اسرائيل والدولة الفلسطينية: من الرفض إلى الأبارتهايد (2)

نهاد ابو غوش
abughoshn@yahoo.com

2021 / 10 / 25

نهاد أبو غوش
لا يبدو أن الخلاف حول الدولة الفلسطينية يمكن له أن يعكّر صفو العلاقات مع الولايات المتحدة أو مع الدول الرئيسية في الاتحاد الأوروبي، فقد كرر الرئيس الأميركي جو بايدن موقفه بأن الحل الوحيد للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني هو في قيام دولة فلسطينية تعيش جنبا إلى جنب مع إسرائيل، وقال خلال مؤتمر صحفي مع الرئيس الكوري الجنوبي بعيد التوصل إلى اتفاق وقف النار بين إسرائيل وفصائل المقاومة في غزة في شهر أيار/مايو الماضي " لا تغيير في التزامي بأمن إسرائيل. نقطة على السطر. لا تغيير على الإطلاق"، "التغيير هو أننا ما زلنا بحاجة إلى حل الدولتين. هذا هو الحل الوحيد، الحل الوحيد".
وأعاد بايدن التأكيد على هذا الموقف خلال خطابه من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر ايلول الماضي حيث قال " لا أزال أؤمن بأن مبدأ تعايش الدولتين أفضل سبيل لتأمين مستقبل إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية تعيش في سلام إلى جانب دولة فلسطينية ديمقراطية قابلة للحياة وذات سيادة"، وفي هذا الخطاب تحديدا وفّر بايدن الغطاء لمن يكتفون بالتأييد اللفظي لهذا الحل من دون ان يتكلفوا عناء القيام بأية خطوة عملية لمنع إسرائيل من تدمير حل الدولتين، حيث قال بايدن في الخطاب إياه "نحن حاليا بعيدون جدا عن هذا الهدف لكن علينا ألا نسمح أبدا برفض إمكانية التقدم".
فالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وخلال زيارتها الوداعية لإسرائيل، قالت أن ثمة خلافات بينها وبين الحكومة الإسرائيلية تجاه الموضوع الفلسطيني، وأنها ما زالت تؤيد حل الدولتين " ليتمكن الفلسطينيون من العيش في بلادهم بأمان"، وأردفت أن سياسة الاستيطان تضع مصاعب أمام الحل، لكن كل هذه الملاحظات بدت هامشية ولا أثر لها في ضوء إفراطها في امتداح إسرائيل التي تمثل بحسب رأيها" منارة وسط بحر هائج"، وأنها المكان الوحيد في الشرق الأوسط الذي تتوفر فيه الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير.
لا دولة في الاتفاقيات
ولا توجد في الاتفاقيات الثنائية بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، ولا في المرجعيات المعتمدة رسميا لعملية السلام، أية إشارة مباشرة أو صريحة لموضوع الدولة الفلسطينية، فالموضوع ظل غامضا ومفتوحا للتأويلات، وأجّل البت فيها لمفاوضات الحل النهائي التي كان يفترض أن تبدأ في السنة الثالثة لتطبيق الاتفاقية الانتقالية (اي في العام 1997 وهي بدأت فعليا في العام 2000 ولكنها تفجرت وقادت إلى اندلاع الانتفاضة الثانية)، لكي تبحث في قضايا الأمن والحدود والمستوطنات واللاجئين والمياه والمصير النهائي والعلاقات الدولية واٌلإقليمية.
وعلى الرغم من غياب فكرة الدولة عن الاتفاقيات ومرجعياتها وأهدافها المعلنة، فقد حضرت فكرة الدولة الفلسطينية ضمن حل الدولتين في عدد لا يحصى من المبادرات والتصريحات والمواقف الدولية، بما في ذلك حضورها العلني في مفاوضات كامب دافيد بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، حيث قدم الرئيس الأميركي بيل كلينتون مقترحات ملموسة لحدود الدولة الفلسطينية ومساحتها وعاصمتها، وبين الأفكار التي جرى تداولها لحل قضية اللاجئين، طرحت فكرة عودة قسم من اللاجئين لحدود الدولة الفلسطينية، لكن انفجار المفاوضات وفشلها وتدهور الأوضاع الأمنية والسياسية بعد ذلك، جرف معه كل الأفكار والاقتراحات التي قيلت بشأن الدولة الفلسطينية.
رؤية شارون للدولة
كان رئيس الوزراء الأسبق أرييل شارون يروّج لفكرة الدولة الفلسطينية في الأردن، وهو قال في مقابلة مع مجلة تايم الأميركية في 5/10/1981 " "أعتقد أن الخطوة الأولى باتجاه الحل هي إقامة دولة فلسطينية على هذا الجزء من فلسطين الذي أصبح اليوم الأردن والتي تم فصلها سنة 1922 عن الأرض التي كان مقدرا لها أن تصبح إسرائيل." لكن شارون، غيّر مواقفه بمجرد وصوله إلى سدة الحكم، وقدّم صيغة جديدة للحل خلال خطاب له أمام الأمم المتحدة في ايلول /سبتمبر 2005، بعد وقت قصير من انسحاب إسرائيل وإخلاء مستوطناتها من قطاع غزة. وقال شارون في خطابه أن من حق الفلسطينيين أن يعيشوا بحرية، ويتمتعوا بسيادة وطنية على دولة تخصهم، لكنه أكد في الوقت نفسه على أن القدس ستبقى العاصمة الأبدية لإسرائيل، وأن الاستيطان ليس عقبة أمام السلام، وفسر شارون لاحقا اقتراحه لهذه الدولة بأنها "أصغر مما يطالب به الفلسطينيون" قائلا ان انسحابا إسرائيليا بنسبة 42% من أراضي الضفة الغربية يمكن قبوله، واشترط أن تكون هذه الدولة منزوعة السلاح، مع احتفاظ إسرائيل بالسيطرة على الحدود الخارجية وحقها في استخدام أجواء هذه الدولة الفلسطينية للطيران.
خطاب بار إيلان
الخطاب الإسرائيلي الأبرز حول الدولة الفلسطينية كان خطاب بنيامين نتنياهو الذي ألقاه في جامعة بار إيلان والذي ألقاه في 14/6/2009 وجاء فيه أنه "إذا اعترف الفلسطينيون بإسرائيل كدولة للشعب اليهودي، فإننا سنكون مستعدين ضمن تسوية سلمية مستقبلية للتوصل إلى حل يقوم على وجود دولة فلسطينية منزوعة السلاح إلى جانب الدولة اليهودية".
واتفقت آراء معظم المحللين والسياسيين على أن خطاب نتنياهو هذا كان مجرد كلمات في الهواء لتخفيف الضغط الدولي عن إسرائيل، أو "كلمات جوفاء" كما نقل عكيفا ألدار في مقال له في هآرتس عن بيني بيغن، نتنياهو نفسه لم يتمسك بهذا الخطاب ولم يكرر ما ورد فيه، بل إنه أعلن في آذار 2015، وعلى أبواب الحملة الانتخابية لذلك العام تنصّله الكامل من ذلك الخطاب، واصفا إياه بأنه "لم يعد ذا صلة".
بناء دولة الأبارتهايد
وهكذا تعامل جميع قادة إسرائيل مع فكرة الدولة الفلسطينية، إما بتجاهلها أو رفضها تماما، أو تقديمها بصورة ممسوخة بحيث يتعذر على أي مسؤول فلسطيني جدّي قبولها، ويقول الكاتب جدعون ليفي في مقال له في هآرتس ( 19/9/2021) بأنه لم يكن هناك اي رئيس حكومة يعتزم تطبيق حل الدولتين الذي يجري ترديده، لكن الكاتب ديمتري شومسكي يرد عليه في نفس الصحيفة بتاريخ 4/10/2021 بأن رئيس وزراء واحدا وحيدا هو إيهود أولمرت اقترب أكثر من اي رئيس وزراء آخر من هذا الحل، وذلك خلال المفاوضات التي جرت في إطار عملية أنابوليسن بحيث يكون مسار الجدار الفاصل هو الأساس للحدود المستقبلية للدولة الفلسطينية. لكن تورط أولمرت في قضايا الفساد، قوّضت مكانته السياسية وأضعفت شرعية أية قرارات يمكن لرئيس حكومة متهم بالفساد أن يتخذها.
وبحسب ليفي وشومسكي وكثيرين غيرهم، فإن تنصل إسرائيل من حل الدولتين يخلي الساحة لحل وحيد، حيث "الاستراتيجية الدقيقة والمحكمة" لرئيس الوزراء الحالي نفتالي بينيت الذي يبني بهدوء وبالتدريج دولة الأبارتهايد بين النهر والبحر.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن