رسالة إلى الأستاذ ناشيد : فلسطين مرآة كشف أقنعة ومساحيق الانتهازية

امال الحسين
tarwd_orgs@yahoo.fr

2021 / 4 / 22

تلقينا رسالتك وتجاوبنا معها إنسانيا ولم نبحث عن سيرتك الذاتية لأن التضامن مبدأ إنساني قبل أن يكون من منطلقات أيديولوجية وسياسية، اعتمدنا مضمونها الإيجابي من منطلق دعمنا للفكر التنويري الذي عبرت عن حمله وتحملت عواقبه في دولة تيوقراطية وحكومة ظلامية رجعية، واعتمدنا فيها كذلك مظلوميتك كأستاذ علم الأجيال وارتقى إلى درجات من العلم والمعرفة كلفتك الكثير من المعاناة الصحية والنفسية، وضاقت بك الحال فكنت وحدك تقاوم حتى تمت محاصرتك وصلت إلى قوت يومك المشروع، ولمسنا معاناتك انطلاقا من تجربتنا الخاصة في مثل نفس الشروط التي تعيشها اليوم، ولجأت إلى محيطك الذي كنت ربما غافلا عنه أو كنت اتخذت منه موقفا غير سليم بحكم إرادتك الفردانية التي اعتبرتها استقلالية عن الآخرين، إلا أن واقع الحال صدمك ورجعت إلى أصل صفة المجتمع الإنسانية الاجتماعية المبنية على العمل الجماعي والتضامن والتعاون ليس فقط في وقت الشدة بل هي مبادئ أساسية في الحياة.

تضامنا معك دون أن نفكر لحظة في محاسبتك عن مواقفك ومبادئك الخاصة ولم نبحث عنها أبدا بل استجبنا لندائك نداء المظلومين والمضطهدين في هذا العالم، الذي أنت تعرف بحكم منطلقاتك الفلسفية أنه يسير في اتجاه البربرية المطلقة مستعينا بكل التراث الإنساني الذي ألبسه أقنعة مزيفة، ولطالما يغيرها ويبدلها تبديلا من إصرار أصحاب الحال المستبدين بالرأي الضاربين للمبادئ الإنسانية عرض الحائط، هؤلاء الذين يسمون أنفسهم قادة العالم الرأسمالي في أعلى تجليات الاضطهاد الذي عرفته الإنسانية عبر تاريخها المليء بالظلم والظلام، وكان لابد لهذا العالم المزيف أن تكون له مرآة تعكس الظلم والمظلومية فكانت أرض فلسطين هذه المرآة التي تعكس كل أشكال الخبث في هذا العالم، ورغم إصرار المستبدين بمصير البشرية على محاولاتهم تلميع صورة هذه المرآة وتزييفها حتى يعتقد سكان هذا العالم بمعتقداتهم الزائف، إلا أنها سرعان ما تسقط كل الأقنعة التي يلصقونها بهذه المرآة، التي ترفضها رفضا طبيعيا وتاريخيا انسجاما مع روح الإنسانية التي يدافع عنها كل الفلاسفة عبر التاريخ، من سقراط إلى آخر فيلسوف يحمل مشعل التنوير في هذا العالم الذي تم تخضيبه بأصباغ الزيف والتضليل.

لقد تجرع سقراط السم فرحا بحياة أخرى كما يعتقد ذلك بينما تلامذته لم يستسيغوا فرحته العارمة رافضا أن يتنازل عن مواقفه من الظلام، فأعطى أول عبرة تنير طريق الفلاسفة والعلماء بعده لم يستوعبها إلا القليل منهم القادرين على نكران الذات والتشبث بعزة النفس، فقضى من قضى منهم وبقي من جاء بعدهم يبحثون عن روح الإنسانية في عالم يسيطر فيه المزيفون من الفلاسفة والعلماء خدم الاستبداد بالقصور، منذ سخر الأكويني الفلسفة من الكنيسة للبلاط ضربا عرض الحائط عقلانية ابن رشد، فساد الظلام برداء المسيح في عالم الغرب الوسيط، فقامت العقلانية من أجل الوجود فكان لها النصر في عصر الأنوار فكان للفلاسفة والعلماء شأنا عظيم حتى تمكنت البرجوازية من الحكم، فانقلبت على العقلانية وسخرتها ضد الإنسانية حتى أصبح اليوم سوق النخاسة ملطخ بدماء ضحايا الرأسمالية، وبقيت مرآة الإنسانية فلسطين تعكس كل أشعة المستبدين المزيفة مهما حاولوا حجبها بالغربال في الليل والنهار على السواء، فأبى أطفال الحجارة إلا أن يزينوا هذه المرآة بدماء شهداء الإنسانية عبر تاريخها الطويل والمديد.

وكان لبلاد مراكش نصيب وافر في هذا التاريخ من الملاحم والبطولات العلمية والمعرفية منذ مر بها ابن خلدون ومن سبقوه ومن جاءوا بعده، الذين أعطوا للتاريخ بعدا أدق وأشمل ألا وهو أن دماء الشهداء تنظف يوميا مرآة التاريخ من أوساخ الظلام، التي ينشرها المستبدين بالسلطة في أوساط جماهير المظلومين سعيا لتلطيف استغلالهم وتطويعهم للعبودية، فأبى العلماء والفلاسفة الملتزمون إلا أن يحملوا مشعل التنوير في كل مرحلة من مراحل الاستبداد التي نعيش اليوم أقصاها ظلما، فكن من هؤلاء الحاملين للجمر في أوساط جماهير المظلومين في عهد الحجز والاضطهاد، بعد احتضانك ممن تعتقد أنهم لن يستجيبوا لندائك بفعل زيف التشهير بهم من طرف من تعتقد أنهم محقون في تقديراتك، فمرحبا بك في أسرتك الواسعة فكلنا مع التنوير ضد الظلام لكن من موقع المظلومين وليس من موقع الظالمين.
امال الحسين مناضل



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن