الرجل والملح

سعود سالم
saoudsalem@free.fr

2021 / 1 / 25

ميلانكوليا
٣ - الرجل الجدار

ورأى حصانا أبيض يندفع مسرعا، يبرز من وراء الأمواج، وينطلق على الشاطئ .. يعدو ..  وطفل صغير جالس على كومة من تبن البحر ينظر إليه مسحورا، وبدأ شيء ما يغلي في داخله، وعرق غزير يتصبب من جبينه ومن تحت إبطيه، وأحس بقميصه ملتصقا بظهره، ولسانه وكانه التصق بحلقه، وأحس بحاجة قاتلة إلى رشفة من سائل ما تبلل شفتيه ولسانه وحلقه المتيبس، فطلب بصوت واهن كاس ماء..، ثم عاود الطلب بصوت أقوى، وفي المرة الثالثة، وحين لم يسمع جوابا، بدأ شيء آخر شديد الحرارة يوخزه في صدره ويحرق رئتيه من الداخل، فنهض مسرعا وكأن قوة شيطانية أنسته تعبه وفقدانه لحواسه، وفتح الباب محموما، فاستقبلته على الفور غيمة من الدخان ورائحة شيء ما يحترق، فهرع إلى المطبخ، أطفأ موقد الغاز، وفتح النافذة ليخرج الدخان الكثيف، ودار حول نفسه عدة دورات كالمجنون، وحين لم يجد أحدا، شعر بشيء شديد المرارة يصعد إلى حلقه، وفجأة رأى ورقة صغير على الطاولة، تحت الوعاء البلاستيكي الذي يحتوى على الملح، أخذ الورقة بيد مرتجفة، وحين حاول قراءتها، كانت الكلمات تقفز قفزا من الورقة وتنشب مخالبها الغجرية الحادة في عنقه ووجهه وعينيه .. لقد مللت العيش وحيدة مع الجدران، وداعا ايها الرجل الجدار !! قالت له الورقة البيضاء، ونظر إلى الجدار أمامه، نظر بتركيز شديد، يريد أن يرى ذلك الشيطان الذي يفسد حياته ويحيلها إلى رماد ودخان، أو لعله يرى أثار المحبرة وقد رسمت صورة ما، أو شكلا سرياليا بواسطة الحبر السائل على الجدار، ولكن لم يكن أمام عينيه سوى ذلك الجدار الكلسي الأبيض، يحدق فيه بفراغ قلق، وذلك السلب المطلق يخرج له لسانه، ويزيد من غليان الغضب في أعماقه، وارتعاش أصابعه، وفي هذه اللحظة، في هذه اللحظة بالذات، حين نظر إلى علبة الملح في يده، أحس بها وكأنها جمرة تحرق جلده، وتبعث ألما رهيبا في عظامه، فقذف بها بعنف على الجدار المقابل، فأصدرت صوتا مكتوما، وتبعثر الملح على أرضية المطبخ، وعندها فتح الباب، وخرج مسرعا إلى الشارع، حيث الفضاء الواسع ممتلئ بندف الثلج التي تتساقط في حركة مستمرة، خفيفة، محولة الحقول إلى مساحات بيضاء ناصعة في أشكال مربعة أو مستطيلة متجاورة، محاطة بخطوط داكنة رقيقة. البرد يتخلل العظام مثل إبر فولاذية حادة، وفي صدره تغلي أحاسيس وكلمات ومشاريع قادمة لتغيير مجرى حياته، ويحرك يده في جيبه ليتحسس ذرات الملح اللزجة الملتصقة براحة يده وأصابعه، ويسرع في خطاه ..



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن