العقل الثقافي العربي /الخروج من ازمة الهزيمة

علي حسن الفواز
ali_fwaaz@yahoo.com

2006 / 8 / 25

ثمة من يريد ان يجعل المثقف العربي اسير لحظة مهزومة دائمة السيولة، وان يقترح لهذه الهزيمة اشكالا ومشاريع واسئلة ، وبالتالي جعل العقل العربي كله عقل هزائمي ومسكون بخيبات مضمرة، ولابد له ازاء ذلك الاّ الاستعانة با لذاكرة والتاريخ القديم بكل تضخمه و المنتصر طبعا ! لكي يكون منتظما ومتوازنا في انتاجه كما يقول محمد عابد الجابري ،أو انه سيكون امام ممهدات قسرية الحكم اما للنكوص عند حاضنة هذا التاريخ ولزوجته او التمهيد للانتقال الى حاضنة الاخر في لعبته الافتراضية في التجديد وضمن شروطه في هذه اللعبة طبعا....~
ان هذه الاشكالية ستكون مفتوحة على احتمالات متعددة تبدأ من صياغة مفهوم الهزيمة وكيف له ان يكون مفهوما متصلا بالوجدان والقرار في اعادة انتاج ماهو كائن دائما ونبذ كل ما عدا ذلك ، وربما تنتهي بافتراض ما مضاد !! أي البحث عن مخلصات (ليست تراجيدية) على طريقة ارسطو باتجاه الاندماج الكامل في الذات الكونية المتعولمة في اشباعاتها المستحكمة بالفكر والسوق والتنمية والمعنى الناجز للحضارة..
واذا كانت الكثير من القوى الظاهرة في المجتمع العربي لم تستطع ان تزيل الاحساس بالهزيمة عن طريق الوعي باسبابها وتجاوز محنتها الاّ عن طريق تأزيم العلاقة مع ماهو كائن من معطيات ونتائج على الارض ، وذلك عبر تشكيل علاقات ملتبسة تقوم على سايكولوجيا العنف والطرد المضاد دونما مقومات واضحة سوى الاكتفاء بحيازة شعورية مضطربة للذات التاريخية/ العقائدية، باعتبارها جزءا من المقدس والتابو !! مقابل تأسيس منظومة من الافكار والممارسات التي تبدو وكأنها تحمل ايهامية ازالة اثار الهزيمة والانسجام مع شروط الذات ِ،،
ولعل هذه النزعة المتضخمة جدا في خطابنا العربي الاسلامي هي المنتج الاساسي لظاهرة العنف والتطرف ، والتي وجدت لها صدى في اوساط اجتماعية تعاني من القهر والفقر الاقتصادي وا لثقافي والتشوه العقائدي ، اذ تحولت هذه الاوساط الى بيئات حاضنة و نامية لحركات وكيانات تتمثل في هياكلها ومكوناتها الى شكل الدولة القديمة في نظامها القيادي السري ومفهوم الحكم لديها القائم على اساس شرطية وقصدية المعنى وولاية الامر القهري ...
وللاسف فان الكثير من مثقفينا الذين ورثوا تاريخا طويلا من العطالات السياسية والفكرية لم يجدوا فضاء ثقافيا فاعلا يمكنهم من خلاله خلق بيئات مضادة تسهم في تنمية العقائد العقلية وتسويق المشاريع الثقافية والمهنية التي يمكنها ان تقدّم اجابات معقولة للكثير من الاسئلة المبذولة والتي لم تجد الاجيال الجديدة ما هو حقيقي في أي تبرير او تعاط مع ما أفرزته من اشكالات .... فضلا عن ان هذه الاشكالات قد اثبتت فشل الدولة الحديثة ومؤسساتها في انتاج حواضن وممارساتاكثر فعالية لتكرس القيم العقلية للثقافة العربية وحقولها المعرفية والانسانية والتعاطي مع التاريخ والذاكرة دون عقد او سطوات استلابية مثلما تكون شروط التعاطي مع الاخر الثقافي/ الحضاري دون حساسيات اسقاطية ...
ان ما يعمد اليه الكثير من كتابنا العرب خاصة اصحاب المشروع التنويري في تعميم ظاهرة العقل المنتصر والعقل المنهزم والحديث عن ظواهر الارهاب والعنف بشكل عمومي يتجاوز الاسباب التي انتجت هذه الازمة ،،يواجه الكثير من الاشكالات التي ترتبط بمعطيات الواقع الحافل باخلالات متعددة تبدأمن الواقع التعليمي في كل مستوياته ومفاهيمه ولا تنتهي عند الواقع الاقتصادي والسياسي المفتوح على اسئلة حادة ،،والتي تصنع بالضرورة هوامش اجتماعية تستقطب تداعيات هذه الوقائع وتسهم في تضخيمها ، مقابل البحث عن حلول تعمد الى استخدام تقنيات التفكيك وازالة الاثر على الطريقة الغربية واستحضار خطاباتها في مفاهيم الحرية وتحطيم مركزة الوجود ونظام الحكم والسوق وغيرها ، واظن ان التعامي عن الاسباب والمقدمات لايقودنا الى النتائج ،،لان تاريخ المحنة والهزيمة في العقل العربي ليس جديدا وانه محمول على الكثير من الاشكالات التي بدأت مع انهيار الدولة العربية الاسلامية في بغداد عام 1258 والذي انهار معها ليس الشكل السياسي فقط وانما انهار ايضا الشكل الثقافي والمعرفي والذي يعدّ من ابرز مقومات الشخصية العربية وقوتها وحضورها ازاء الاخر !!! وربما كان انهيار هذا الشكل هو انهيار لمركز القوة المعنوية في الدولة وفي المؤسسة ،،،والذي تسبب في ما بعد الى نقل المركز المعرفي الثقافي الى مناطق اخرى أقل قوة وتأثيرا وفاعلية ,,, وازاء هذا نشأت قوى هامشية في المجتمع الثقافي والديني تلبست بلبوسات الرفض للمتغير والتفاعل مع معطيات ونتائج ثوراته الصناعية والعلمية والمعلوماتية تحت ايهامات الذوبان في خطاب الاخر الكافر العلماني ، والتي تتناقض اصلا مع الجوهر الاسلامي المنفتح والفاتح والذي حفلت مكتباته بترجمات هائلة لعلوم الاخرين وفلسفاتهم في مجالات النظريات الطبية والفكرية والشعرية ،، واجترحت لها اشكالا معقدة من الطقوس ونظام المعيش وتداول الفكر والعقائد ، حدّ انتاج ايديولوجيا تقوم في جوهرها على العنف ورفض الاخر الكافر....
ان اشكالات الواقع العربي وصراعاته المحتدمة وغياب القوى التنويرية الفاعلة وضعف نظم الحكم وسوء اداراتها في تأمين الكثير من الاستحقاقات التي تتطلبها الحياة المدنية المعاصرة في المجالات الاقتصادية وحقوق الانسان والنظم الاجتماعية المتوازنة ،،قد اسهمت في وضع الحياة العربية امام ازمات واما قوى نكوصية تهوّل هذه الازمات بالشكل الذي يجعل الفكر العربي ازاء قطيعة تامة مع الذات ومع الاخر ،،اذ تبدو الذات متقوقعة ومصابة بعقدة الاضطهاد والميول العدوانية المؤطرة بنزعات ثقافية وتدينية فيها الكثير من قصور النظر وسوء التعاطي مع الازمة والواقع ،، كما يبدو الاخر وكأنه المسؤول عن انتاج الازمة بكل تداعياتها بدءا من قضية فلسطين وصولا الى مشكلة احتلال العراق ،،وازاء هذا يبدو حديث الاصلاح والتغيير الذي تطرحه الاجندة الغربية مثير للجدل لانه يرتبط بتاريخ معقد من الازمات ، فضلا عن وجود آليات حكم سياسية تضع هذه الحديث في سياق سياساتها غير القابلة للتغيير بسهولة ،بسبب الطبيعة الهشة لهذه الانظمة ذات المرجعيات القهرية والعصابية ،،اذ ان اية عملية اصلاح حقيقية في هذه الانظمة يعني تعريضها للزوال ،،لهذا تأخذ هذه المعالجات طابع كولاجي غير متوازن...وربما هذا مايدفع بعض الحكومات للابقاء على وجود هذه البؤر العقدية في داخل نظامها الاجتماعي وانها تهيء لها الحواضن التعليمية والفكرية التي تسوّق خطابات الذات المعزولة ،التي هي في جوهرها ذات متعالية في اوهامها ،،والتي تجعل الاخر الباحث عن اصلاحات شاملة امام خيارات اولها الابقاء على هذه الانظمة وتشجيع معالجاتها في الحدّ من تأثير هذه الظواهر على المصالح الغرب امريكية .....
ان الثقافة ليست معزولة عن هذا الواقع الغرائبي وربما هي انتاج عميق لكل انزياحاته ، ولعل تاريخ الثقافة العربية خلال النصف الثاني من القرن الماضي والحامل لخصائص الايديولوجيات يؤكد هذه الحقيقة ،،لان الانهيار الحقيقي الحادث في الواقع الثقافي العربي هو انهيار ايديولوجيات وانهيار مشاريع وانهيار رموز ،بدءا من انهيار نموذج الاديولوجيا الماركسية ونظرية اليسار الحاد في طروحات فانون وجيفارا ،،وكذلك انهيار نموذج الايديولوجيا القومية في شكلها القومي السوري والناصري والبعثي ،،وكذلك انهيار كل مشاريع الوحدة العربية ومشاريع التكامل والتعاون الاقتصادي والسياسي وصولا الى انهيار رموز ابوية مثل عبد الناصر وبورقيبة وبومدين ... كل هذا ادى الى صناعة ثقافية يحوطها الغموض والالتباس والبحث عن يقينيات ،،والتي وجدها البعض في التاريخ المنتصر والبعض الاخر في في الحضارة الكونية وشروطها الحضارية ...
ومن هنا فان البحث عن مواجهة حقيقية لصناعة الازمة وتسويق نظرية هزيمة العقل العربي تبدأ من وعي الاسباب والمقدمات والسعي الى تأسيس دولة حقيقية وقوية تسهم في التنمية الاقتصادية والثقافية وبالتالي العمل على ايجاد مجتمع مدني ضامن للحراك الثقافي وتنميته في انتاج لحظة الراهن الثقافية دون عقد اوحساسيات ،،لان عدم وجود الدولة القوية يعني وجود العصابات التي تتحكم بمحيط بشري حافل بالازمات والتخلف والجهل والفقر الاجتماعي



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن