تحية إلى رجل شجاع

مصطفى رحمه
mostafarahma@gmail.com

2021 / 2 / 26

رجل شجاع
تحية للعفيف الأخضر
معروف أن من تجاوز الخمسين دائم التفكير في الموت، ليس خشية منه، ولكن البعض لا شك يخشاه، ولأن الإنسان ما فتأ ومنذ أن وجِد على الأرض بقى سؤاله الأذلي و شغله الشاغل، الذي لا إجابه عليه
ماذا بعد الموت ؟

الأديان خففت بعضاً من كل هذا، فالوعد بجنّة فيها ماتشتهي الأنفس طمأنت المسلم المتدين، كذلك فعلت باقي الأديان مع تغيير طفيف في ماهية الآخرة، منهم من قال البعث بالروح، كما المصريين القدامى، وآخرين قالوا بالجسد.

عرفت بعضاً ممن يقول ويردد ( اللهم إلهمنا إيمان كما إيمان العجائز ) وكأن الإسلام أدركهم للتو، منهم من انتظم في الصلاة بمواقيتها، والبعض منهم ذهب للحج أو العُمرة لينالوا رضى الله وليغفر لهم ما أقترفوه، كل هذا فعلوه بسنهم المتأخرة
هؤلاء ممن يمسكون العصىَ من المنتصف، ولن أقول إنهم لم يبلغوا الايمان بعد
ولأن الايمان محلّه القلب
ولكني آخذ عليهم التظاهر بالضلوع في الايمان خشية موت مُحقق أصبحوا على مبعده منه، وحتى يضمنوا مكاناً لهم في جنّة وعد الله بها عباده المؤمنون، فيها نساء وخمر وكواعب وحتى غلمان

الكاتب والفيلسوف العفيف الأخضر الذي ترك بلده تونس وأقام بفرنسا عدد من العقود، ذلك الرجل عاش حياته وهو لا ديني، ومن ثم قال بإلحاده بعد ذلك
بأغلب مؤلفاته

تأثر بكتابات عبد الرحمن الكواكبي وشبلي الشميل وطه حسين وقاسم أمين ولطفي السيد وسلامة موسى وأحمد أمين.
فكانوا خير معين للمعرفة الكلية عن ماهية الدين، خاصة سلامه موسى

مؤكد لديه اسبابه التي بينها بكتاباته التي يغلب عليها الفلسفة

الغريب وبعدما أصابه سرطان مميت وحين أُدرك الموت الوشيك، وبعدما تأكد من إنها أيام يحياها، ترك كتابين جديرين بإدخاله درجة ( اللوچ ) بجهنم
( وهذا مالم يعتقده ولا يأبه له كما أغلب المتنورين والمثقفين )

ولأن الموت لا يعنيه، وما لم ندركه ولا يدركه بعد الرحيل، أوصى بحرق جثمانه، وهذا حق يضمنه له القضاء في فرنسا، ولأنه كان حريصا على سلامه الداخلي ومتطابقا مع قناعاته وإيمانه بالتحرر من الدين

الكتابين قرأتهما، أما محمد الإيمان فقل قرأته ثلاث مرّات، كلاهما أحدثا ضجة لدى التيار الاسلامي اليميني الرجعي الرافض لمثل هكذا كتابات
الكتاب الأول ( من محمد الايمان إلى محمد التاريخ )
والثاني ( إصلاح الاسلام )

ففي كتابه الأول حاول على إمتداد صفحات طويلة أن ينقلنا إلى الجانب الآخر من مناطق ظلّت عصيّة عمن سبقه بكتابة سيرة النبي.
بتلك الأحداث التي يتداولها الجميع و رسخت في الأذهان مما أدّى إلى إنتشار عقليّة التقديس والتمسك بإتباع السلف في أدقّ التفاصيل.

فالكتاب يثير العديد من الإشكاليات المتعلقة بالنّص الدّيني و يطرح تساؤلاتٍ حول مواضيع لطالما إِعْتُبِرَتْ من الثوابت التي لا يُسْمَحُ الحديث حولها و الخوض فيها.

فقد جاء بحث العفيف الأخضر في إطار نزع كلّ قداسة عن نبيّ الإسلام وصحابته. فشخصيّة النبيّ التي تنقلها لنا كتب الموروث مثالية وتبدو متكاملة إلى أبعد الحدود لا بل تصل إلى درجة التّأليه.
و قد حاول الكاتب التركيز على شخصيّة محمّد و تحليلها تحليلا علميا دقيقا مستعينا بعلم النفس.

ولأن علوم الأديان تجعل العلاقة بين الإنسان والدين شفافة،بتحرير هذه العلاقة من الفكر السحري والأسطوري، المتجسد في المعتقدات والشعائر الخرافية.لكن هذه الشعائر الخرافية تلبي حاجة نفسية عميقة في النفس البشرية
:التحكم في ظواهر الطبيعة الغاشمة، كالكوارث الطبيعية والمرض والموت، بالسحر.الشعائر،تقديم القرابين والصلاة،مثل صلاة الإستسقاء في أوقات الجفاف، التي مارسها الإنسان منذ زمن سحيق،وورثتهن الأديان الوثنية ثم التوحيدية عن الفكر السحري القديم

كتابه الآخر اصلاح الاسلام
‎ما يحاول العفيف الأخضر فعله هو التأسيس لقاعدة فكرية نقدية تتجذر في لاوعي الأجيال الشابة عن طريق التعليم والاعلام مما يسمح لها برفض اللامعقول الديني الخرافي والذي يعتبر سبب مشاكلنا وعللنا كحضارة اسلامية.

وقال عن العقلانية الدينية وفعلها الضروري في لحظتنا الراهنة، هو الإنفتاح على علوم الأديان، ونظرية التطور، وعلوم الأعصاب، وأفضل إشكال التدين المعاصر،أي الإيمان كرهان،للخروج من الإنغلاق الديني الحنبلي، ومن الجبن الديني،إلى الإنفتاح الديني الحديث والشجاعة الدينية.
العلوم المذكورة
يقدمن للمؤمن إضاءة موضوعية،لمعرفة تكوّن وتطور ومصدر معتقداته منذ ما قبل التاريخ المكتوب حتى الآن.
تمت



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن