العلم والمال و -كورونا-.. و حكمة أمير الشعراء..!

محمد عبد الشفيع عيسى
moh_eesaa@hotmail.com

2021 / 1 / 22

يُذْكر أن "أحمد شوقى" ( الملقّب بأمير الشعراء و المتوفّى عام 1932) تمّت مبايعته من الشعراء العرب من أقطارهم المتعددة، وفق قول حافظ ابراهيم مخاطباً له يوم الاحتفال بذلك فى القاهرة :
أميرَ القوافى قد أتيتُ مبايِعاً .. و هذي وفود الشّرق قد بايعت معي
وفي خضمّ الخلاف والاختلاف حول مكانة أحمد شوقى فى حركة الشعر العربى الحديث، اعتُبِر من قبل النقاذ إلى حد كبير، ممثلاً للمدرسة التقليدية أو "الكلاسيكية" فى الشعر، امتداداً للتيار الذي بدأه أحمد سامى البارودى (شاعر الثورة العرابية فى مصر ضد "الخديوى" صنيعة الإنجليز 1981-82) إلى جانب شعراء عرب عديدين مثل معروف الرصافي من العراق. وهكذا صنّفه طه حسين وعباس محمود العقاد. فقد أصدر طه حسين كتابه (حافظ وشوقى) ، بينما دشّن العقاد المدرسة الشعرية الجديدة فى كتابه (الديوان) – إلى جانب اسماعيل صبرى و عبد الرحمن شكري. وقامت من بعده مدرسة "أبوللو" ذات النّفس الرومانسىّ التجديدى العميق على لسان الرواد من الشباب، من مختلف الأقطار العربية مثل جبران خليل جبران وخليل مطران وأحمد زكى أبو شادى (وكلهم لبنانيين فى المهجر لمدد مختلفة) ، وأبو القاسم الشابى من تونس ، وكذلك على محمود طه و إبراهيم ناجى و الشابّ محمود الهمشرى (من مصر). وكان ذلك فى حقبة الثلاثينات والأربعينات وحتى الخمسينات، ومن بعدها جاءت مدرسة (الشعر الجديد).

كان "الشعر الجديد" يمثل من حيث الشكل "انقلابا" على العمود التقليدى للشعر العربى ، بزعامة عديدين من مصر وسائر البلاد العربية فى مقدمتهم بدر شاكر السياب و نازك الملائكة (من العراق)، وأدونيس–على أحمد سعيد (سوريا -لبنان) ، وسعيد عقل (من لبنان) وكل من صلاح عبد الصبور و أحمد عبد المعطى حجازى (من مصر) وغيرهم. ويُذكر أن العقاد (بوصفه رئيس لجنة الشعر فى "مجمع اللغة العربية" بالقاهرة) لما كانت تأتيه قصائد من أرباب الشعر الجديد، وهى غير ملتزمة بالأوزان والقوافى التقليدية ، كان يحيلها إلى "لجنة النثر" لكونها – فى اعتقاده – لا تُعدّ شعراً. وربما صدق حدسه بعد ذلك حين ظهر وانتشر "الشعر المنثور" على أيدى فحول مثل "أنسى الحاج" ، وأصبح من الدراج أن نقرأ شعراً وهو ليس بشعر وفق ما ألفنا وعرف أسلافنا ألفىْ عام أو يزيد... هذا كله بينما اختطّ محمود درويش و سميح القاسم، منذ الستينات، طريقا وَسّطاً بين الشعر العمودى والشعر الجديد، تطبييقاً على شعر المقاومة (في فلسطين).

نكتب هذا المقال ، بعد هذه المقدمة (الأدبية) الضافية نسبياً ، لنشير إلى بعض من الحِكَم والأقوال الشعرية المأثورة لأحمد شوقى الذى كانت له نكاته (جمع "نكتة" بمعنى الأمر المتفّرد والمثير) فى أمور جدّ متنوعة، مثل قوله فى أطوار التجاذب بين الرجل والمرأة:
نظرة" فابتسامة" فسلام" : فكلامٌ فموعدٌ فلقاءُ .

- وقوله – فى مقام مختلف تماماً - عن دمشق إيان الثورة السورية ضد الاحتلال الفرنسى أواسط عقد العشرينات من القرن المنصرم :
سلام" من صبا بردَى أرقُّ .. ودمعٌ لا يُكفْكفُ يادمشقُ
ويستأنف القول فى نفس القصيدة مما سرى مسرى الأمثال:
و للحرية الحمراء باب" .. بكل يدٍ مضّرجة يُدقّ
وكان قال فى عيد الجهاد بمصر :
عيدٌ يأية حال جئت يا عيدُ .. بما مضى أم لأمرٍ فيك تجديدُ
كما قال عن "المعلم" :
قُمْ للمعلم وفِّهِ التبجيلا .. كاد المعلم أن يكون رسولا
وعن الأمّ :
الأمّ مدرسةٌ إذا أعددتَها .. أعددتَ شعباً طيّبَ الأعراقِ
- وقال عن الحياة و المجد :
دقات قلب المرء قائلةٌ له .. إن الحياة دقائقٌ وثوانِ
فاجعل لنفسك قبل موتك ذكرها .. فالذكّرُ للإنسان عمرٌ ثانِ
وأما عن بيت الشعر الذى دبجّه أحمد شوقى و كتبنا من أجله هذا المقال فهو :
بالعلم والمال يبنى الناس مُلْكهمُ .. لم يُبْن مُلكٌ على جهلٍ وإقلالِ

و في ظل "كورونا" الثقيل، و قبل العاشر من ديسمبر 2020 عرفنا أن بريطانيا قامت بإطلاق "اللقاح الواقى" من (فيروس كورونا)، مجهزا للاستخدام الاختياري للمواطنين في حدود 70% منهم، و تمّت تجربته بالفعل في اليوم الثامن على كل من "مرجريت كينان" و "وليم شيكسبير!" ؛ وكذلك اليابان التى زادت عليه التأكيد المشدّد بأن التلقيح سوف يكون "مجّانيّاً". وكذلك تستعد الولايات المتحدة الأمريكية لشىء قريب من ذلك بعد إجازة لقاح شركتيْ (فايزر و بيونتيك) من قبل "هيئة الغذاء والدواء"، ويبدو أن كلاّ من فرنسا وألمانيا على الطريق، وكذلك سوف تفعل روسيا مع "لقاح سبوتنيك" خاصة، و الذي بدأ التطعيم به للمواطنين منذ اليوم الرابع من الشهر و تلقّاه نحو 150 ألفا خلال أسبوع تقريبا، وكذلك الصين.

بهذه الحادثة الرمزية لابتدار اللقاحات، يتكرس واقع احتكار كلّ من العلم و المال لدى حفنة محدَّدة و محْدودة من دول العالم فى مقدمتها ما يُسمّى "المركز" للنظام الاقتصادى العالمى، ممثلاً بصفة خاصة فى الثالوث: أمريكا الشمالية، و أوربا الغربية، و اليابان .

العلم هنا يمثّله "البحث الأساسي" و "التطبيقي"، وما يرتبط به من "تجريب" مقنّن منهجياً. ويتصل البحث العلمى بالمعارف المجسدة فى "التكنولوجيا"، مطبقة على الصناعة بالذات. و يتكرّس احتكار العلم بما فى ذلك:علوم الحياة وعلم العقاقير؛ و تمثلاتها فى الصيدلة والطب.

وكما يتكرّس احتكار العلم والتكنولوجيا فى واقع النظام الاقتصادى العالمي الراهن، يتكرّس أيضا احتكار "المال" بمعناه العام، لدى القلة من "الدول الغنية" ممثلاً ذلك فى تفاوت توزيع الدخل، و تفاوت توزيع الثروات أو الأصول النقدية و العينية بين مختلف الدول و المجموعات الدولية.

ولَكَمْ تناول الباحثون المتخصصون قضية عدم التكافؤ فى بنية النظام الاقتصادى الرأسمالى العالمى ومن ثم عدم عدالة توزيع الثروات والدخول وما تلاها من الرصيد العلمىّ، وتفاقم ما يسمى "الفجوة التكنولوجية" بين شمال وجنوب. ولكن ما يحدث هذه الأيام في "عصر كورونا" يكشف هذه الحقيقة كشفاً جليّاً، فى ظل الخوف من الموت بفعل (الفيروس) .
وقد بلغت أعداد الإصابات فى العالم حتى (10/12/2020) نحو 70 مليون إصابة (69,430مليونا) وبلغت أعداد الوفيات أكثر من مليون ونصف المليون (1,58).

ومقابل الموت، وخشية الموت، تبرز الدول "المركزية" فى النظام العالمى قادرة على مواجهة "الشبح القاتل" بما تملكه من قدرات بحثية و تكنولوجية تسمح باختراع وابتكار الدواء واللقاح، وبما لديها أيضا من قدرات مالية تسمح بتمويل البحث الأساسى والتطبيقى، والاختراعات والابتكارات، ثم تحمل تكلفة إدخال الاختراعات والابتكارات دورة الإنتاج الفعلى، وتحمل الأعباء "اللوجيستية" والمالية لتخزين اللقاح، ونقله عبر المسافات ثم إيصاله إلى المعنيين، ومن ثم توزيعه بطريقة ما، بعد التأكد من توفر كلّ من عامل الكفاءة وعامل الأمان .

و كذلك نجد أن البلدان الصناعية الجديدة، وخاصة فى الشرق الأقصى والتى تمّ لحاقها والتحاقها تقريباً بدول (المركز) باتت تستطيع التوصل إلى وسائل الوقاية والعلاج، علماً ومالاً، مثل كوريا الجنوبية وتايوان . و تظلّ بقية العالم مهمشة بدرجات مختلفة إلى حد كبير، خاصة من العالم النامي و المتخلف اقتصادياً والبلاد الأقل نمواً، و(أقل البلدان الأقل نمواً) فيما سُمِّيَ على الإجمال (العالم الثالث السابق). ويدخل فى هذه الزمرة الواسعة، البلدان ذات الدخل المنخفض و "المتوسط المخفض" ومنها جمهرة البلاد العربية وبلدان إفريقيا جنوب الصحراء، وعموم آسيا، ومعظم أمريكا اللاتينية. تبقى هذه البلدان فى مجملها " فاغرة" أفواهها لا تجد لديها علماً يُذكر و لا تجد مالاً ، بما يكفى فى الحاليْن لحماية مواطنيها من"شُبْهة القتل" الذى يحيط بالجميع، بفعل (كوفيد -19).
هكذا تتأكد تلك المقولة التى لطالما ترددت: عدم التكافؤ فى بنية النظام العالمى القائم، وعدم العدالة فى توزيع الثروات والدخول على المستويين العالمي والمحلي. و يتأكد أن الخط الأساسي لمسار النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي الراهن لا يضع "الإنسان" مركزا لاهتمامه الأول باعتباره إنسانا، فقد تُرِك نهباً للوباء و للموت، دون عناية واجبة بعلوم الأمراض والأوبئة وتكنولوجيات الحياة، و خاصة خلال رُبع القرن الأخير. كل ذلك، برغم التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل في مجال بناء الآلات و الأجهزة المفكّرة "المستشعِرة"، في ظل ما يسمّى (الثورة الصناعية الرابعة)!! . وإنما تم اعتبار الإنسان بمثابة آلة أو ملحق للآلة، ماكينةً كانت أو حاسوباً مشغَّلا بنظم الذكاء الاصطناعي و أدواته المستحدثة من "الروبوت" إلى "إنترنت الأشياء". و في أفضل الأحوال تم التعامل مع "الإنسان" كمجرد "رأسمال"، و إن يكن "الرأسمال البشري"، او "أثمن رأسمال"؛ فإلى أين المسير و المصير..؟

و حقٌا أن العلم والمال أساس المُلْك والعُمران. لكن ذلك ليس بشكل مطلق، وإنما نسبيّا و ضمْن القيْد الحديديّ المعلوم في عالمنا الراهن وفي عصرنا الحالي للأسف: البنية المختلّة للنظام العالمي؛ حيث تمّت إزاحة (الإنسان-الإنسان) من نقطة "المركز" إلى هوامش "المحيط" الماليّ المُعَوْلَم. وتبقى مسألة إعادة البناء للقدرة العلمية والمالية؛ أو الاقتصادية والتكنولوجية" للأوطان في مركز الاهتمام الواجب. بيْد أنّ ذلك ينبغي أن يتمّ استهدافاً للارتقاء بالبنيان المادي والروحي المتكامل للإنسان في عملية التطور البشري الخلاّق، وكذا المساعدة في إقرار "الحقوق غير القابلة للتصرف" للشعوب الساعية إلى التحرّر من بقايا الاستعمار ممثلة في "الاستعمار الاستيطانيّ" بالذات.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن