النُخَبُ التلفيقية

مصعب قاسم عزاوي
drazzawi@fastmail.co.uk

2021 / 3 / 6

حوار أجراه فريق دار الأكاديمية للطباعة والنشر والتوزيع في لندن مع مصعب قاسم عزاوي.

فريق دار الأكاديمية: ما هو سبب رفضك القاطع لمفهوم «النخبة»، ودورها الجوهري في إدارة المجتمعات على المستوى الكوني؟

مصعب قاسم عزاوي: ليس هناك ضرر أو خطل في وجود فئة متعلمة ذات خبرة في إدارة شأن ما بشكل يزيد قليلاً أو كثيراً عن مستوى الخبرة الوسطية الموجودة لدى عموم الشعب بذلك الخصوص؛ وهذا ما قد يطلق عليه مسمى «أولي الخبرة»، والذين لا بد من أن يكون عملهم مشروطاً بالتزام أخلاقي ورقابة جمعية من المجتمع نفسه على النواتج التي يأتي بها عمل أولئك الخبراء بصفتهم كخبراء، للتيقن من أن تلك الخبرة «الظنية التي يزعمون بامتلاكها» هي «خبرة فعلية لا يمتلكها الآخرون» وأن نتاجها يمثل قيمة فائضة تفصح عن نفسها بمصلحة جمعية لكل أفراد المجتمع. وإثبات صدقية ذلك التصور بكليته مسؤولية تقع بشكل حصري على عاتق أولئك «الخبراء» عبر توثيق صحته وقيمته العيانية المشخصة اجتماعياً، مع اعتقادي الشخصي العميق بأن جميع أمور إدارة المجتمعات، ليست على مستوى من التعقيد يمنع أي «مواطن بسيط مجتهد» من المساهمة الفاعلة في الانخراط بها. وأضرب مثالاً على ذلك المقولة المهمة لبول كروجمان الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد، والتي فحواها بأن جميع الاقتصاديين على المستوى الكوني بيمينهم ويسارهم يخمنون ويتكهنون ويُنَظِّرون حول الأسباب التي أدت إلى ذلك المُخْرَج الاقتصادي أو ذاك، دون تمكن أي منهم على تقديم جواب نهائي كامل وناجز يفسر نسق التفاعل الاقتصادي الذي أدى إلى شكل و طبيعة ذلك المخرج في بادئ الأمر، وهو ما يعني فعلياً بأن جميع أولئك الخبراء هم خبراء «تنظيريون بأحسن الأحوال» أو «خلبيون بشكل أو بآخر»، وأن معظمهم يتلطى وراء ستار من «المعرفة التقنية الشكلية»، بينما هم في الواقع يمارسون فعلاً بدائياً مبسطاً يتقنه جميع بني البشر جوهره «الملاحظة والتجربة والتعلم من الخطأ»، وهو ما يمكن لأي «مواطن عاقل مجتهد» أن يقوم به، مع بعض التأهيل التقني الضروري، والذي لا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال معقداً إلى درجة استحالة استبطانه وتفهمه.
والطامة الكبرى تتشكل حينما «تتعضى فئة الخبراء» في جسد اجتماعي يقدم نفسه بأنه «النخبة» الاجتماعية الوحيدة القادرة على إدارة شؤون المجتمع نظراً «لاستحواذها الحصري على المعرفة والخبرة الضرورية لإدارة شؤون المجتمع». وهي «النخبة» التي لن تبارح إعادة إنتاج نفسها وتوطيد تمترسها الاجتماعي عبر تمسحها وتملقها «للفئات المهيمنة على مفاصل المجتمع الاقتصادية والإعلامية والاجتماعية» لتسبغ تلك الأخيرة عليهم «حلة الخبراء وأوسمة وألقاب النخبة» التي لن يبقى سواها من يستطيع على إدارة شؤون المجتمع وحيوات أبنائه. وهذا الواقع المؤوف يفصح عن نفسه في أطروحة «الباب الدوار» التي يسري عبر مساربه مدراء ومالكو الشركات العابرة للقارات في العالم الغربي خلال مراحل متعددة من سيرتهم المهنية، متنقلين من مناصبهم في إدارة شركاتهم، إلى مناصب حكومية رفيعة، ليعودوا بعد الخروج منها عبر «الباب الدوار» نفسه إلى إدارة نفس الشركات العابرة للقارات التي قَدِموا منها في بادئ الأمر. وهي نفس الأطروحة التي لم يعد يخجل من التصريح بها جل تلك «النخب الخلبية في العالم الغربي» والتي فحواها «بأن إدارة شركة ناجحة في استغلال عمالها المحليين، وقوة العمل شبه المجانية للعبيد الافتراضيين في آسيا وغيرها، تؤهل صاحبها لإدارة وطن بأكمله، وبنفس الطريقة الداروينية المتوحشة»، ومثالها الأفصح في بربريته التي تفقأ العين في العالم الغربي هو نهج وتكوين إدارات جُلِّ الرؤساء الأمريكيين ورؤساء الوزراء البريطانيين منذ حقبة صعود الليبرالية المستحدثة في ثمانينيات القرن المنصرم.
أما في عالمنا العربي، فالفئة النخبوية غالباً ما تكون حفنة من «تجار الكمبرادور»، وصناعيي «اللمسة الأخيرة» و«وعاظ السلاطين من الإعلاميين» وغيرهم من الفئات الطفيلية على مجتمعات أصبحت أقرب إلى الهشيم والحطام الاجتماعي، دون أن يغير ذلك من الدور الوظيفي لتلك الفئات النخبوية في تكريس هيمنة النظم الاستبدادية العربية، ودورها البنيوي الأسمى في العمل «كنواطير» مهمتهم ضمان عدم انفلات الشعوب العربية من «عقالها ورسنها» وبقاء مجتمعاتها مورداً «شبه مجاني» للمواد الخام وخاصة النفطية، وسوقاً لتصريف نتاج الشركات العابرة للقارات التي تمثل «هيئة تشخيص مصلحة النظام» في العالم الغربي، و يمثل أباطرتها ورموزها «أولي الأمر» الفعليين المخولين بتعيين «النواطير العرب» وإدارتهم وتنحيتهم واستبدالهم حسب ما تقتضيه الظروف الموضوعية في حينها.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن