا الأضرار" أو "مشنا السنهدرين"، الفصل الربع، الفقرة الخامسة.
[14] سفر أيوب. الإصحاح الثامن. الآيات 13-15.
[15] سورة العنكبوت. الآية 41.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن