القدس ومخططات دولة الاحتلال

نهاد ابو غوش
abughoshn@yahoo.com

2021 / 10 / 23

الخشية الكبرى هي أن تسعى إسرائيل لاستغلال لحظة ضعف فلسطينية وعربية ودولية لتنفيذ مخططاتها الإجرامية ضد القدس حيث لا يعمل على مواجتها الآن سوى المواطنين المقدسيين بصدورهم العارية وإمكانياتهم المحدودة، بينما العالم يتفرج او يساوي بين الضحية والجلاد من إخلال الاستمرار في إطلاق النداءات الداعية عن وقف العنف والامتناع عن التصعيد.
من المسائل التي قد تقدم عليها إسرائيل، اتخاذ قرارات دراماتيكية بشأن التوازن السكاني في القدس، وذلك عن طريق إخراج نحو 150 الف فلسطيني من مدينة القدس وحرمانهم مما يسمى "حق الإقامة الدائمة" وهي صيغة اسرائيلية للالتفاف على حق المواطنة، بجعل إقامة الفلسطينيين المقدسيين في مدينتهم مشروطة بالموافقة الإسرائيلية، هذا الاتجاه معلن وسبق أن تحدث به عدد من الوزراء والمسؤولين ولا يتطلب الآن سوى قرار إداري. مقابل ذلك يمكن أن تقدم دولة الاحتلال على ضم عدد من المستوطنات القريبة من القدس والمحيطة بها، وحصيلة هذه العملية يمكن لها أن تقلص عدد الفلسطينيين في المدينة من حوالي 350 الف فلسطيني يشكلون ما نسبته 38% من إجمالي سكان المدينة، إلى حوالي 20% فقط، وحتى هذه النسبة الأخيرة معرضة دائما للتقليص سواء تجاه الفراد أو تجاه سكان احياء بكاملها، وتحديدا في الأحياء المكتظة بالسكان والصغيرة المساحة التي تقع على أطراف المدينة.
كما يمكن أن تقدم حكومة الاحتلال على تدابير من شأنها تنفيذ خطة التقاسم الزماني والمكاني لمنطقة الحرم القدسي الشريف والتي تضم المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة، وهي مهدت لذلك من خلال قرار محكمة إسرائيلية الذي يقر بحق اليهود في أداء الصلوات الصامتة في الأقصى، قبل ذلك كان رئيس الحكومة الحالي نفتالي بينيت قد تحدث عن "حرية العبادة" للجميع، لكنه ما لبث أن تراجع عن تصريحه بعد ردود الفعل الغاضبة التي أثرها هذا التصريح المناقض لسلسة من قرارات الأمم المتحدة وقبلها عصبة الأمم، التي اعتبرت الحرم القدسي وكل ساحاته ومبانيه وجدرانه منطقة خالصة للمسلمين.
من الجدير ذكره في هذا السياق أن الاتجاهات الدينية اليهودية الأرثوذكسية (الأصولية) تحرم على عناصرها الاقتراب من منطقة المسجد الأقصى الذي يعتبر في نظر اليهود هؤلاء أقدس مكان على الأرض، وبالتالي فإن الاقتراب منه من دون إذن رباني يعد تدنيسا له، أما عودة اليهود إليه فهي امر مقرون بمشيئة الإله وليس برغبة السياسيين، أما الفئات المتطرفة التي تدعو باستمرار للسيطرة على الأقصى أو هدمه وبناء الهيكل محله فهي من فئات الصهيونية الدينية التي تتعامل مع "اليهودية" بشكل انتقائي وبصفتها هوية قومية أكثر من كونها عقيدة دينية.
لماذا الآن تحديدا يحدث هذا التصعيد ويحضر اشخاص مثل بن غفير وسموتريتش، وما دلالة التوقيت فيما يتعلق بانسداد افق التفاوض بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي
التصعيد تجارة رائجة في أوساط اليمين العنصري المتطرف، يبدو الأمر وكان الإسرائيليين دائما في بازار انتخابي، والزعماء يتنافسون ايهم أكثر تشددا تجاه الفلسطينيينن، سموتريتش وبن غفير هما من ممثلي تيار الصهيونية الدينية مع أن الأخير يتميز بانه من اتباع الحاخام العنصري الأكثر تطرفا في تاريخ إسرائيل مائير كهانا (قتل على يدي المصري سيد نصير في نيويورك عام 1990) ، وهو نفس التيار الديني – الصهيوني الذي جاء برئيس الوزراء نفتالي بينيت للكنيست ومنه للحكم، هذا التصعيد وهذا التطرف يؤكدان أن الجمهور الإسرائيلي برمته يجنح للتطرف والتشدد وهذه ظاهرة لها اسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة ومتداخلة من ابرزها ارتفاع حجم المستوطنين ونسبتهم إلى إجمالي التعداد السكاني الإسرائيلي ليصلوا إلى حوالي 12% من إجمالي السكان اليهود، كما أن اسرائيل لا تدفع كلفة باهظة لاحتلالها، ولا تجد في الحلبة الدولية من يردعها عن مواصلة الانتهاكات والجرائم اليومية بما في ذلك سياسات سرقة الأراضي وبناء المستوطنات والسيطرة على مياه الفلسطينيين ومواردهم، إلى جانب ذلك يمكن القول أن سموتريتش وبن غفير يمثلان الوجه الفجّ والاستفزازي والصلف للسياسة الإسرائيلية، بينما ثمة سياسيون ينفذون نفس السياسات ولكن مع قفازات حريرية وابتسامات وأحاديث معسولة عن السلام والتعاون والازدهار كما فعل نتنياهو على امتداد سنوات حكمه وكما يفعل ممثلو الحكومة الحالية، في الجوهر الجميع متفق على سياسات الضم والتوسع والاستيطان ومنع قيام دولة فلسطينية، ولكن في الظاهر ثمة تباينات طفيفة في طريقة التعبير عن هذه المواقف.
بالنسبة لآفاق التفاوض، أعتقد أن آفاق الاتصالات واللقاءات مفتوحة وتحظى بدعم وتشجيع أميركي وأوروبي وإقليمي، لكن آفاق الوصول إلى حل تبقى محدودة بسبب ضعف الحكومة الإسرائيلية الحالية وانعدام قدرتها على تقديم "تنازلات"، والانقسام الفلسطيني الذي يبقي الحالة الفلسطينية ضعيفة ومحدودة التأثير في معادلة الصراع.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن