اختيارات الرئيس الأمريكي بايدن دلالة على إستراتيجيته الخارجية / التفكيك واستعادة المكانة ...

مروان صباح
marwansabbah@outlook.com

2021 / 1 / 14

/ وبهذا التعين الاخير تصبح واضحة تلك الاستراتيجية التى تعيد الولايات المتحدة للاوتوستراد الطويل والعريض في تطوير المعرفة الاستخباراتية ،كسيدة في الحصول على المعلومة ، والمتتبع لمقالات جوزيف بيرنز الدبلوماسي الهادئ والرصين ، وبالاخص لمقالته الشهيرة ( نهاية السحري في الشرق الاوسط ) يعي ويدرك بصراحة القارئ لماذا اختار الرئيس المنتخب بايدن بيرنز لموقع وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA ، بالفعل الرجل قبل أي شيء ، هو حاصل على دكتوراة في فلسفة العلاقات الدولية وايضاً اكتسب لغاته الثلاثة العربية والروسية والفرنسية من خدمته في البعثات الدبلوماسية ، وبالرغم من خدمته الطويلة والتى أوكلت له العديد من المهام الدقيقة والحساسة إلا أنه إستطاع أن يبني سمعة واسعة في السلك الدبلوماسي بل بات يصنف بالرجل الرمادي وايضاً اشتهر بانتقاداته لسياسات الرؤساء السابقين وتحديداً الرئيس الحالي ، كمعارضته لبوش الابن الشديدة لاتخاذه قرار شن الحرب على العراق وكان قد فند حجم تكلفة ذلك على مكانة واشنطن لاحقاً في المنطقة .

ولعلي أفتح قوسا هنا واسعاً ، لأن بصراحة لم يكن تعين بيرنز خاطر على بال المراقبين ، كانت مفاجأة من النوع الثقيل ، بل أبعادها يمكن اختصرها في عبارة بسيطة لكنها يترتب عليها مهام كبيرة ، ( إعادة ترتيب البيت الداخلي للوكالة ) ، ولأن ايضاً ، رجل مثل بيرنز يحمل وجهة نظر وأفكار ومنظر استراتيجي تتعلق رؤيته بضرورة ربط المسار السياسي مع المسارين الاستخباراتي والعسكري وبالاخص رؤيته للمنطقة العربية وتحديداً لمصر ، فالوكالة وقعت في السنوات الأخيرة في متاهة التمحور السياسي نتيجة مُخلفات مرحلة الربيع العربي ، لقد صنعت الانتفاضات العربية بعد ذلك متغيرات على الأرض، وهذه المهمة الصعبة والثقيلة تضاف على عاتقه ، لأن إخراج الوكالة CIA من التخندق الداخلي والخارجي ليس بالأمر السهل ، على الرغم أنه يشتهر في مسألتين ، الاولى قدرته التفكيكية ، والأخرى يؤمن بضرورة الدعم الإصلاحي وفتح الأبواب أمام المعارضة السياسية التى بدورها تعزز الديمقراطية التى ستُنشأ اقتصادً الناشئً ، يمهد لحل الدولتين ، بالطبع خبرته الواسعة بعمليات التفكيك ، كان قد ذاع صيته في البيت الأبيض والخارجية على حد سواء وايضاً بين أوساط أصحاب الرأي ، عندما انجز اتفاقه مع القذافي ، بل استطاع إبرام اتفاقين وليس واحد فحسب ، لقد أقنع القذافي بتعويض أهالي ضحايا طائرة الأمريكية التى سقطت فوق قرية لوكربي عام 1988م باسكتلندا ، وهذا الانجاز أتاح له الفرصة في عهد الرئيس اوباما أن يتولى المفاوضات السرية مع إيران والذي أُعتبر بعدها من الاشخاص الذين وضعوا الركائز الأساسية للاتفاق النووي وشّكل العلاقة الأمريكية الإيرانية ، لكن هذا لا يعني ، أنه لم يبدي تخوفه وانزعاجه من السلوك الإيراني في المنطقة ، بل كان من الداعمين الكبار للربيع العربي وتطلعات الشعب العربي بالحرية والكرامة والديمقراطية ، لكنه نوه مراراً لضرورة التنبه من المشروع الإيراني واستثمارها للربيع العربي الذي اتاح لايران السيطرة على عدة دول .

لقد ظهرت أثناء إدارة الرئيس ترمب سياسة الحيرة وهذا لأن منذ زمن ليس ببعيد ، أعتقد البعض أنهم يعرفون الطريق الذي يصل الامة للسعادة أكثر من الأمة ذاتها ، فلم تعد تعرف واشنطن ما هو الأفضل ، هل تتبنى عقيدة التراجع أو استعادة المكانة ، وبالتالي بدأت الحيرة لدى الأمريكان منذ تمكن الحرس الثوري الايراني من العراق ، فالدبلوماسية الأمريكية انقسمت إلى رأيين ، الأول الاتكال على الحلفاء في انجاز المهمة ، أما أمثال بيرنز منذ اليوم الأول شكك بقدرة الحلفاء على المواجهة ، لأن هذا سيسمح للقوى الاقليمية والعالمية الدخول إلى مناطق لم يكونوا يحلمون بها ، بل في الجانب الآخر من العالم ، لا ينفع التعامل مع الهند كشريك يشبه الشريك الاسرائيلي أو حلفاء أمريكا التقليديين من العرب ، وبالتالي الصين اليوم تجاوزت مرحلة الاحتواء ولم يعد مجدي معها هذه السياسة ، بل تحتاج إلى إطار يكفل الحد من تمددها الاقتصادي والعسكري ، بالطبع نظرة بيرنز للروس مختلفة تماماً ، يعتقد أن الاقتصاد الروسي قائم على النفط وهذا يجعلهم غير قادرين على تشكيل خطر حقيقي لواشنطن .

في مقالته ( نهاية التفكير السحري في الشرق الاوسط ) ، أظهر استيائه بشكل صريح لخطوة الرئيس ترمب بسحب القوات الأمريكية من سوريا واطلق عليها بالخيانة ، خيانة الاكراد ، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما أعتقد بأن فكفكة النفوذ الأمريكي في الخارج ، سينعكس ذلك سلباً على الداخل وعلى مكانة أمريكا الكونية ، وقدم طرح فكرة جديدة تتلائم مع سياسة واشنطن أكثر ، وهي بالتأكيد حصيلة عقود من العمل الدبلوماسي في الشرق الاوسط ، قال في مقالته ( نحتاج إلى تحول كبير في شروط مشاركتنا في المنطقة ، مما يقلل من توقعاتنا بالتحول ، وينهي عادتنا المتمثلة في الانغماس في أسوأ غرائز شركائنا والمشاركة في المواجهة الكونية مع الخصوم الدولة / وايجاد نهج أكثر تركيزاً واستدامة لمكافحة الارهاب والتركيز أكثر على الدبلوماسية التى تدعهما النفوذ العسكري بدلاً من العكس ) ، وهذه الرؤية تتمحور ضمن استراتيجية ، أعتقد شخصياً سيعتمدها بيرنز في المستقبل القريب بالشرق الاوسط وشرق اسيا معاً ، الاعتناء أكثر بالحلفاء وحمايتهم وفي مقدمتهم بالطبع اسرائيل .

رغم أن الفرصة متاحة على الدوام لإعادة الروابط بين واشنطن وحلفائها على أساس المفارقات ودروس الماضي ، إلا أن المهة اليوم شاقة وليست بالسهولة التى يعتقد بها البعض ، لقد أخطأت إدارة اوباما عندما قدمت الحزم في مناطق ومُيوعة في مكان آخر ، وقبئذ إرتكبت إدارة بوش الاب ، خطاءً فادحاً عندما وضعت بين عينيها ضرورة الانتقام دون أن تدرك لمخاطر هذا الانتقام وتبعاته ، وبالتالي المرحلة القادمة تحتاج إلى جهود مضاعفة وايضاً لشخصيات قادرين على تقيم جميع المراحل وبعيداً عن نهج الحيرة السياسية وعلى وجه الخصوص مع دولة مثل اسرائيل التى لا تطيق عتاباً ولا مراجعةً لحل الدولتين الذي لا محيد عنه . والسلام 



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن