أميركا .. والشيوعية (6)

فؤاد النمري
fuadnimri01@yahoo.com

2021 / 1 / 14

أستطيع أن أتصور الكثيرين من القراء ومنهم خاصة الشيوعيون المفلسون تفترّ ثغورهم عن ابتسامة سخرية، يسخرون من عقائدي مستلب يدعي فيما يدعي أن الاتحاد السوفياتي انهار لأنه كان أقوى دولة في العالم !؟؟
لست أنا من يقول ذلك بل التايخ هو من قال .
وقف القائد التاريخي للثورة الشيوعية يوسف ستالين في المؤتمر العام التاسع عشر للحزب الشيوعي في أكتوبر 52 يؤكد على مسألتين في غاية الأهمية ..
المسألة الأولى وهي أن النظام الإمبريالي سينهار في وقت قريب الأمر الذي يعني أن الدول الرأسمالية لم تعد تشكل خطراً على الثورة الشيوعية ؛ فالإمبراطوريتان البريطانية والفرنسية كان هتلر قد فككهما، أما الولايات المتحدة فلم تكن حتى في مستوى اليابان رغم امتلاكها للسلاح النووي ؛ اضف إلى أنها لم تكن بمستوى مواجهة كوريا الشمالية وفصائل المتطوعين من الصين ؛ وأخيراً انهزمت شر هزيمة أمام المتطوعين في فيتنام .
أما المسألة الثانية والتي اكتنزت سر الأسرار فهي أن ستالين قد أكد يقوة أن أخطاراً حقيقية لها تداعياتها تحيق بالثورة وتتهددها بسوء المصير . ستالين لم يشر إلى تلك الأخطار ولم يلمح حتى إلى طبيعتها وهذا نهج ستاليني معروف حيث تسود السرية البكماء المطلقة عندما يتعلق الأمر بقضايا ذات أهمية بالغة وحساسة وهو ما يستوجب من كل باحث في تاريخ الثورة البولشفية أن يتوقف أمام تلك الأخطار وأهميتها القصوى . بالرغم من كل تلك السرية البكماء يترتب على أي باحث في تاريخ الثورة البولشفية وتعثراتها خلال النصف الثاني من القرن العشرين أن ينكب على استشراف الأخطار التي توقف عندها ستالين طويلاً في العام 1952 عندما كان الإتحاد السوفياتي أقوى دولة في العالم وإلا فلا أهلية للباحث في هذا المنحى .

لدى إنتخاب القيادة الجديدة عند انتهاء مؤتمر الحزب التاسع عشر كشف ستالين عن خطر جسيم يتهدد الثورة الشيوعية إذ وقف ستالين متجاوزاً أدنى حدود الديموقراطية يناشد المندوبين عدم إنتخاب أعضاء القيادة الحالية لأنها لم تعد صالحة للعمل الشيوعي . ولما لم يستجب المؤتمر لنداء ستالين وأعاد انتخاب نفس القيادة وقف ستالين مرة أخرى يدين القيادة المنتخبة التي ستفاقم الأخطار بدل أن تحد منها . وبناءً عليه إقترح على المؤتمر توسيع المكتب السياسي ليكون 24 عضواً بدل إثني عشر وانتخاب إثني عشر عضواً من الشباب المتحمسين لقضية الشيوعية . وفعلاً سمّى المؤتمر 12 عضوا جديداً في المكتب السياسي وعلق ستالين على ذلك بالقول .. "الآن هدأتم بعضاً من روعي" .

تغيير قيادة الحزب كان المشروع الثاني الذي قدمه ستلين للمؤتمر التاسع عشر لحماية الثورة الإشتراكية ولم ينجح في تحقيقه، أما المشروع الأول والأكثر تماساً بحياة السوفياتيين هو "التحول من الصناعات الثقيلة إلى الصناعات الخفيفة" .
السر اللغز يكمن في هذا المشروع الذي قدمه ستالين بوجهه الجميل الذي يقول .. يكفي الشعوب السوفياتية ما عانت من ويلات وشقاء الحروب وآن لها أن تستريح وتنعم بإنتاجها السلمي . ذلك هو ما كتبه ستالين على وجه الورقة أما على الوجه الأخر فثمة لغة أخرى وتراجم مختلفة .
منذ مؤتمر الحزب الثامن عشر في مطالع العام 1939 شرعت الدولة السوفياتية في تنمية صناعة الحرب وهي في الأساس مناقضة لبناء الإشتراكية، كما شرع الحزب الشيوعي في التخلي عن السياسة الشيوعية المتمثلة قصراً في الصراع الطبقي . كان ذلك تحضيراً لمواجهة المؤامرة الكبرى على الإتحاد السوفياتي التي انتهى إليها مؤتمر ميونخ في سبتمبر 1938 وانعقد بتحالف الإمبريالية المتمثلة ببريطانيا وفرنسا مع النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا .
ما كان الإتحاد السوفياتي ليسحق النازية في ألمانيا والعسكريتاريا في اليابان ويحمي الدول الرأسمالية الكبرى الثلاث إلا لأنه كان قد غدا خلال السنوات السبع (1938 – 45) دولة حربية من طراز رفيع ليس مثل قوتها في الأرض وهو ما حال دون رجوعها إلى النهج الإشتراكي . وعليه يمكننا القول أن انهيار الاتحاد السوفياتي كان لأنه قد وصل لأن يكون أقوى دولة في الأرض، دولة حربية بالقصر .
ذات العبقرية التي تمكنت من تحويل البنيان الاشتراكي السوفياتي المطهر من كل روح حربية في العام 38 إلى دولة حرب لم تعرف البشرية مثيلاً لها هي ذاتها دون غيرها كانت قادرة على أن تعيد الأمور إلى نصابها ؛ هكذا رأي ستالين نفسه دون غيره مسؤولاً وقادراً على تحويل دولة الحرب السوفياتية الكبرى المنافية بطبيعتها لروح الإشتراكية في العام 51 إلى دولة إشتراكية دولة دكتاتورية البروليتاريا في العام 55 بعد أن تجاوزت القوى العسكرية قوة البروليتاريا .
ذلك ما تعهدت به الخطة الخمسية الخامسة (1951 – 55) والتي لم يُنسَ في مندرجاتها أيٌّ من احتياجات الإنسان المدنية إلا وتعهدت بمضاعفته بالمعدل 200% . ولن يتم ذلك بغير بناء عشرات ألوف المصانع والورش لتستوعب 6 ملايين عسكرياً سيتم تحويلهم إلى عمال وبذلك فقط تستعيد البروليتاريا السوفياتية دولتها الدكتاتورية التي كادت أن تفقدها بفعل العسكرة الهائلة .

في النظام الإشتراكي السوفياتي المؤتمر العام للحزب هو من يقررالتنمية الإقتصادية الإشتراكية الأمر الذي كان قد أكده لينين في المؤتمر العاشر للحزب عام 1921 في معارضته لتروتسكي الذي كان يطالب بإيلاء التنمية الإقتصادية لنقابات العمال .
وبناءً عليه ظلت الخطة الخمسية الخامسة في مأزق صعب وهو أن القيادة القديمة التي لم تعد مؤهلة للعمل الشيوعي حسب ستالين – وهو ما ثبت فعلياً فيما بعد – تلك القيادة هي التي كانت ستشرف على تنفيذ الخطة الخمسية وهي أكبر خطة في تاريخ التخطيط السوفياتي . ستالين لن يقبل بمثل تلك المخاطرة خاصة وأن القضية حديّة تفصل ما بين الإشتراكية واللااشراكية ما بين العودة إلى البناء في مشسروع لينين وهو قضية العمر بالنسبة لستالين وبين فقدان المشروع بعد أن كلف الشعوب السوفياتية ما تجاوز كل الحسابات . كان ستالين قد أعلن بفظاظة في مؤتمر الحزب عدم أهلية القيادة القديمة ولم يتراجع واستمر بالفم الملآن يتحداهم وجهاً لوجه مؤكدا "سأتخلص منكم في أقرب وقت" – عامل الحسم في ذلك المأزق كان قوة ستالين الأدبية التي لا مثيل لها في التاريخ .
قبل نهاية فبراير 53 دعا ستالين مجلس الوزراء للإنعقاد واقترح على الإجتماع تقاعده وتعيين بانامارينكو الأمين العام للحزب الشيوعي في بلاروسيا رئيساً لمجلس الوزراء . طبعاً شعر الوزراء جميعهم أن ذلك حطٌ من قدرهم وانكار لتاريخهم لكن لم يعترض على الإقتراح إلا أربعة وزراء وهم جيورجي مالنكوف وهو من كان مقدراً له أن يخلف ستالين ولافرنتي بيريا وزير الأمن وصديق مالنكوف والمارشال نيقولاي بولغانين وزير الدفاع ونيكيتا خروشتشوف نائب رئيس الوزراء .
في 28 فبراير دعا ستالين أولئك الأربعة المعترضين على اقتراحه لتناول العشاء معه في منزله الريفي وكان ذلك عشاءً سياسياً يهدف إلى إقناع المعترضين أن يتخلوا عن إعتراضهم لاقتراح ستالين بتنحيه . كان ذلك فرصة لبيريا لاغتيال ستالين بالسم . مالنكوف كان شريكاً في الجريمة وخروشتشوف كان على علم بها كما أكد مولوتوف وتبين فيما بعد . لم يكن وازع بيريا في اقتراف أكبر جريمة في التاريخ هو حماية القيادة القديمة من الإحالة على التقاعد بل كان حماية لنفسه من الإعدام حيث كانت التحقيقات في مؤامرة الأطباء اليهود في الكرملين ضد حياة القادة السوفييت تشير إلى تورطه في المؤامرة الأمر الذي لم يعلم به شريكاه في الجريمة .
في صباح الأول من مارس لم ينهض ستالين من سريره وتأخر بيريا في الحضور حتى الظهيرة رغم إلحاح الحرس فوجد ستالين على الأرض لا يقوى على الحراك فخرج وأمر الحرس بعدم إزعاج ستالين لأنه "يغط في نوم عميق" !! . ترك ستالين على الأرض دون إسعاف حتى صباح اليوم التالي حين هرع المتآمرون الثلاثة ليجدوا ستالين ما زال على قيد الحياة فاستدعو إذاك مولوتوف وبدا أن استدعاء مولوتوف كان بقصد إبعاد الإشتباه بهم، غير أن مولوتوف سرعان ما وجه اشتباهه إليهم متسائلا .. كيف لكم ليومين لا تدعوا طبيباً لإسعافه !؟ فكان جوابهم الفاضح أن الطبيب لا يستطيع الوصول إلى هنا بفعل الثلج المتراكم !! فتساءل مولوتوف متهماً .. وكيف وصلتم أنتم !؟
قاوم ستالين السيم لخمسة أيام وعندما خشي بيريا عواقب جريمته أمر بإعطاء ستالين حقنة أدرينالين كما تشير الوثائق فكانت النهاية، نهاية صمام أمان المشروع اللينيني .
لم ينتهِ ستالين في 5 مارس بل انتهى في سبتمبر 53 عندما أرغم الجيش القيادة السوفياتية المتآمرة على التخلي عن الخطة الخمسية وبذلك بقي الاتحاد السوفياتي دولة حرب تكرس كل موارده للتسلح وهو ما أدى إلى انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية .
قراءة التاريخ كما هو تفيد على أن من عملوا على انهيار الاتحاد السوفياتي هم أعداء الولايات المتحدة، الجيش السوفياتي وعصابة خروشتشوف في الحزب الشيوعي، وليس أمريكا وعملاؤها كما يستسهل القول عامة المثقفين والشيوعيون المفلسون .
علاقة أميركا بالشيوعية تجسدت في ثلاثة روابط ..
1 . انهيار الرأسمالية الأمريكية كان من عزوم ثورة أكتوبر الإشتراكية .
2 . حماقة ترومان في مقاومة الشيوعية أدت إلى تقصير عمر الرأسمالية .
3 . مقاومة أميركا للشيوعية أمدت في عمر الإتحاد السوفياتي حيث ضيقت الخناق على أعداء الاشتراكية وقد آلت إليهم السلطة السوفياتية في العام 53 .



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن