جمال وثورته

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
abdelmagid_ismail@yahoo.com

2021 / 1 / 14

وهل كانت ثورة أصلاً؟ لا، كانت انقلاباً عسكرياً بقيادة مجموعة معلومة بالاسم من الضباط بقيادة جمال عبد الناصر نفسه. هذه البداية الحقيقية. لكن ماذا عن نتائجها؟ كانت نتائجها ضخمة، ضخمة جداً بما فاق خيال قادتها أنفسهم والمنطقة والعالم أجمع. كانت نتائجها ثورية حقاً بكل من تعنيه الكلمة من معنى، حتى لو كانت قد بدأت مجرد حركة تمرد عسكرية محدودة وبأهداف متواضعة للغاية. الثورة تغير وتقلب حياة الشعوب رأساً على عقب. وهكذا بالضبط قد فعلت ثورة جمال، ليس في مصر فحسب بل عبر المنطقة العربية كلها والعديد من الدول الأفريقية وحول العالم. سمه انقلاب، سمه ثورة؛ هو في الحقيقة انقلاب تحول بنتائجه إلى ثورة جارفة. وماذا عن نتائجه الثورية الجارفة تلك التي بدلت وقلبت حياة المصريين وكثيرين من العرب رأساً على عقب؟ للأسوأ أم الأفضل؟ لا هذا، ولا ذاك، إلى الكارثة- نكسة 67.

ثمة خمس دول عربية على وجه التحديد تجسدت فيها المبادئ والنظرية الناصرية الثورية بدرجة جلية: مصر، سوريا، العراق، ليبيا، واليمن. وقد اصطفت هذه الدول ذات التوجه الناصري التقدمي في حلف ضد ما وصفتها بسخرية وترفع دول المحور الرجعي المتخلف تحت حكم الأنظمة الملكية والوراثية مثل السعودية ودول الخليج والأردن والمغرب. على صعيد الديمقراطية، سيادة القانون، حقوق الإنسان، الحريات المدنية والعامة...الخ، هل تحقق فارق ملحوظ بين المعسكرين التقدمي والرجعي؟ هل كانت ثورة ناصر تقدمية فعلاً كما ادعت لنفسها قولاً؟ لا، ألف لا. كانت أكثر قمعاً لشعوبها وتسلطاً واستبداداً عليهم ألف مرة من أنظمة الحكم الملكية، لدرجة استخدام الجيوش النظامية لسحق حركات المعارضة المدنية السلمية.

ثم على الصعيد الاقتصادي والتنموي ومتوسط دخل الفرد...الخ، هل يوجد فارق بين المعسكرين؟ فارق ضخم، حتى مع استبعاد متغير الثروة النفطية سيبقى هناك فارق ملحوظ. الأردن والمغرب لا تملكان ثروات نفطية وكانتا ضمن المحور الرجعي غير الثوري ورغم ذلك يبقى الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي فيهما أفضل كثيراً من الجزائر وليبيا بثرواتهما النفطية الضخمة وإرثهما الثوري التقدمي.

وعلى صعيد الشرعية والانتقال السلمي للسلطة، والاستقرار الاجتماعي واستمرارية واستدامة السياسات، حدث ولا حرج. لقد أبانت الأنظمة الناصرية الثورية عن هشاشة وضعف في شرعية الحكم جعلتها تنقلب إلى وحوش ضارية تفتك بشعوبها، لتتحول إلى ما يشبه العصابات المسلحة أكثر منها أنظمة حكم تتمتع بالشرعية والقبول العام والسلم الاجتماعي- في سوريا وفي ليبيا وفي اليمن وفي العراق...الخ.

هل فشلت ثورة جمال؟

لا، لم تفشل، وإلا لما كانت قد خلفت تلك الآثار الضخمة. لكن تلك الآثار بقدر ما كانت ضخمة بقدر ما كانت كارثية. كيف كانت كارثية؟ تريد أن تعرف؟ اسمع فقط لجل القادة والزعماء العرب تلهث ألسنتهم طلباً "للعودة إلى حدود ما قبل 67". وماذا حدث في 1967؟ هذا هو يوم وفاة ثورة جمال، ويوم تكشف الكارثة الكبرى. يومها اتضح أنها في الحقيقة لم تكن لا ثورة ولا انقلاب، بل وهم. كانت ثورة جمال حلم، مصري وعربي. الكارثة الحقيقية أن هؤلاء المصريون والعرب الحالمون تصوروا أن مجرد الحلم كاف لخلق واقع جديد، أفضل. في 67، أفاقتهم إسرائيل من حلمهم اللذيذ على واقعهم المر. وهم اليوم بعدما استيقظوا على استعداد لابتلاع مرارة ما قد سبق لهم رفضه والقبول بدولة فلسطينية داخل حدود ما قبل النكسة، قبل 1967. لكن هيهات. فات الميعاد.

في الحقيقة، ربما ثورة جمال قد ولدت ميتة قبل زمن طويل من عام 67، مجرد أن هذه الحرب شيعت جثمانها إلى مثواه الأخير. السؤال: لماذا ولدت ثورة جمال ميتة؟ وهل كانت حقاً ثورة جمال وحده، أم ثورة المصريين والعرب؟ هل كانت حلم لجمال وحده، أم حلم لجمهور المصريين والعرب؟ ولماذا انقلب الحلم الجميل إلى كابوس حالك السواد والبؤس؟

ما هي آثار ومخلفات ثورة جمال الباقية بيننا والمؤثرة علينا حتى اليوم؟ لماذا بقيت، ولماذا وقفنا أمامها عاجزين عن الإصلاح وتغيير المسار؟ لماذا بقي ناصر وثورته- حلمه وكابوسه- يجثمان على أنفاسنا وحياتنا بكل هذه الشراسة والقسوة حتى اليوم؟



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن