من علوم الإمام أبي العزائم | الطريق إلى الله تعالى | الجزء الأول

عدنان إبراهيم
saidnosi8@gmail.com

2021 / 2 / 9

نستعرض في هذه المقالات بعضاً من عيون كلام الإمام أبي العزائم في حكمة خلق الإنسان ومراتب الوجود وتزكية النفس ونيل السعادتين في الدارين، بعد كشف حقيقة الطريق إلى الله ومعنى الحياة الروحانية والفرق بينها وبين الحياة الدنيا (الجسمانية).. والإمام أبو العزائم هو إمام دعوة الوراثة المحمدية في هذا الزمان، وهو أحق من تكلم في غوامض هذا العلم، والله الهادي والموفق.

حكمة الخلق

الإخلاص في العبادة : ‏
‏ هذا هو مبحث المباحث الذي تجب العناية به، وهو المقصود بالذات من كل مواضيعنا ‏هذه، لأن الله جل جلاله ما خلق الخلق إلا لحكمة واحدة، هي عبادته بإخلاص (1)، وقد يسر لهم ‏كل ما يحتاجون إليه في حياتهم الدنيا مع المزيد. ‏
‏ فأجرى لهم الأنهار، وأنزل لهم الأمطار، وخزن لهم الماء في بطون الأرض، وهو العنصر ‏الوحيد لحفظ حياة كل حي من نبات وحيوان وإنسان، فمنح الله الإنسان الماء أكثر مما ‏يحتاج إليه. ولكثرته انصب في البحار الملحة، حتى يعلم الإنسان أن الله تعالى رزقه ‏أكثر من كمالياته. ‏
‏ وخلق له الهواء وجعله معه حيث كان، حتى في قاع البحار، وفى مغارات الجبال، فغمر ‏كل مكان خال بالهواء. وخلق النور والحرارة كذلك. وجعل الأرض كلها كنوزا للإنسان ‏يفتتحها بأقل عمل. وجعل له سبحانه في كل حركة يتحركها بركة، إما عاجلة له في ‏الدنيا، وإما آجلة له في يوم القيامة. ‏
‏ ومن ساح بفكره في نفسه وفيما أحيط به، ينقلب إليه فكره خاسئا وهو حسير، عاجزا ‏عن حصر ما شاهده من أنواع النعم التي لا تحصى، والمنن التي لا تستقصى، معترفا بما ‏أنعم عليه الله من الفضل العظيم، وما أوصله إليه من الخير العميم، ولكن قتل الإنسان ‏ما أكفره. هذا ما يمكن للفكر أن يكاشف به من أنواع الخيرات، وكيف بما هو فوق ‏ذلك من خفي الألطاف، وسريع الإسعاف، وجلى العناية، وعظيم الهداية، وواسع ‏الإحسان وخير الحنان، فسبحان من لا يعلم قدره غيره، ولا يبلغ الواصفون وصفه. ‏

بادرة ما يلوح لمن تفكر في نفسه وفيما حوله: ‏
‏ كل تلك الخيرات المتوالية، والبركات المفاضة بالفضل والإحسان ورضا الله عنا، بعد أن ‏تفضل بها علينا، توجب أن نشكره عليها، فإذا وفقنا وشكرناه ؛ وهب لنا مالا عين ‏رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من الفيض الأقدس الذي يواجه به ‏أرواحنا، ومن الأنوار التي يجعلها في قلوبنا، ومن العناية منه سبحانه بتوفيقنا لمحابه ‏ومراضيه، حتى نكون كأننا معه سبحانه، ويكون جل جلاله معنا في هذه الحياة الدنيا، فتكون ‏لنا العزة بالله تعالى. ‏
‏ ثم بعد أن يتفضل علينا بهذا الفضل العظيم، ينسبه إلينا وهو الفاعل المختار، ويتقبله ‏منا كأننا أوجدناه وأحدثناه بقوة منا - ولا حول ولا قوة إلا بالله - في كل شأن من ‏الشئون. وهذا فضل على فضل.ثم يتفضل سبحانه بما هو أجل وأعظم، فينعمنا بجوار ‏قدسه بالملك الكبير، ويؤنسنا على بساط منادمته، وموائد كرامته، حيث الحبور الذي ‏لا يصفه الواصفون، والمسرات التي لا تفي بها عبارة ولا إشارة، فسبحان ذي الفضل ‏العظيم. ‏
‏ تفضل سبحانه فأوجد الإنسان، ثم تفضل فوهبه الخيرالعظيم، ثم تفضل فهداه الصراط ‏المستقيم، ثم تفضل فنسب إليه هذا العمل الصالح، وهو الذي خلقه فيه، وأعانه عليه، ‏ثم تفضل فجازاه خير الجزاء اللائق بذي الفضل العظيم، فله الحمد ملء السموات ‏والأرض، وملء ما شاء من شيء بعد. ‏
‏ فهذه بادرة ما يلوح لمن ساح بفكره في نفسه وفيماحوله، فكيف بمن ساح في ملكوت ‏الله الأعلى، مقتبسا طرائف العرفان، وأنوار الإحسان، من مشكاة الأنوار المحمدية ؟! ‏
‏ إلى هنا يقف العقل، وتخرس ألسنة العبارات، وتسكن أعضاء الإشارات. قال الله تعالى ‏‏: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) الإسراء:85 وقال سبحانه وتعالى لحبيبه ‏ومصطفاه: (وقل رب زدني علما) طه:114

التفكر في سوابغ النعم : ‏
‏ إذا حصل المريد بخياله صور الكائنات، وما بها من سوابغ النعمى، وجزيل الآلاء، ‏وواسع الفضل العظيم، وتجلت له آيات الله مشرقة في نفسه وفى الآفاق، وانتقشت تلك ‏الصور على جوهر نفسه، فتعقلها عقله، وتدبرها قلبه، فشعر القلب بأن تلك المواهب ‏العلية، والكنوز الكونية، التي ملئت خيرا له وبركات، لا يحصيها عدا ولا يستقصيها ‏حدا، لم تخلق عبثا، ولم تترك سدى، وتحقق أن مبدعها القادر الحكيم، وخالقها القوي ‏العليم، ما تفضل بها سبحانه إلا لحكمة أجلاها للبصائر، وسر كاشف به الضمائر، ‏وآيات أجلاها للعقول، ولا تخفى على إنسان كائن من كان، ولكن الأهواء والحظوظ ‏والتقليد هي التي جعلت الإنسان يجهل الطريق الموصل إلى الحكمة، والسبيل المبين لها. ‏
‏ والحكمة عبادة الله تعالى، والإخبات لعظمته جل جلاله، والتحقق بأنه هو الله لا إله إلا هو، ‏وأن الإنسان عبد أكرمه الله بعظيم فضله، شديد الاضطرار إلى مولاه، دائم الافتقار إليه ‏جل جلاله، وأن مولاه سبحانه هو الغنى المغنى، قال الله تعالى : ‏(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون) ‏الذاراريات: 56

العبادة دليل على محبة الله : ‏
‏ فإذا تجلت تلك الحقيقة، سارع المؤمن إلى العبادة بأنواعها في أوقاتها، فيؤديها بآدابها، ‏فيحافظ عليها دائما، فإذا وفقه الله تعالى للقيام بما أمره به وترك ما نهاه عنه، تجلت له ‏حكم تلك الأحكام، وأسرار تلك الأعمال، فعلم قدر نفسه، ونسبته إلى الكائنات، ‏وظهر له جليا أن الكون وما فيه سخر له من الله سبحانه وتعالى، فأحب الله بكل قلبه ‏لما تفضل به عليه، حبا يجعله منجذبا إلى الله بالكلية، قال صلى الله عليه وآله ‏وسلم «أحبُّوا اللهَ لما يَغذُوكم بِه النِّعَم،وأحبوني لحب ِاللهِ، وأحبوا آل بيتي لحبى ».
ثم يقوى حبه لله، ويشتد شوقه إلى الله تعالى، فتحصل له الرغبة في القيام بنوافل الخير ‏بعد عمل الواجبات، من ذكر وفكر، وخشوع وإخبات، وخوف ورجاء وخشية من الله، ‏ورهبة ورغبة. وكلما أشرقت له أنوار الحكمة فيما قام به من الأحكام بتوفيق الله وهدايته ‏؛ تجلت له أنوار الربوبية في نفسه وفى الآفاق، فنما شوقه، وزاد غرامه، حتى تصغر في ‏عينيه الدنيا وما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، فينجذب لأهل التقوى والصلاح، وصحبة ‏العلماء الربانيين، ويفر من كل ما يشغله عمن هو موجه وجهه إليه، ولو كان والدا أو ‏ولدا أو مالا، خوفا من حجبه عما يواجهه من جميل الآيات، وما ينبلج له من الأنوار ‏في الكائنات، حتى قد يبلغ به الأنس بمشاكليه والبهجة بنظرائه، مبلغا يجعل الغريب ‏البعيد المخالف له في لونه ولغته أحب إليه من أبنائه ووالديه، وقد يبذل ماله ونفسه ‏في رضائه، أنسه بجلوسه معه، أنس بمن هو موجه وجهه إليه، ونفس أنس بمشاهدة ‏أحب إليه من الدنيا وما فيها. ‏


الطريق
تعريف الطريق: ‏
‏ الطريق هو السبيل، ومأخذه عند الرجال من قوله تعالى: قالوا ياقومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم) الأحقاف: 3
وهو في اصطلاح أهل السلوك إلى ملك الملوك : محو ما بينك وبين ‏الوصول إلى مقصودك.‏
فالسالك إلى نيل قصده يترك وراءه آثارا كثيرة، حتى يمحو كل بين يحجبه عن مقصده، ‏ولذلك فالسالك في طريق الله تعالى ينسلخ من كل ما يحجبه عن الحق جل جلاله، حتى ‏ينمحى البين من البين، وتقع العين على العين،إما مراقبة، أو رعاية، أو شهودا، أو ‏طمأنينة قلب في مقام اليقين الحق، بعد مراتب اليقين علما وعينا. ‏

كثائف الجهالات على الطريق : ‏
‏ ولما كانت معالم طريق الله تعالى، والأنوار التي تبين سبل الله تعالى - مع وضوح دلالة ‏الآثار المشهودة عليها - قد عميت عنها عيون الحس، وجهلتها قوى النفس، وتسلت ‏عنها العقول بما اعتراها من الحجب، بالمسارعة إلى نيل حظوظ النفس والجسم، ‏انكسفت أنوار العقول، وخفيت معالم الطريق إلى الله سبحانه وتعالى، إلا بوازع قوي ‏يجذب الأرواح بعالم رباني، يبين أسرار كتاب الله وسنة رسول الله (صلى الله عليه ‏وآله وسلم) أو بعصبة ذات شوكة وسلطان وغيره لله ورسوله، تقهر الأجسام التي ‏حجبت الأرواح والعقول بمقتضياتها عن السير على الصراط المستقيم، حتى تستريح ‏العقول والنفوس، فتنفذ بقوة هذا الوازع من كثائف الجهالات، وتنهج على المنهج الحق. ‏ولديها تسلم لله رب العالمين، فتحصل اليقظة للقلب بعد ‏نومة الغفلة ورقدة الجهالة، وتحصل التبصرة للإنسان بعد علم مبدئه ومعاده، فيشتاق إلى ‏السير إلى الله تعالى،والسلوك على طريق أئمة الهدى المهتدين، ويبحث عن الوسائل التي ‏تبلغه تلك المقاصد العلية، فإذا تاقت نفسه بعد اليقظة والتبصرة، كان من أهل طريق ‏الله تعالى، وتحقق بالإسلام الذي هو التسليم لله شرعا وقدرا ويسارع إلى تعلم العلم ‏الذي لابد له منه، وإلى صحبة أهل الخير والتقوى، لأن الحس بريد النفس، والمعاشرة ‏مجانسة، ومن أحب إنسانا غلب عليه طبعه، قال (صلى الله عليه وآله وسلم) « المرءُ مع مَن أحَبَّ ». ‏



_______________________________
(1) أشار الإمام في مواضع أخرى من كتبه إلى أن المراد بالعبادة ليس هو المعنى المتداول، من أداء الشعائر، ولكن المراد به التخلق بأخلاق الله والظهور بصفاته هو سبحانه (من العفو والمغفرة والصفح والحب والكرم والحب والعطف والشفقة والرحمة الخ) لا بصفات النفس (كالبخل والغضب والإنغماس في الشهوات) أو الشيطان (كالكبر والحقد والحسد والعدوانية)



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن