دين الإنسان ودين السلطان

عدنان إبراهيم
saidnosi8@gmail.com

2021 / 2 / 7

لا شك أن كل منا - سواء كان متديناً أو غير متدين - يشعر بضرورة تجديد الدين، إذ أن المفاهيم والتصورات التي كانت سائدة منذ 1400 سنة أو ألفي سنة، لم تعد تصلح اليوم بعد قطع شوط كبير في الوعي البشري.
والإنسان المعاصر على مفترق الطرق، هل يأخذ بالأصالة أم المعاصرة ؟ أيهما على حق: هل هي السلفية أو العلمانية ؟ أو أنهما طرفي باطل والحق بينهما، وإذا كان الأمر كذلك، فما هو هذا الحق ؟ ولماذا لا يكون واضح المعالم حتى لا يضل الناس ؟
وإذا كان الله يقول في كتابه (إن علينا للهدى) فأين هذا المعنى الجليل فيما نحن فيه من فوضى دينية ؟!
هل يعجز الله عن تحديد شخصية مركزية تتحدث نيابة عنه إلى يوم القيامة ؟ أم أن هذه الشخصية موجودة بالفعل في كل عصر، وأنها مرتبة دينية تسمى الإمامة ؟ وأن الذي يمثلها هو الإمام الوارث، وهو تجسيد لقوله تعالى (واعلموا أن فيكم رسول الله) ؟
في الواقع أن تلك الأخيرة هي الصواب، ولكن مسألة الإمامة أمرها صعب خطير على ذوي المصالح، ولذلك لم يكتب لها الحياة والوجود حتى الآن.
وقد يسأل سائل: ما هي خطورتها، ومن هم الذين سيتضررون من وجود إمام يلتف حوله المسلمون حول العالم ويأتمرون بأمره ؟
الجواب: الكل!
كل العالم في الداخل والخارج
فالسلطة الزمنية السياسية ليس من مصلحتها وجود هذا الإمام.
وبالطبع ولا السلطة الدينية
ولا أي وجود قائم على الغش والباطل.. لأن ساعتها لن ينفع الكذب ولن ينفق وينطلي على أحد إذا ما قال الإمام لا..
مجرد تقديس الناس لشخصية معينة والتفافهم حولها، فكرة تثير ذعر الحاكم والسلة السياسية في أي زمان ومكان، لأن الحكم الفعلي سيكون لهذا الرجل الصالح وليس للحاكم، أو هكذا يتصور الحكام الطغاة والجبابرة في كل زمان، ولك أن تقرأ التاريخ، وسأختصر لك هذه المهمة الصعبة وأحيلك على كتاب واحد فقط، وهو كتاب (مقاتل الطالبيين) للراغب الأصفهاني، وهو كتاب ضخم فيه قصص تتبع السلطات الأموية والعباسية لأهل البيت من أبناء علي بن أبي طالب، إذ كانوا هم المنكرون على الظلمة وصوت الثورة على الظلم دائماً وأبداً، ولذلك لم يسمح التاريخ باستمرار وجودهم كقادة وزعماء روحيين، ليس سياسيين، ولكن فقط زعماء روحيين، لم يسمح لهم التاريخ بهذا، ولا حتى تدوين وتقرير عقيدة الإمامة في بطون كتب العقائد كعقيدة نظرية.. حتى هذا لم يُسمح به.. ولكن على العكس: انصرف مصطلح الإمامة إلى "الخلافة" السياسية.. أي أصبح الإمام هو الحاكم أو السلطان، وأنه واجب الطاعة ولو فعل وفعل، لو جلد ظهرك وأكل مالك.. هكذا تقول الأحاديث التي وضعوها وقرروها في الكتب بعد ذلك.

نفهم من هذا :
"أن حركة التاريخ لها دور عظيم في تحديد فهم الدين وتشكيله في وعي الناس"
وأن الفهم الحالي لابد أن يكون مختلفاً عن الدين الفطري الحق الذي بعث به النبي ص منذ
سنة
وأن هناك إمام بالفعل
وأن الله لم يقل للصحابة (واعلموا أن فيكم رسول الله) لأنه تحصيل أمر حاصل، وحاش لله أن يكون في كلامه شئ بلا معنى
ولكنه قالها لنا نحن.. نحن المقصودون بهذا
ولهذا قال في موضع آخر (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون)
كلها فعل مضارع يفيد الحاضر والمستقبل
كما أنه لم يسم الرسول فلم يقل محمد وإنما ذكر الرسالة لأنها مستمرة ما دام هذا الكتاب في كل عصر، وما دام لكل عصر مستجداته ومتحدثاته، وحاجة الكتاب لتفسير يناسب تلك المستجدات.
كما أننا نجد أنفسنا أمام آيات تقرر استمرار تعاون بعض البشر مع بعض الأرواح العلوية في استمرار الرسالة، فيقول تعالى بشكل مبسط (الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس) أي أن الإلهام من قبل الملائكة لبعض الإنس المتجسدين، لا زال مستمراً بناء على سنة الإصطفاء والإختيار، حيث "يصطفي" فعل مضارع يفيد الإستمرار.

***

إذا كان الأمر كذلك، فلا شك أن هناك مفارقة بين ما هو عند الله وبين واقعنا
وأن ما نفترضه ونقول (لماذا لم يفعل الله كذا) قد فعله بالفعل!
وأن المشكلة فينا نحن وفي حكامنا وعلماء السلطان على وجه الخصوص، كما قال عبد الله بن المبارك:

وهل أفسد الدين إلا الملوك * وأحبار سوء ورهبانها ؟

***
يقول السيد عز الدين أبو العزائم في كتابه (دعوتنا) :

بيان فى الإمامة والإمام المجدد

الإمامة نيابة عن الرسالة :
الإمامة نيابة عن رسولة الله (ص وآله) فى حفظ شريعته،وهى واجبة بعد النبوة، إذ ليس من الممكن المعقول أن يترك الله عباده المنتشرين فى البقاع مع علمه بما هم عليه من حب المال والجاه واختلاف الطباع والأهواء والميول والاتجاهات، تأخذ فى شعاب الجهل والضلال، وتسلك أودية الحيرة بلا إمام يحسم مادة الفتن بينهم، ويهديهم إلى سبيل الرشاد.. فكيف يا ترى يجوز أن يترك الناس فى حيرة الضلالة يحكم فيهم سلطان الهوى ويسوسهم الجهل والهمى، وكتاب الله يقول : (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) وبعث الإمام من الهدى.

لكل قرن من الزمان إمام :
لكل أناس فى كل عصر من العصور إمام يدعون به سر قوله تعالى :
(يَوْمَ نَدْعُوكُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ) وعليه لا يجوز أن يخلوعصر من العصور من إمام مقام من الله تعالى : (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) وقال تعالى :(وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ) هذه آيات الكتاب. أما السنة فقد ورد عن سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) .
الإمامة مفروضة من قبل الله والرسول لا الناس :
والإمامة كالنبوة من المناصب الإلهية التى تحتاج الإقامة من الله تعالى، فكما أن الله تعالى يختار من يشاء من عباده للنبوة، ويؤيده بالمعجزة تصديقا لدعوته، فكذلك يختار من يشاء للإمامة ويؤيده بالكرامة، وكتاب الله يدلنا على ذلك فى قوله تعالى : (وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً) وقوله تعالى : (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) وقوله تعالى : (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) فقد أسند الله تعالى جعل الأئمة وإقامتهم فى هذه الآيات إلى ذاته المقدسة، ولم يعط صلاحية شىء من ذلك إلى غيره مطلقا.
وليست الإمامة بالاختيار أوالانتخاب من الناس، فليس لهم إذا شاءوا أن ينصبوا أحدا نصبوه، وإذا شاءوا أن يعينوا إماما لهم عيونه، ومتى شاءوا أن يتركوا تعيينه تركوه.
فالإمامة المعقودة من بعض الناس إنما يفرضها الناس بعضهم على بعض، وأين ما يفرضه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الجليل تعالى مما يفرضه الناس أنفسهم ؟؟ فما فرضه الناس لم ينزل فيه كتاب ولا وردت فيه سنة.
التعرف على الإمام أصل من أصول الإسلام :
فوجود الإمام فى كل زمان ووجوب التعرف عليه والرجوع إليه، أصل من أصول الإسلام لا من فروعه المتعلقة بأعمال المكلفين، لأنه رتب على التخلف عنه أكبر محذور وهوالميتة الجاهلية، قال (صلى الله عليه وآله وسلم) :
(من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : (من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية) والميتة الجاهلية أى ميتة الكفر، وهى لا تكون إلا لترك أصل من أصوله.
شروط الإمام :
أولا : الإمام عبد من عبيد الله المكرمين اختصه الله تعالى بكرامته، وحباه بولايته، فهوفى أعلى درجات الكمال اللائقة بالبشر من التقوى والشجاعة والكرم والعفة والصدق والعدل، ومن التدبر والعقل والحكمة وجميع الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، لا يدانيه أحد من البشر فيما اختصه الله به، وبهذا استحق أن يكون إماما وهاديا.
أما منزلته العلمية فهى لا تجارى، فما سئل عن شىء إلا أجاب عنه فى وقته، ولا تمر على لسانه كلمة لا أدرى، ولا يؤجل الجواب إلى المراجعة اوالتأمل.
ثانيا : والشرط الثانى هوأن يكون هذا الإمام من أهل البيت، لأن أهل البيت هم المرجع الأصلى بعد النبى (صلى الله عليه وآله وسلم) لأحكام الله المنزلة، فهم خزانه علمه ومعرفته، وتراجمة وحية، وأركان توحيده، ويجب على كل مسلم أن يدين بحبهم ومودتهم، قال تعالى : (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) .
ولا شك أنه تعالى لم يفرض حبهم ومودتهم إلا لأنهم أهل الحب والوفاء لطهارتهم من كل ما يبعد عن دار كرامته وساحة رضاه، قال تعالى : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) .
وكما شد الكتاب الناس إلى الذهاب إلى إمامة العترة من أهل البيت، شدت السنة كذلك فى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : (إنى تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتى أهل بيتى ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا، ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض) .
وهذا الخطاب يقصد به جميع الأمة فى كل جيل وكل عصر، فأمر المصلح الأكبر(صلى الله عليه وآله وسلم) بالتمسك بالثقلين، وهما الكتاب والعترة، لأن بهما الهداية والرشد للأمة – عمر الدنيا – ما استمسكت بهما.
فكما كانت رسالته رحمة للعباد، كانت استدامة الرحمة بوجود الثقلين، فلا مناص أن يكون الكتاب خلفيه لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)،غير أن مداركنا قاصرة عن الوصول إلى هذه الكلية الواسعة فى كتاب الله، فلابد إذن من أن يكون له قوم يعرفون مدى ما فيه، ويعرفون ما حواه، قال تعالى : (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ).
ولوأهمل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الإشارة والإرشاد إلى الراسخين فى العلم وأصحاب التأويل لساغ أن يزعم كل ناعق بضلالة أنه الراسخ فى العلم وصاحب التأويل.
فأبان (صلى الله عليه وآله وسلم) فى هذا الحديث أن عترته هم المقصودن بالثقل الثانى.
فالأئمة من أهل البيت هم الكتاب الناطق الكاشفون عن أسرار الكتاب الصامت.
وهذا الحديث كما أرشدنا بدلالته إلى أن الهدى بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بخليفتية الكتاب والعترة، أرشدنا إلى استمرار ذلك الهدى ما دام الإنسان وما دام كتاب وعترة، فإن خالف المرء سيرهما اجتيازا، أوتخلف عنهما نكوصا اعتصاما برأية أواتباعا لغيره لم يكن من المتمسكين، بل كان من المنحرفين الزائغين.
وقد فسر الإمام الشافعى قوله تعالى : (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ) أن حبل الله هوالولاء لأئمة أهل البيت فى الأبيات الآتية :
ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم مذاهبهم فى أبحرالغى والجهل
ركبت على اسم الله فى سفن النجا وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل
وأمسكت حبل الله وهوولاؤهم كما قد أمرنا بالتمسك بالحبل
إذا افترقت فى الدين سبعون فرقة ونيفا على ما جاء فى واضح النقل
ولم يك ناج منهموغير فرقة فقل لى بها يا ذا الرجاحة والعقل
أفى الفرقة الهلاك آل محمد ام الفرقة التى نجحت منهموقل لى ؟
فإن قلت فى الناجين قالقول واحد وإن قلت فى الهلاك حفت عن العدل
إذا كان مولى القوم منهم فإننى رضيت بهم لا زال فى ظلهم ظلى
رضيت عليا لى إماما ونسله وأنت من الباقين فى أوسع الحل

وقد ذكر الحافظ السيوطى المجددين لكل قرن فى أرجوزة سماها :
تحفة المهتدين بأخبار المجددين، قال فيها :
الحمد لله العظيم المنة المانح الفضل لأهل السنة
ثم الصلاة والسلام نلتمس على نبى دينه لا يندرس
لقد أتى فى خبر مشتهر رواه كل حافظ معتبر
بأن فى راس كل مائة يبعث ربنا من يهدى الأمة
يشار بالعلم إلى مقامه وينصر السنة فى كلامه
وأن يكوجامعا لكل فن وأن يعم علمه أهل الزمن
وأن يكون فى حديث قد روى من أهل بيت المصطفى وهوقوى
وكونه فردا هوالمشهور قد نطق الحديث والجمهور
فبان لنا من هذا البيان أن التمسك لا يكون بالكتاب دون قرينه العترة، ولا بالعترة دون مصدرها الكتاب، وإنما بالأخذ بهما معا مقترنين وبعروتيهما نعم متفقين، بل ما هما إلا عروة واحدة لايمكن التفكيك بين حلقتهما المتماسكة. غير أن العترة اللسان الناطق للكتاب الصامت، فلا نقدر أن نتمسك بالكتاب من دون طريق العترة، لأن معرفة ما فيه بكشف خفاياه، والتميز بين محكمه ومتشابهه، وناسخه-ومنسوخه، وما سوى ذلك لا يكون صحيحا إلا من بيان العترة وإيضاحهم.
فلا ريب إذن بعد إمعان الفكر والروية فى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية أن هناك سمات للإمامة لا تستقيم إلا بالإطباق على الإمامة التى تتولاها عترة النبى (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته وهى آيات لم تصب لها موارد غيرهم تتصاعد إليها وتتقوم بها وتتجسد فيها وهى آيات –كذلك – لا تجد عنهم بديلا فى هداية الناس، ليصلوا إلى أقصى منازل الإيمان والخير والصلاح.
ويتبين من خلال آيات الكتاب وإرشادات السنة أن الإمام المجدد لزماننا هذا هوالإمام السيد محمد ماضى أبوالعزائم ، فهوالذى ورث العلم النافع والفضيلة عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الوحى عن الفيض الأعلى، وهومن أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، ومن العترة التى تركها النبى (صلى الله عليه وآله وسلم) فى أمته لتكون بيانا عن كتابة، والتى ينجوالمستمسك بها من مهاوى الضلال، فهو من أئمة العترة الطاهرة حسينى من جهة والده، حسنى من جهة والداته.

***

يقول السيد محمد علاء الدين أبو العزائم في مقدمة كتاب (خاتم الوراث المحمديين) :
إن الكون منذ بداية الخليقة كان يتأهل لظهور النبي والرسول الخاتم سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويمكن القول إنه بظهور البعثة المحمدية.. فقد فتحت جامعة خاتم الأنبياء والمرسلين بابها على مصرعيه لكل من على الأرض لأن الله قد أرسله للناس كافة بشيراً ونذيراً.
ويمكن القول أيضًا إن الكون من حيث التأهيل العقلي لبعثة الرسالة الخاتمة تدرج كما يأتي:
1- من عهد سيدنا آدم إلى عهد سيدنا نوح كان كمدرسة ابتدائية.
2- ومن عهد سيدنا نوح إلى عهد سيدنا إبراهيم انتقل الكون إلى مدرسة إعدادية.
3- ومن عهد سيدنا إبراهيم إلى عهد سيدنا عيسي ارتقي الفكر الديني عن ذلك ففتح الكون مدرسته الثانوية.
4- وبعد أن مهد الكل لظهور بعثته (صلى الله عليه وآله وسلم)، فتحت الجامعة الكلية أبوابها بمختلف كلياتها وشعبها وتخصصاتها، فوضع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حجر الأساس للعقيدة الحقة والعبادة الخالصة والمعاملة الحسنة والأخلاق الفاضلة، وظل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يرتقي بالأمة الإسلامية حتى تمم لها مكارم الأخلاق مصداقًا لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم):
(إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). وبعد أن اطمأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على الأمة وتطبيق المنهج قال: (إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب استظل بظل شجرة ثم راح وتركها) ، وبذلك تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، ثم قال: (إن عبداً خير فيما عند الله وما عند الناس فاختار ما عند الله) واختار الرفيق الأعلي.
إن الله لم يطل في عمر حبيبه ومصطفاه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرغم من أنه داعي الخير الأعظم، وعلي جانب الشر فقد أعطي الله تعالي إبليس النظرة إلى يوم الوقت المعلوم بناء على طلبه، ولذلك فقد طلب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من ربه أمرين وهما: القرآن، ومن يقوم بالقرآن.. فأمنه ربه فيهما.
1- لقد طلب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من ربه ضماناً للقرآن حتى لا يُحَرَّف ولا يُبَدَّل. إذ لاكتاب بعده ليصحح كما صحح القرآن ما قبله من التوراة والإنجيل، فطمأنه ربه بقوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) ، وقال تعالي أيضًا له: (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ) إلى آخر الآيات التي تدل على ذلك.
2- ولما اطمأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على الكتاب طلب من ربه من يقوم بالكتاب بياناً وتبياناً فقال له: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) .
ولما نزلت هذه الآية وسئل عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها) ، وبناء على هذا الحديث فإنه يظهر في الأمة من يجدد الله به ما اندرس من معالم الدين وما خفي من سبل أهل اليقين، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (العلماء ورثة الأنبياء) وقال أيضاً: (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل) . والعلماء لا يورثون درهمًا ولا دينارًا يورثون العلم والهدي والرحمة، وهذا الميراث لا يفني ولا يبلي، وهو المعني بقول المصطفي (صلى الله عليه وآله وسلم): (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي) ، ودليل عدم الفصل بين الكتاب والسنة قوله: (به) وليس (بهما)، فالكتاب والسنة منهج واحد، والميراث واحد، وهي التركة المشار إليها بـ: تركت فيكم.
إن الله قد حفظ رسول الله في أمته بأمته وبورثته، فقال لنا مبينًا ذلك:
(وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ) ، وقال: (وَفِيكُمْ رَسُولُهُ)، ولم يقل وفيكم محمد.. فلم يناده باسمه في القرآن أبدًا إظهارًا لعظمة مقامه، بل بوظيفته الخالدة التي لن تموت أبداً.
حفظ الله رسوله في أمته بأمته وبورثته، فأخبرنا (صلى الله عليه وآله وسلم) منبها عقولنا عن ذلك بقوله: (حسين مني وأنا من حسين) ، وقال له ربه في كتابه العزير: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) ، أي تقلب أنوارك وعلومك وحكمك وسنتك في الساجدين، فكم من ساجد لا يتقبل الله صلاته، ولكن السجود هنا لمن سجد ظاهره وباطنه لله، والعبد إذا سجد بقلبه لله فلن يرفع أبداً وإن تقلب في دنيا الناس لكن حقيقته ساجدة لله، وهذا ما يعنيه ربنا في قوله:
(وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً ) ، أي قلوبهم ساجدة لله عند مبيتهم وحقائقهم قائمة بقيومية الله وقياماً بحق العبودية له سبحانه وتعالي، ولذلك كان سيدنا على بن أبي طالب وكرم الله وجهه يقول:
(اللهم لا تخلو الأرض من قائم لك بحجة، إما ظاهرًا مشهورًا وإما باطنًا مغمورًا) .
وصدق الله العظيم فقد قال له: (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) ؟ أي يهدون بأمر الله من بعدك وعلي نهجك وسننك، وهم الأئمة والورثة والعلماء العارفون بالله تعالي وبأيامه وبأحكامه وبحكمة أحكامه تبارك وتعالي.
والوراثة ألوان مع اختلاف المراتب والمنازل، ولكل عالم قسط من الميراث على قدر سعة قلبه وتزكية نفسه واتصال روحه بأصلها (هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللّهِ ) ، فالميراث موزع بين علماء الأمة، ولذلك وبإيجاز شديد تنقسم الوراثة إلى أربعة أصناف:
1- ورثة الأقوال: وهم حملة الشريعة الأمناء الممنوحون الفهم.
2- ورثة الأعمال: وهم العمال الورعون.
3- ورثة الأحوال: وهم أهل المواجيد الروحانية الصادقة الذين يعيشون بيننا بأبدانهم وأرواحهم في الملأ الأعلي.
4- الوارث الفرد الجامع: وكل صنف من الثلاثة السابق ذكرهم يتبعه مجاميع كثيرة، أما الصنف الرابع فهو فرد واحد على رأس كل مائة عام، ورث الأقوال والأعمال والأحوال وراثة كاملة ومنح الزيادة، وهو المعني بقول الحق سبحانه وتعالي: (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)، أي أن الكل ورثة بقدر مراتبهم ومقاماتهم وبقدر ما أهلوا له روحياً وعلي رأسهم فرد قمة.
وكان إمام العصر ينضم تحت لوائه أفراد يكرمهم الله بمعرفته، فكما يذكر الإمام الشعراني في كتاب الطبقات الكبري في باب الأولياء أن من أكبر الدلائل على إمامة الوارث الأكمل لعصر من العصور أن يسلك على يديه علماء ربانيون ورثة للأنبياء، وكم انضم تحت لواء الإمام أبي العزائم رجال أفراد كمل ليتجملوا على يديه ويمنحوا من ربهم المزيد، تركوا دنياهم ومناصبهم الدينية العالية ليدخلوا إلى حضرته تلاميذاً يتعلمون من جديد.
وقد ورد في الأثر في فضل العلماء أن دماء الشهداء يوزن ومداد العلماء يوزن، فيرجح مداد العلماء، لأن الشهيد ضحي بدمه في سبيل إرساء قواعد الدين، والعلماء جاهدوا بألسنتهم وقلوبهم وتلك هي صفة الأنبياء كما أخبر (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنما بعثت معلماً) ، ولذلك فقد ورد عن الإمام الشافعي أنه كان يطلب من تلميذه الربيع الجيزي أن يحتفظ بمخلفات بري أقلامه البوص حتى كوم منها أكوامًا كثيرة وهو لا يدري ما يريده الإمام من ذلك، إلى أن جاء الوقت الذي أملي فيه الإمام وصيته، فطلب منه أن يجعل من هذه المخلفات الوقود لتدفئة ماء غسله, وهذا سر قول الله تعالي: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ).
والورثة هم الأئمة القائمون، وفيهم يقول الإمام: أئمة الهدي هم الروح السارية في الجسد الإسلامي ليحيا حياة طيبة عاملاً لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهم خلفاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذين يحفظ الله بهم شريعته ويعينهم فيسيرون في الناس بسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) محافظين على الأحكام من أن يغيرها أو يعمل بخلافها المفسدون وهم على يقظة تامة بحراسة الشريعة المطهرة وتعظيم شعائر الله تعالي وإقامةحدوده سبحانه والمسارعة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهم الذين يمنعون الجاهلين من أن يسيروا بغير سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خوفًا من ضياع الشريعة وفساد جماعة المسلمين بما يقوم به أهل الضلال بين العامة فيغيرون أحكام لله تعالي بالبدع والضلالات بآرائهم الفاسدة وعقائدهم الزائغة بالكيد والخديعة التي يخدعون بها قلوب العامة فيخرجونهم من حصن الشريعة المطهرة ويوقعونهم في مساخط الله تعالي ومخالفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهؤلاء الأئمة بهم قوام الدين وحياة الشريعة وحفظ أركانها، قال سيدنا عثمان بن عفان: (ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن).
إذا تهاون أئمة المسلمين في القيام بواجبهم تمكن الخوارج المفسدون من الأمة فأفسدوا العامة وشغلوا الخاصة، وإن الخارج على المسلمين بسيفه أخف ضرراً عن الخارج بعقيدته الزائغة ورأيه المفسد، لأن القلوب تميل إليه فيتفرق المسلمون بعضهم على بعض، لأن الأمة ما اتحدت على الحق فإن الله معها ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)معها، ومتي اختلفت الأمة التفت الله بوجهه الجميل عنهم ووكلهم إلى أنفسهم – قال تعالي: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ ) .
ويقول عنهم أيضًا: وورثة الرسل صلوات الله على نبينا وعليهم هم الذين أثني الله عليهم في كتابه العزيز، وهم الراسخون في العلم، آمنوا بكل الكتاب وسلموا لله متشابهه وعلموا بمحكمه وأقبلوا على الله تعالي بقلوبهم ملتفتين عن الدنيا بالكلية وعن الآخرة. ولولا أن الله تعالي رغبهم.. لما رغبوا فيها.. وهم نوعان: نوع تولاهم الله فجذبهم إليه به جل جلاله وملأ قلوبهم علماً به وخشية منه وهم أصفياء الله السابحة قلوبهم في ملكوت الله تعالي، تراهم على الأرض مع الناس وقلوبهم في الرفيق الأعلي، انكسرت قلوبهم من خشية الله فصمتوا إقبالاً على الله بالقلوب والجوارح وغابوا عن الكون الأدني بالكون الأعلي وعن الكون الأعلي بالعلي العظيم. صغرت الدنيا في قلوبهم فنظروا إليها بعين ملؤها البغض فيها والزهد في زينتها، سقاهم ربهم شراباً طهوراً فغابوا عن أنفسهم بعد معرفتها غيبة ذكرتهم بنشأتهم الأولي والأخري فكانوا إذا لحظوا أنفسهم لحظوا عدماً وطيناً أو ماء مهيناً وشهدوا النعمة للمنعم والفضل للمتفضل والوجود بالله، والحياة بالحي والقيام بالقيوم، فكان الحق جل جلاله معالم بين أعينهم لا يغيبون إذا غاب الناس ولا يحجبون إذا حجب الناس، وهم أولياء الله حقاً وأصفياؤه صدقاً، وهم ورثة رسله وأبدال أنبيائه والصديقون من عباده رضي الله عنهم .
ويقول عن وظائفهم: ووظيفة ورثة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) معالجة النفوس الجامحة إلى الغواية وتزكيتها من أدران الأخلاق الفاسدة وتطهيرها مما ألم بها من فساد الوهم أو اختلال الخيال أو الهبوط إلى أفق البهيمية لعدم تناسب الأعضاء أو الإخلاد إلى الأرض بسبب ما اكتسبته النفوس من المجتمع الذي نشأت بينه فتراهم دائمًا يميلون إلى أهل المعاصي، ويألفون أهل الأخلاق التي ليست على الوسط بما وهب الله تعالي لهم من الحكمة والعلم بأمراض النفوس، ولذلك فقد قال سيدنا عيسي عندما أنكر عليه اليهود صحبة الأشرار له: إنما أنا طبيب، وإنما يميل الطبيب إلى المرضي، وكذلك العلماء بالله تعالي هم أطباء النفوس .
ومن وظائفهم أنهم يبينون للنفوس سبيل الله تعالي لأنهم سرج الدنيا ومصابيح الآخرة فهم النور الذي تستبين به محجة الله تعالي وتقوم به حجته سبحانه، وكما أن الشمس تبين محجة المنافع وطرق المواصلات لنيل الخيرات من زراعة وتجارة وإمارة وغير ذلك، فكذلك أهل المعرفة بالله شموس تنبعث منها الأنوار التي تستبين بها طرق الله تعالي ويظهر بها الصراط المستقيم. وهم أنفع للمجتمع من شمس النهارالمشرقة ضحوة، لأن الشمس تبين طرق الأرض وهم يبينون طرق الله تعالي الموصلة إلى الخير الحقيقي والسعادة الدائمة، وشتان بين الشمس التي توصل إلى المقصود التي نهايتها الموت وبين شمس توصل إلى المقصد الأعظم الذي هو رضوان الله تعالي والفوز بجواره في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
ولما كانت هذه الوظيفة هي أعظم وأجل وأنفع الوظائف للمجتمع، كان لهؤلاء القوم في القلوب محبة وهيبة.. ويخضع لهم ذو جلال، يهابهم السلطان ويحبهم المؤمنون ويتوسل بهم العامة.. كل ذلك لما جملهم الله تعالي به من الأخلاق الجميلة والرحمة والرأفة ولين الجانب، ولما أطلق به ألسنتهم من الحكمة والموعظة الحسنة، ولأن النفوس لها ميل إلى القوة التي فوق الأسباب وقد فطرت على التقرب إلى الله تعالي بأهل التقوي، فنري جميع النفوس تحب المتقين وخصوصًا المبالغين للعزلة عن الناس المشغولين بذكر الله تعالي، الزاهدين فيما في أيدي الناس من أهل الصفاء والإقبال على الله بالكلية.
ولا يعترض على معترض فيقول: إن رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم عاداهم أهل الكفر بالله تعالي، فأجيبه أن رسل الله صلوات الله عليهم تحدوا الناس بدين الله تعالي وأقاموا الحجة على الخلق بما جاءوا به من عند الله تعالي وعرضوا أنفسهم على العالم وبينوا للناس عاقبة ما هم عليه من الضلال والكفر بالله تعالي، فكان ذلك موجبًا لمعاداتهم، أما أهل الصفا من أولياء الله تعالي فإنهم لم يُكلفوا بالتحدي ولم يطالبوا بدعوة الناس إلى الحق لفرارهم من الخلق وإقبالهم على العبادة والتنسك، ولكن الناس يألفونهم ويتقربون إليهم لافرق بين المسلم والكافر لا لطلب العلم فقط بل لأغراض أخري، يعتقدون أن الله تعالي ييسرها لهم ببركتهم، وباجتماع الناس عليهم يشرح الله صدورهم لما يسمعونه من العلوم التي تزكي النفوس إلى الاستقامة أو إلى الإسلام، وكم أسلم مشرك على أيديهم وكم استقام عاصي واهتدي فاسق. ولا عجب فإن الله تعالي يلقي محبة منه على من اجتباهم من عباده بقدر ما يوفقهم له من القربات ومن إقبالهم بظاهرهم وباطنهم على الله تعالي، فإذا منحهم الله لسان البيان والحكمة وبلغ أحدهم من المقامات ما صار به وارثًا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كان من التمكين بحال به يحبه أهل الإيمان والتقوي، وكان ممن قدر الله لهم السعادة، فيبغضه أهل النفاق والكفر، فيكون لهم قسط وافر من سر الأنبياء وسيرهم صلاة الله وسلامه على نبينا وعليهم وهم خلفاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمناء الله تعالي على شريعته.
إننا نتكلم عن أئمة الهدي الذين يظهرهم الله بتجدد الأزمنة فيقومون كالأنجم المضيئة في المجتمع الإسلامي، إما بقول وعمل كالعلماء، وإما بعمل وحال كالعباد الزهاد، وإما بحال ومجاهدة جامعة وبيان كورثة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وليس برجل من لم يكن منهم أو معهم.
ومعلوم أن الرسل صلوات الله عليهم لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا ولا كنوزًا ولا عقارًا، وإنما ورثوا هدي ونورًا وبيانًا وأخلاقًا طاهرة ومعاملة لله خالصة ورحمة على الخلق وحنانًا ولما كانت النفوس تتفاوت جواهرها استعدادًا وقبولاً، وكان نيل هذا الفضل العظيم إنما هو بفضل الله تعالي، وكان من أعظم الفضل ظهور وارث لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومتي تفضل الله تعالي على العالم بوارث دل ذلك على عميم إحسانه على أهل عصره، ولكن لابد هنا من الميزان الذي يزن به السالك نفسه ويزن به غيره.
ومعلوم أن الاتصال بالوارث المحمدي سبب لفهم كلام الله تعالي وكلام رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتزكية النفس، وتعليم مالم يعلمه الإنسان بالدراية وطول الدرس والمذاكرة كما قال الله تعالي: (يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ) (22) فما من سالك مع الوارث إلا ويهبه الله قسطًا من تلك المعاني، وتلك العطية تمنح بفضل الله وتحفظ ويحصل النفع بها بأمرين عظيمين:
الأمر الأول: الأدب مع من جعله الله سببًا لهذا الخير.
الأمر الثاني: شكر الله على تلك النعمة الذي به المزيد مع مجاهدة النفس خوفًا من الغرور بنسيان المرشد.
العلماء الربانيون والراسخون في العلم وهم النور المشرق المبين لمناهج القرآن وأحوال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، يكشف الله تعالي لهم غوامض أسرار القرآن ويمنحهم الحكمة والبيان، ويلهمهم الصواب في القول والعمل والحكم، ويمدهم بروحانية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهم الذين اشتاق إليهم رسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث الطويل واشتاق إليهم سيدنا عليُّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه في حديث كميل في قوله: واشوقاه إليه –وهم الذين أثني الله عليهم وأخبر أنهم أولو الأمر من المسلمين بقوله: (وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإِلَي أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ )(2) ولو كانوا مجهولين أخفياء لا يعرفهم أحد فإنهم معروفون لله، معروفون للملأ الأعلي. وكل واحد منهم شمس يضيء لأهل السماء كما تضيء الشمس لأهل الأرض، وهم العرائس ضنائن الله تعالي في أرضه لا يوصل الله تعالي إليهم إلا من سبقت لهم الحسني وقدر الله لهم الوصول إليه سبحانه وتعالي باتصاله بهؤلاء الأخيار. أولئك والله الأئمة الهداة يرحم الله بهم وينظر إلى من شاء من عباده في قلوبهم، ذرة من أعمال قلوبهم خير من أعمال الجوارح الدهر كله.. وهم الذين أكرمهم الله تعالي.. فكان معهم وجعلهم معه سبحانه، أرضاهم عنه ورضي عنهم، لا تفي عباراتنا بأحوالهم ولا تكشف إشارتنا مباديء شهودهم في وجودهم – قال تعالي: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
ومن صفاتهم إخفاء حالهم وستر مقاماتهم، فلا يقهرهم ولا يشغلهم مقام ولا يغضبهم مؤلم، يغضبون لله ويرضون لله، تراهم منقبضين على بساط المؤانسة وخائفين وهم في حصن (أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ) وفي خشية وهم على موائد إكرام الله تعالي لهم بالاستجابة – قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (رُب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره) . كمل والله توحيدهم شهوداً فأفردوا ربهم بالعزة والجلال والعظمة والكبرياء والعطاء والمنع والضر والنفع، فذلوا للحق ولأهل الحق ذلاً للحق، وعزوا على الباطل وعلي أهل الباطل كراهة لما كره الله وحبًا لما أحب الله. ذلوا للمؤمنين كما أمر الله تعالي وعزوا على الكافرين إعزازًا للحق، صغرت الدنيا في أعينهم عن أن تشغلهم عن الآخرة نفسًا.. فكيف تشغلهم عن الله تعالي ؟! إذا رءوا ذكر الله، مجالستهم تجذب النفوس إلى حضرة القدوس ومحبتهم تحبب في الله، والقرب منهم تقريب من الله تعالي – قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (اللهم إني أسألك حبك وحب من حبه يحببني فيك) وكلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هنا يوقظ قلوب المؤمنين إلى محبة أهل المعرفة بالله تعالي المقبلين على الله تعالي بكليتهم، وهم الحياة لأهل عصرهم والنور لمن والاهم والنجاة لمن اقتدي بهم رضي الله عنهم .
إن الذي أقنع الناس بإمامة أبي العزائم ، وأنه الحجة وأنه الوارث الكامل لهذا العصر، وأنه الرجل الذي كان ينتظره الرجال ليتكلموا على يديه.. ما تخلق به من الأخلاق النبوية، إنه نعمة كبري أنعم الله بها على أهل هذا العصر، ولذلك فإن الحديث عنه هو أيضًا حديث عن الدين، به علمنا الأخلاق المحمدية، وبقيت عندنا نغماته العذبة التي كان يشدو بها. اهـ

نفهم من هذا أن الله وضع هذا البرنامج من أجل العناية بالإنسان ورعاية مصالحه في كل عصر، وليس لشئ آخر، إذ لو كانت الشعائر التعبدية هي المقصودة لما كان لتلك الآيات أي ذكر في القرآن، ولا كان رسول الله ص وجهنا هذه التوجيهات وعين علي بن أبي طالب وصياً من بعده.

***

الوساطة الروحية في العالم من حولنا
ودورها في ارتقاء الوعي البشري
أضاء كتاب الأرواح للعلامة الفرنسي آلان كاردك مرحلة حاسمة في الارتقاء البشري، مرحلة نضوج الإنسان عقلياً وروحياً. ورغم أن الثقافة العصرية قللت من قيمة الكتاب؛ بمقتضى المفترضات الدينية فإنه يندمج تاريخياً في مساق تطورنا الثقافي.
وهذا الكتاب علامة حددت مسار التغيير في فهم الأشياء، إذ أنه يقيم بوضوح خطاً فاصلاً بين المفاهيم، فقبل نشره كان الماضي الأسطوري يغلب على المفهوم الروحي وعلى الرؤية الكونية الخرافية واللاهوتية، وأما بعد ظهورهء فصار الحاضر والمستقبل معقولين ضمن هذا المفهوم؛ الذي أصبح جزءاً من التقدم الثقافي.
نشر الكتاب لأول مرة في باريس في يوم 18 أبريل سنة 1857؛ وظهرت الطبعة الثائية والنهائية في ذات المدينة في 16 مارس سنة 1860. بين هاتين الطبعتين تطورت الحركة الأرواحية فرنسا والعالم، وفي نفس المدة ظهرت منظمات أرواحية عديدة؛ ومنشورات مخصصة تتناول تعاليم الأرواح في العالم كله. لقد بدأ العهد الأرواحي.
قسم التقدم العلمي العالم الثقافي إلى قسمين متعارضين. وطرحت الثقافة الروحانية القديمة للمناقشة واهتزت أسسها وتصدعت وحدة المعارف الموجودة، واعلن أصحاب العقول المفكرة سيطرة الفهم البشري على الفكر اللاهوتي ونُفِيَ الإيمان إلى مخازن الخرافات، ونسب العقل لذاته سيادة الكون، فأقامت المادية مملكتها على البشر وحلت محل ملكوت الله. وحينذاك جاء كتاب الأرواح كمنهج ثالث يهدف إلى توحيد العالم الثقافي. وهكذا فإن إعادة النظر في الإيمان والتعمق فيه اللذين قام بهما ألن كاردك أظهرا للعالم الثقافي خطأ معارضي الدين.
أعاد الكتاب وحدة المعارف على نحو وثيق بحيث يتوافق الإيمان مع العقل؛ ويبرز كلاهما الهيكل الثلاثي الأركان الذي يكون المذهب الأرواحيء العلم والفلسفة والدين.
خاض المعارضون هجوماً ضد الأرواحية من جميع الجبهات بينما اعتبر الدين والعلم والفلسفة بأنها نوع من الهرطقة. ومع ذلك إن هذه الميادين الثلاثة تسير الآن حتماً في التوازي معها، فكل اكتشاف علمي وكل ارتقاء فلسفي وكل تقدّم ديني يدل بلا محالة على اقترابه من الحقيقة الأرواحية. وعلى غرار العالم الثقافي الروماني الذي رفض تعاليم الإنجيل في البدء ثم تحول إلى مبادئه؛ فإن العالم العصري رفض الأرواحية؛ ثم بدا يتحول أخيراً إليها.
طيلة قرن كامل قرأ هذا الكتاب الأرواحيون وحاريه اللا أرواحيون ولم يفلت من محرقة المحاكم الدينية في ميدان عام. أما الآن وبعد أن برهنت الفيزياء على طبيعة المادة الخادعة، وتمكن علم الأحياء من إدراك أولية الحياة، واعترف علم الفلك بتعدد العوالم المسكونة؛ وأثبت علم النفس؛ عبر البحث فيما وراء النفسية (باراسيكولوجي) واقعية الظواهر اللاطبيعية والإدراك اللاحواسي Perception Extra sensorielle (استقلال الروح بالنسبة إلى اللإحساس الجسدي)، واعترفت الفلسفة في أبحائها بتطور الكائن، وأقرت الوجودية بطبيعة تكوين الإنسان الذي يكتمل بالموت، وأقر الدين بضرورة العمل على إعادة تفسيره، صارت دراسة هذا الكتاب ضرورية للأرواحيين وقراءته ضرورية للاأرواحيين.

يضم هذا المكتاب أربعة كتب إضافية؛ تُتمّم سجل الأرواحية وضي مرشد الوسطاء؛ الذي يطوّر نظرية الاختبار الأرواحيء؛ والقرآن والإنجيل وفقاً للأرواحية؛ الذي يفسيّر المذهب الأرواحي وقوانينه الخلقية الأدبية؛ وكتاب الجنّة والجحيم؛ الذي يعالج شرح النصوص المقدسة على ضوء الاختبارات الوساطية؛ وآخيراً كتاب التكوين الذي يوضّح مبادئ تكرين المخلوقات والوقائع غير الطبيعية؛ وفقاً للفهم الأرواحي أما كتاب الأرواح؛ فهو المركز الذي ترتبط به سائر الكتب الأخرى أعني أنه المحور الذي تدور حوله الكتب الأرواحية الأخرى.
رغم هذا التنظيم المتناسق فإن هذه المجموعة ليست مقفلة إزاء معلومات جديدة فمبادئ المذهب مرنة وخالية من سلبيات النظام المفلق كما يُقرأ مدخل هذا الكتاب إن المفهومية الأرواحية أو النظرة الشاملة الأرواحية ليست عقائدية إيمانية، بل نقدية إيمانية ودكتاب الأرواح هو اول كتاب يسلك مجرى فلسفياً جديداً هو الدراسة النقدية للعقائد غرضه الأساسي هو الارتقاء؛ وطبيعة هذا الارتقاء جدلية، خدمة للعقول التي تريد النور.
ظهر كتاب الأرواح في أواسط القرن الماضي حينما كان التقدم البشري يجتاز مرحلة حاسمة؛ مرحلة النضج العقلي والروحي ورغم أن الثقافة الحديثة والعصرية استخفت به من جراء تعرضه لعالم الغيب فهو يندمج اندماجاً كلياً ‏في سياق التطور الثقافي. (1)

إن أول ظاهرة شاهدها العالم هو تحرّك الأشياء، والتي أشير إليها باسم المائدات
الدوارة أو المائدات الراقصة هذه الظاهرة التي كما نعلم؛ شوهدت أولا في أميركا الشمالية، أو إنها بالأحرى تجددت هناك إذ أن هذه الظاهرة معروفة منذ أقدم عصور التاريخ؛ وقد حدثت في ظروف غريبة تبعتها ضوضاء غير اعتيادية وطرقات لا مسبب ظاهراً لها ولم يطل الوقت حتى انتشرت بسرعة في أوروبا ومنها إلى أقطار أخرى في العالم في البداية نُظِر إلى تلك الحوادث بعين الشك؛ ولكن بعد أن ازداد عددها، استحال الشك في حقيقتها
على أنه لو كانت هذه الظاهرة مقتصرة على تحرك أشياء مادية، لأمكن
شرحها بأنها ناتجة عن عوامل طبيعية مادية بحتة ذلك لأننا نجهل جميع الخصائص الخفيّة الكامنة في الطبيعة ولا نعرف أيضا جميع خصائص العوامل الطبيعية
لا تدهشنا الحركة الدائرية لكونها من حركات الطبيعة وجميع الكواكب تتحرك حركة دائرية، وريما نحن أمام انمكاس مصغر لحركة الكون العامة أو بنحو أوضح أن هناك عاملاً لم يزل مجهولاً لنا قد يؤثر على الأشياء الصغيرة وفي حالات معينة؛ ومن هذا التأثير ينشأً تيار مشابه للقوى التي تدفع الكواكب في حركتها
غير أن حركة المائدات لم تكن دائماً دورانية بل إنها في كثير من الأحيان تحدث فجأة ودون انتظام فتهترٌ الأشياء بعنف وتنطرح على الأرض، ثم تسير إلى جهة
ما مخالفة كل قواعد اعتدال الأجسام؛ تصعد وتستمر في الفضاء ومع ذلك من
الممكن تعليل هذه الظواهر بوجود عامل طبيعي غير مرئي يسيبها ألا نرى كيف أن الكهرباء تهدم الأبنية الكبيرة وتقلع الأشجار من مكانها وترمي الأشياء الثقيلة بعيداًء وتجذبها أو تدفعها؟
لو بقيت تلك الظواهر التي نحن بصددها الآن مقتصرة على تحريك أشياء لكانت من خصائص علم الطبيعيات كما ذكرنا سابقاً ولكن ما يحدث مغاير
لذلك؛ إذ ما لبث أن ظهر فيها ما يُنذر بأعجب الأمور فقد اكتشف المشاهدون ولا نعلم كيف أن تلك الأشياء الجامدة لم تكن تدفعها قوة آلية عمياء؛ بل كان فيها أثر لسبب ذكي كان هذا الاكتشاف بمثابة باب فُتِح لدخول ميدان جديد ورفع الستار عن كثير من أسرار الحياة
وراح الناس يتساءلون هل تلك الحركات ذات أصل ذكي؟
وإذا كانت هناك قوة ذكية فما هي؟ وما هو كنهها ومصدرها؟ أهي فوق بشرية؟ تلك هي الأسئلة التابعة للسؤال الأول والناتجة عنه
• في البداية؛ كانت تلك الظواهر الذكية تحدث بواسطة الموائد (2) التي كانت ترتفع؛ ثم تدق بإحدى أرجلها الأرض عدداً معيناً من الدقات مجيبة نعم أو كلا على الأسئلة الموجهة إليها طبقاً لاصطلاح سابق ولكن هذا وحده لم يكن بذاته كافياً لإقناع المشككين، إذ كان ممكناً أن نتسب تلك الإجابات إلى عامل الصدفة.
• ولكن لم يطل الوقت حتى بدأت تأتي أجوبة مفصلة بواسطة حروف الهجاء وكانت المائدة المتحركة تقرع أرجلها مرات مختلفة العدد مخصصة لكل حرف من الحروف فصارت تتركب كلمات وجمل للإجابة على الأسئلة الموجهة إليها كانت صحة الأجوبة وترابطها مع الأسئلة يُدهش السائلين وعندما سئل الكاثن الخفي الذي كان يعطي تلك الأجوبة عن طبيعتهء أجاب بأنه روح وأن اسمه فلان وجاء بتفاصيل عديدة عن نفسه
• طريقة المخابرة بواسطة الحروف الهجائية كانت بطيئة وصعبة فاقترح الروح (وهِنًا نقطة أخرى هامة تستحق الذكر) بأن يستعمل؛ عوضاً عن تلك الطريقة؛ قلم رصاص يركب على سلة صغيرة أو على شيء آخر فكانت تلك السلة تتحرك على الورقة بواسطة نفس القوة الخفية التي تحرك الموائد ولكن بدلاً من الحركة السابقة المنتظمة؛ بدا القلم يكتب حروفاً ثم كلمات ثم سطوراً فَخُطباً كاملة عديدة الصفحات متناولاً أعلى مسائل الفلسفة وآمور الأدب والخلق والعلوم النظرية والعلوم النفسية الخ وكانت الكتابة سريعة ككتاية اليد
وحدث أن هذا الاقتراح ذاته جاء في وقت واحد أميركا وفرنسا وعدة بلدان أخرى أما في باريس فجاء في 10 يونيو 1853 م موجهاً إلى أحد مشايعي الأرواحية الأكثر تحمساً لتعاليم الأرواح وذي خبرة طويلة في استدعاء الأرواح منذ عام 1849 م.
هو ذا ما قاله الروح: ؛عليك بسلة صفيرة تجدها يه الغرفة المجاورة، خذها واريط يها قلماً ثم ضعها على ورقة وضع أصابعك على حافة السلة) وبعد أن تمّ ذلك لم تمض إلا دقائق قليلة حتى بدأ القلم يتحرك ويكتب بخط واضح.
على أنه سواء السلة أو اللوحة؛ فهي لا تتحرك إلا بوجود تأثير عليها صادر عن بعض أشخاص يملكون قوة خاصة في هذا الصدد ومعروفين باسم "وسطاء" أي أنهم يتوسطون بين الأرواح والبشر (3)

أما الحالة التي تساعد على ظهور هذه القوة فتأتي من يواعث جسدية ومعنوية معأ؛ ولا تزال غير معروفة تمام المعرفة إذ أن هناك وسطاء من كل الأعمار نساء ورجالاً ومن جميع درجات التطور العقلي على أنها موهبة تنمو وتتقوى مع التكرار في ممارستها
لم يمض الكثير من الوقت حتى اتضع للممارسين أن السلة واللوحة ليستا في الواقع إلا زوائد اليد، فحين أخذ الوسيط القلم بيده بدأ يكتب ويده مندفعة بقوة خارجة عن إرادته وبسرعة فائقة كانت نتيجة هذه الطريقة أن أصبحت الاتصالات أسرع وأسهل وأكمل مما كانت قبلاً وحتى هذا اليوم؛ فهذه هي الطريقة الأكثر استعمالاً خاصة وأن عدد الأشخاص الموهويين بهذه الموهبة كبير جداً ويزداد يوماً يعد يوم مع مر الزمن وقد دل الاختبار على وجود طرق أخرى كثيرة في الموهبة الوساطية، وصار من المعروف أنه يمكن مخاطبة الأرواح بواسطة الكلام والسمع والبصر واللمس الخ وحتى بواسطة كتابة الأرواح مباشرة أي دون يد الوسيط ودون القلم

بعد أن تحقق هذا الأمرء بقيت ضرورة البحث عن ماهية تأثير الوسيط آليأ وأدبياً على الإجابات ودوره فيها:
ثمة نقطتان غاية في الأهمية ومن الصعب أن تفوتا على انتباه المراقب المنتبه وفيهما الجواب على هذا الأمر:
الأولى: هي الطريقة التي بها تتحرك السلة متأثرة بمجرد وضع أصابع الوسيط على حافتها، وقد دل البحث على أنه يستحيل عليه والحالة هذه أن يقودها إلى أية جهة من الجهات، هذه الاستحالة تزداد وضوحا عندما يشارك اثنان أو ثلاثة أشخاص بوضع أصابعهم على السلة في ذات الوقت، إذ يلزم لأولئك الأشخاص الكثير من الاتفاق في التحريك للقيام بتلك الحركات، أضف إلى ذلك ضرورة مطابقة الأفكار لإعطاء جواب واحد على السؤال المطروح. هناك أيضاً أمر غريب يؤوكد الظاهرة وهو تغيير الخط تغييراً كاملاً طبقاً للروح المخاطب؛ الذي يحفظ خطه الأصلي كلما رجع وكتب، وهذا وحده يتطلب من الوسيط تدريب نفسه على تغيير الخط مرات بلا عدد مع ضرورة تذكره لخطوط أرواح عديدة.
تتعلق النقطة الثانية: بطبيعة الأجوبة ذاتها وبالأخص حينما تدور في دائرة المسائل المجردة الصعية الفهم أو العلمية الخارجة عن دراية الوسيط وعن مقدرته العقلية أحياناً. وفوق ذلك فهو عادة ليس على علم بما يكتب وكثيراً ما لا يسمع الأسئلة ولا يفهم فحواها، لكونها أحياناً منطوقة بلغة أجنبية يجهلهاء أو تكون مجرد فكرة في خلد أحد الحاضرينء ويأتي الجواب بتلك اللغة الأجنبية.
وأخيراً من الممكن أن تكتب السلة من تلقاء نفسها دون أي سؤال و موضوع لم ينتظره أحد من الحاضرين.
اما أجوبة الأرواح؛ فكانت أحياناً مطبوعة بطابع الحكمة والعمق والملائمة للحال؛ وفيها أفكار في غاية السمو والجلال، إلى درجة أنها لا يمكن أن تصدر سوى عن كائن سام يتمتع بأرقى المبادئ الأدبية، و احيان أخرى كانت الأجوبة في غاية التفاهة مستخفة بالموضوع ومبتذلة مما يجعلها بلا شك آتية من مصدر مختلف عن الأول وهذا الفرق بين المنطقين لا يمكن تفسيره إلا باختلاف ذكاء الكائنات التي تجيب. هل يأتي هذا الذكاء من الجنس البشري أم هو خارج عنه؟
تلك هي النقطة التي من واجبنا أن نوضحها ْ هذا الكتاب والتي سنشرحها بأكملها وفقا لما جاءت به الأرواح ذاتها.
هاهنا إذن أحداث واقعية خارجة عن دائرة ما اعتاد الناس مشاهدتها، وهي أحداث لا تحصل خفية وإنما علانية، حيث يستطيع كل من شاء أن يراها ويتأكد من حقيقة وقوعها، وهي لا تقتصر على شخص واحد يمتاز بها بل يمكن التماسها لدى آلاف الناس؛ و كل يوم من الأيام يتحتم طبعاً أن يكون لهذه الظواهر مسبب، لأن فيها ما يدل على الذكاء والإرادة ولذلك فهي تخرج حتماً من دائرة الظواهر المادية المحضة.
قدمت في هذا الشأن نظريات عديدة سنفحصها قريياً؛ لنرى إذا كان بإمكاننا فهم جميع ما يحدث قي تلك الظواهر أما الآن فلنفترض بأن هناك كائنات مختلفة عن اليشرء فهذا هو ما قالت لنا عن نفسها تلك الكائنات الذكية التي تنكشف ولنر ماذا تقول.

خلاصة تعاليم الأرواح
هذه الكائنات المذكورة التي تتخاطب معنا وصفت نفسها هي بذاتها، كما قلنا سابقاً؛ بأنها أرواح، وقالت إن البعض منها على الأقل كانوا قد عاشوا سابقاً على الأرض، وأنهم يكوئون العالم الروحي كما نحن نكوّن العالم الجسدي طيلة حياتنا على الأرض.
وسنقدم فيما يلي تلخيصاً للنقاط الهامة من تعاليمهم؛ التي أفضوا بها إلينا لكي نجيب بسهولة عن بعض اعتراضات؛ المشككين:
• الله أزلي ولا يتغير، وهو لا مادي ووحيد وقادر على كل شيء؛ وسامي العدالة والطيبة إلى أعلى درجة.
• خلق الكون الذي يشمل كل الكائنات المتمتعة بالحياة والمجردة من الحياة الكائنات المادية واللامادية
• تكوّن الكائنات المادية العالم المنظور أي الجسدي، أما الكائنات اللامادية فهي تكوّن العالم اللامنظور أي العالم الروحي، الذي يعني عالم الأرواح. (4)
• العالم الروحي هو العالم المادي والأصلي والخالدء ووجوده سابق لكل الأشياء وباق بعد كل الأشياء
• العالم الجسدي ثانوي الأهمية لا فرق لو كف عن الوجود أو لم يوجد البتة، دون أن يؤتر ذلك على جوهر العالم الروحي
• تكتسي الأرواح مؤقتاً بكساء مادي وفان، وانحلال هذا الكساء بالموت يعيد إليها حريتها
• اختار الله الجنس البشري من بين مختلف أجناس الكائنات الجسدية، لتتجسد فيه الأرواح التي بلغت درجة ما من الارتقاء؛ مما يجعلها متفوّقة أخلاقياً وعقلياً على الكائنات الأخرى
• نفس الإنسان هي روح متجسدة؛ ولا يعدو الجسد أن يكون غلافاً لها
• في الإنسان ثلاثة عناصر:
الأول: هو الجسد، أي الكائن المادي، نظير جسد الحيوانات، ويحييه المبدأ الحيوي
الثاني: الذي هو النفس، أي الكائن اللامادي، أو الروح المتجسدة في الجسد
والثالث: هو الصلة التي تريط الروح إلى الجسد والتي هي العنصر المتوسط بين المادة والروح
هكذا يكون للإنسان طبيعتان: بجسده يشارك طبيعة الحيوانات وغرائزها، وبروحه يشارك طبيعة الأرواح
• الصلة، أو غلاف الروح، الذي يصل الجسد بالروح: هو عبارة عن غلاف نصف مادي، وبالموت ينحل الغلاف الغليظ أي الجسد، فيحتفظ الروح بالغلاف الثاني، أي الذي يكوّن له جسماً أثيرياً لا نراه في حالته العادية، ولو أنه في بعض الحالات الخصوصية؛ يستطيع الروح أن يكون مرثياً وحتى أن يلمس؛ كما يحدث في ظاهرة ظهور الأشباح.
• الروح إذن؛ ليس كائناً مجرداً ومبهماً وغير محدد، لا يدرك إلا في تخيل الإنسان؛ بل هو كائن حقيقي محدد ومتعين يمكن في أحوال خاصة التحقق من وجوده بواسطة حواس النظر والسمع واللمس
• للأرواح درجات مختلفة وليسوا متساويين في القدرة ولا الذكاء أو في المعرفة أو في الأخلاق:
فأرواح الدرجة الأولى هم الأرواح السامية اللذين يمتازون عن الآخرين بالكمال وباتساع معارفهم ومجاورتهم لله وسموٌ مشاعرهم وحبهم للخير هؤلاء هم الملائكة أي الأرواح الطاهرة
أما الدرجات الأخرى، فهي تبتعد أكثر فأكثر عن هذا الكمال
وأما الدرجات السفلى فهي تحمل أغلب شهواتنا البشرية كالحقد والحسد والغيرة والكبرياء الخ، وتسر بالشر وداخل هذه الدرجات أيضاً أرواح ليست كثيرة الخير ولا كثيرة الشر؛ بل هي مزعجة ومضايقة ودساسة أكثر مما تميل إلى الشر؛ وأهم طابع فيها هو ميلها إلى الخبث وعدم المسؤولية وهؤلاء هم الأرواح الطائشة والغبية
• لا تبقى الأرواح على الدوام في نفس الدرجة؛ بل يرتقي جميعها مجتازاً درجات التدرج الأرواحي على اختلافها، أما ارتقاءهم فيتم بواسطة التجسد أي التأنس الذي يُفرض على البعض منهم كتكفير وعلى البعض الآخر كرسالة. إن الحياة في المادة تجربة يتحتم عليهم احتمالها مرات عديدة إلى أن يصلوا إلى الكمال المطلق فالحياة في المادة تعمل يمثابة مصفاة للتنقية يخرج الروح منها مطهرا إلى حد ما
• بعد هجرها الجسد تعود النفس - أي الروح المتجسدة - إلى عالم الأرواح من حيث أتت
• عندما ابتدات وجوداً جديداً في المادة، وتبقى في عالم الأرواح برهة طويلة أو قصيرة نسبياً وتكون خلالها في حالة روح جوالة
• نظراً إلى أن على الروح أن تتجسد مرات عديدة؛ فهذا يعني أنا جميعاً عشنا حيوات عديدة؛ وسنعيش حيوات أخرى في درجات مختلفة من التقدم؛ إما على هذه الأرض أو في عوائم أخرى.
• يحصل تجسد الأرواح دائماً في‏ الجنس البشري فمن الخطأ الظنّ بأن النفس أي الروح المتجسدة قد تتجسد في جسد حيوان
• الحيوات الجسدية المختلفة التي يعيشها الروح في الجسد هي دائماً تقدّمية ولا يمكن ابد أن تكون تراجعية لكن سرعة التقدم متناسية مع اجتهادنا للوصول إلى الكمال
• صفات النفس هي صفات الروح المتجسد فينا فالإنسان الصالح هو تجسد روح صالحة والإنسان الشرير هو تجسد روح نجسة (5)
• الروح قبل أن يتجسد كان له فرديته وبعد انفصاله عن الجسدء يحتفظ بتلك الفردية
• حينما يعود إلى عالم الأرواح يلتقي الروح بجميع الذين عرفهم على الأرض، وتبسط أمام ذاكرته كافة حيواته السابقة فيبصر كل الخير وكل الشر الذي فعله (6)
• تسيطر المادة على الروح المتجسد، لكن الإنسان الذي يتحرر من تلك السيطرة بواسطة الاجتهاد للصعود بروحه والعمل لتتقيتها يتقرّب من الأرواح الصالحة، ويصبح فيما بعد واحداً منها. أما الإنسان الذي يدع نفسه يسقط تحت سيطرة الأهواء الدنيثة ويمعن إشباع شهواته البذيئة يقترب من الأرواح النجسة، وتسود فيه طبيعته الحيوانية
• الأرواح المتجسدة تسكن عوالم الكون على اختلافها
• الأرواح اللا متجسدة أو المتجولة لا تمكث في مكان معين ومحدود ؛ بل هي موجودة في كل مكان في الفضاء وإلى جانبنا، فهي ترانا وتختلط بنا على الدوام، وهي تشكل شعبأ لا يرى يتحرك حولنا
• تؤثر الأرواح تأثيراً مستديماً على الحياة الخلقية وحتى على الحياة المادية، ونؤثر على المادة وعلى الأفكار، إذ أنها إحدى قوى الطبيعة والمسبب الفعال لظواهر عديدة كانت أسبابها إلى هذا الحين مجهولة أو مفسرة تفسيرا سيئاً، وأمكن إيضاحها بنحو معقول في الأرواحية فقط
• علاقات الأرواح مع الناس مستديمةء فالآرواح الصالحة تحاول قيادتنا إلى الخير وتقوينا تجارب الحياة؛ وتعيننا على احتمالها بشجاعة وتجلد، أما الأرواح الشريرة فتُغوينا بالشر، وتتلذذ بمشاهدة سقوطنا وتماثلنا بحالتها التعسة
• مخابرات الأرواح مع اليشر قد تكون خفية أو علنية. تحدث المخابرات الخفية بواسطة تاثير الأرواح علينا، وهو يدفعنا نحو الخير أو الشر دون أن ندري به، وعلينا التمييز بين الإيحاء الصالح والإيحاء السيئ الآتي إلينا (7) أما المخابرات العلنية فهي تحدث بواسطة الكتابة أو الكلام أو انكشافات مادية أخرى أغلبها عن طريق الوسطاء الذين يمثلون أداة للأرواح
• تحضر الأرواح تلقائياً أو بالاستدعاء. من الممكن استدعاء أي روح من الأرواح لا فرق فيما إذا كانت سابقاً روح أحقر الناس أو أشهرها؛ ومهما كان المصر الذي عاش فيهء أو إذا كان من أقاربنا أو أصدقائنا أو أعدائناء ونطلب منها أن تخاطبنا بالكتابة أو بالصوت، وأن تقدّم لنا إرشاداتها ومعلومات عن حالتها بعد موتها وعن آرائها نحونا، ويمكن أيضأ أن تبيح لنا بما يسمح لها إباحته.
• ما يجذب الأرواح إلى مستحضريهم هو انجذاب الأرواح نحو صفات مستحضريهم الأدبية فالأرواح السامية تسر بالاجتماعات الجادة؛ حيث تجد نزعة الخير بين المجتمعين والرغبة الصادقة لدى مستحضريها بأن يتعلموا ويحسنوا أنفسهم. غير أنه من اجتماعات كهذه تنفر الأرواح الواطئة الدرجة؛ التي هي بالعكس تجد الاقتراب سهلاً والحرية كاملة للعمل بين الأشخاص الطائشين أو المجتمعين لمجرد الرغبة في النظر؛ وفي أي مكان تتواجد النزعات الشريرة فمن العبث أن ننتظر من تلك الأرواح إرشادات أو معلومات نافعة؛ إذ أن كل ما تأتي به هو سفاسف وأكاذيب والاعيب سخيفة وخداع، وكثيراً ما تلقّب نفسها بأسماء محترمة لتشجع سامعيها على الضلال
• التمييز بين الأرواح الصالحة والشريرة سهل جداً، فالأرواح الرفيعة تتكلم دائماً كلاماً وقوراً جليلاً مليئأ بأسمى المبادئ التهذيبية وخالياً من الأهواء الدنيئة وتتجلى في إرشاداتهم أعلى درجات المعرفة والتوجيه الدائم إلى صالحنا وإلى خير الإنسانية. أما مخاطبات الأرواح المتدنية فهي على عكس ذلك؛ إذ تمتلئ بالتناقض وتفاهة المعنى وحتى الخشونة ؛ فلو حدث أن رغبت أحياناً بأشياء نافعة وحقيقية فإنها في أغلب الأحيان لا تنطق إلا بالأكاذيب والأمور غير المعقولة؛ وذلك إما عن سوء نية أو عن جهل، وهي تستهزئ من تصديق الحاضرين السريع لها وتتسلى بأسئلتهم؛ وتمالق زهوهم وتخدع رغباتهم بوعود مزيفة وباختصار لا تحدث المخاطبات الجادة المفيدة - بتمام معنى هذه الكلمة - إلا الاجتماعات الجادة الرصينة الثي يكون أعضاؤها متحدين اتحاداً تامأ وبتفكير واحد موجه إلى الخير
• يتلخص التعليم التهذيبي للأرواح العليا مثل تعليم المسيح؛ قاعدة الإنجيل القائلة: نفعل للآخرين كما نريد أن يفعل الآخرون لنا، أي بعبارة أخرى لتفعل الخير ولا نبتعد عن الشر؛ وهذا مبدأ شامل لسلوك الإنسان ينطبق على أصغر الأمور وأكبرها
• تعُلمنا الأرواح أن الأنانية والكيرياء والانهماك بالملذات الجسدية الشهوانية، هي أهواء تقربنا من الطبيعة الحيوانية وتربطنا بالمادة، وأن على الإنسان في هذه الحياة أن يتحرر من سيطرة المادة؛ ويصون نفسه متجنباً الميل إلى التوافه الدنيوية ويحافظ على المحبة للقريب، حتى يقترب من الطبيعة الروحية، ويتوجب على كل منا أن يكون نافعاً في حياته بحسب المقدرات والوسائل التي أعطاه الله إياها لتجربته. وأن واجبات الأقوياء وذوي السطوة هي مساعدة الضعفاء وحمايتهم، لأن من يسيء استعمال قوته ونفوذه لاضطهاد نظيره من البشر؛ يخالف ناموس اللّه. وهي تعلمنا أخيراً أنه لا يمكن إخفاء أي شيء عن عالم الأرواح، حيث ينكشف خبث المرائي ويرفع الستار عن إثمه، وأن من القصاص الذي يتحتم علينا احتماله معاينتنا المستديمة للذين أسأنا إليهم، وأن هناك أنواعاً من المحن عند الدرجات السفلى والعليا من الأرواح؛ ما لا نظير لها على الأرض
• لكنها تعلمنا أيضا أنه ليس هناك أخطاء لا تغفر ولا تمحى بالتكفير عنها
• لذلك فقد أعطيت للإنسان الوسيلة لإمعان التفكير بواسطة تعدد التجسدات الجسدية؛ لكي يتقدم طبقاً لإرادته وجهوده طريق الارتقاء ونحو الكمال الذي هو هدفه الأكبر
هذا هو ملخّص تعاليم الأرواح كما أتت بها الأرواح السامية.
وهو ما يجسد قوله تعالى (الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس)

***

ملخص البحث:
1- الرسالة مستمرة، لقوله تعالى (واعلموا أن فيكم رسول الله) وقوله (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس) وآيات كثيرة تدل على هذا المعنى.
2- الذي ختم هو النبوة والتشريع، وأما الإرسال إلهاماً فمستمر، لحاجة الناس إلى الإمام في تفسير الوحي حسب مقتضيات كل عصر ومتطلباته وتجديد ما اندرس من معالم الدين بفعل ذوي المصالح، المعبر عنهم في القرآن بالملأ.
3- حركة التاريخ السياسي حالت دون السماح بتبليغ هذه الحقيقة الدينية السمحاء والفطرية، وذلك بفعل الحكام وعلماء البلاط.
4- الوساطة الروحية وفق تعاليم الأرواحية Spiritism كان لها فضل كبير في رقي الوعي الجمعي في أوروبا وإنقاذ الكثيرين من هاوية الإلحاد والسقوط الأخلاقي والأمراض النفسية. (8)
5- الإمام الوارث ليس مجرد وسيط روحي، ولكنه الوسيط "الوحيد" المعتمد عند الله تعالى في تبليغ معاني الكتاب المراد توصيلها للناس في عصره. وأن محور الدين هو الإنسان ومصلحته وليس إرضاء الله بالعبادات.
______________________________________
(1) الإنسان كائن ثنائي الطبيعة، هو جسد وروح، ومن ثم فهو غيب وشهادة، وليس من الصواب تجاهل نصف حقيقته، وهي الحقيقة الغيبية، بزعم عجز العلم التجريبي عن فهمها، مع أن العلم قد قطع مراحل كبيرة في فهم هذا الجانب من الإنسان، ويكفي الإطلاع على أبحاث جامعة فرجينيا حول تناسخ الأرواح، أو قراءة كتب د. مايكل نيوتن حول استكشاف الحيوات السابقة، لا سيما كتاب رحلة الأرواح Journey of souls أو كتاب الذاكرة الأزلية Memories of souls. وسوف تخرج بنتيجة مفادها أن عالم الأرواح موجود بيننا، ونحن نعيشه بالفعل، وغاية ما هنالك أن الجسد حجاب بيننا وبينه، وأن المادة تحول بيننا وبين الإتصال به، ولكن كثير من الناس استطاعوا التواصل مع أرواحهم بعد أن تحرروا من سحب المادية التي كانت تحجب عنهم رؤية ما ورائها. وستخرج أيضاً بنتيجة أخرى وهي أنه بإمكاننا التواصل مع الأرواح التي فارقت هذا العالم المادي، والإستفادة منها بمعلومات قيمة حول نصفنا الذي نجهله، وهو طبيعتنا الروحية. فالبشرية مازالت في طور الطفولة، ولا زالت تتعرف على نفسها وتستكشف حقيقتها وتتتلمسها، إذ يقول العلماء أننا لو افترضنا أن عمر هذا الكون 24 ساعة، فإن ساعة خلق الإنسان بالصورة التي هو عليها حالياً تكون 11:45 مساء، أي أننا جئنا في مرحلة متأخرة جداً في آخر 15 دقيقة في هذا اليوم الكوني. ولذلك فمن الطبيعي تماماً أن نكون – إزاء المعارف الروحية – في طور الطفولة والسذاجة المعرفية، ويكون من الطبيعي أيضاً أن الرسل في العهد القديم كانوا يجسدون المعاني الروحية في قوالب ورموز مادية، كما ورد على سبيل المثال حول أشراط الساعة، كعودة المسيح مثلاً، فلا زال كل من المسلمين والمسيحيين يؤمنون بأنه سيعود بجسده الذي كان منذ ألفي سنة، وأنه لا زال حياً حتى الآن بنفس هذا الجسد وأن عمره ألفي سنة، بالضبط كما يعتقد الشيعة في الإمام المهدي (الإمام الإثنى عشر السيد محمد بن الحسن العسكري) بينما العودة لا تعدو عودة الحقيقة الروحية في جسد جديد، وأن عودة الحقيقة الروحية ليست حكراً على المسيح ولا على المهدي، ولكنها سنة من سنن الله تعالى في خلقه، تسمى (العودة للتجسد) أو (تناسخ الأجساد) ولا أقول تناسخ الأرواح لأن هذا المصطلح سيء السمعة في التراث الإسلامي إذ هو مقترن في الأذهان بإنكار الجنة والنار، بينما لا علاقة بين هذا وذاك من قريب ولا بعيد، فالعودة للتجسد – لحكمة ربانية عليا هي تطور الروح أو أداء رسالة معينة لمساعدة الناس – موجود، وكذلك الجنة والنار موجودتان، وأما مسألة الخلود فيهما فهذه مسألة أخرى لا علاقة لها بما نحن فيه. فهي سنة من سنن الله تعالى تسري على الكل، وليس المسيح وحده، ولكن الذي يجب أن نعرفه ونعيه جيداً أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو أحق الناس بهذا لأنه رحمة (للعالمين) ومن ثم كان حقاً أن لا تغيب شمسه عن أمته، حتى لا يحرم الناس من أنوار الرسالة.
هذه هي حقيقة نزول المسيح واستمرار وجود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل عصر، الأمر يتعلق بالحقيقة الروحانية لا بالجسد، فالجسد لا دور له ولا يقدم شيئاً، كل ما هنالك أن هذه المعارف جديدة على الناس، والكن إن كانت جديدة عليهم فهي قديمة عند غيرهم، وهذا لن يغير من الحقيقة شيئاً، ماذا يضر لو أن إنساناً هاجر لمجتمع جديد أكثر تطوراً، فغير ملابسه القديمة وستبدلها بملابس جديدة تناسب مجتمعه الجديد؟ هل هذا يعارض العقل في شيء؟ أم أن الوعي الطفولي الذي لا زلنا نعيشه هو الذي يملي علينا التشبث بما نعرفه من خلال الحواس الخمس ولا نعرف غيره؟ هنا تأتي أهمية التواصل مع الأرواح الطاهرة العليا لمعرفة حقائق الأمور فيما يخص الإنسان وتطور معرفته وإدراكه لنفسه. كما أن المعرفة الروحية سوف تعمل على تقليل الخلاف بين أهل الأديان وخلق عالم أكثر سلاماُ، وياله من حلم جميل.
(2) أنظر مقال الموائد المتحركة Tables turning في الموسوعة الحرة الإنجليزية، ذلك لأنك لن تجد لتلك الموائد أي ذكر في محتوى الإنترنت العربي نهائياً.
(3) أنظر مادة (وسيط روحي) على ويكيبيديا العربية، وللتوسع بشكل أكبر أنظر Mediumship على ويكيبيديا الإنجليزية.
(4) هو لا منظور بالنسبة للعالم الجسدي، وأما بالنسبة له فهو منظور وناظر، ونظره حاد ومطلق عن حدود المكان.
(5) الروح الصالحة القريبة من الكمال تسمى الملائكة، والأرواح النجسة تسمى الشياطين. والجن مصطلح يطلق على غير المرئي وغير المتجسد، ويشمل كليهما.
(6) قال تعالى: (اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا)
(7) قال صلّى الله عليه وسلم: (في القلب لمتان لمة من الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق، ولمة من العدوّ إيعاد بالشر وتكذيب بالحق ونهي عن الخير).
(8) صدر عام 2019 فيلم رائع حول حياة آلان كاردك، شاهده مترجماً من خلال هذا الرابط: https://cutt.us/pPELQ
كذلك صدر فيلم رائع حول طبيعة العالم الآخر، عالم الأرواح، شاهده هنا: https://cutt.us/7MF3c أو هنا https://cutt.us/NQams



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن