أزمة كورونا وأثرها على الاقتصاد التركي

حامد محمد طه السويداني
hamidalswidani@gmail.com

2021 / 1 / 12

منذ اكتشاف فيروس كرونا في مدينة (ووهان) الصينية وانتشاره في دول مثل ايطاليا واسبانيا وايران ومن ثم انتشاره سريعا في اغلب دول العالم وبما ان هذا الوباء من اخطر الاوبئة كونه مرض معدي ويؤدي الى الموت ولم يكتشف له علاج مضاد للحد من انتشاره والسيطرة عليه لذلك لجأت جميع الدول الى اتخاذ اجراءات اولية للمحافظة على سلامة شعوبها والحد من تفشي انتشاره وقد فرضت هذه الدول (منع التجوال) للسكان والذي ادى بدوره الى اغلاق المؤسسات الحكومية والشركات والمصانع والجامعات والمدارس والمطاعم وكافة الفعاليات التجارية مثل النقل والاستيراد والتصدير مما ادى الى تراجع اقتصاديات هذه الدول كل حسب نظامها الاقتصادي (قوته او ضعفه) وتأثرت كبريات الدول مثل الولايات المتحدة الامريكية والصين وروسيا ودول الاتحاد الاوربي فضلا عن ايران.
وكانت تركيا من بين دول الشرق الاوسط الذي تفشى بها الفيروس سريعا رغم اخفاء الاصابات في البداية وكانت الاكثر تضررا بسبب نشاطها الاقتصادي المبني على المبادلات التجارية والاستثمارات والتركيز على السياحة علما بان الاقتصاد التركي قبل ظهرو فيروس كرورنا يعاني اصلا من اهتزازات وتراجع لقيمة الليرة التركية امام الدولار اذ وصل كل (100-$- الى 650 TL) مما احدث هذه كبيرة على اقتصادها علما ان تركيا دائما تتعرض الى نكسات اقتصادية ولكن تتجاوزها من خلال مساعدة حلفاءها لها ودعمها في القروض والمساعدات والمهمات مثلما فعلت قطر في دعم الليرة التركية قبل كورونا. ولكن هذه المرة كان التدهور عالميا بجميع الدول معرضة للخطر وتراجع اقتصادها وتحاول انقاذ نفسها واقتصادها من هذه الازمة والتي قد تستمر طويلا .
وقد تراجعت صادرات تركيا وتوقفت مصانعها واستثماراتها وسياحتها التي كانت ترفد تركيا حوالي 30 مليار دولار امريكي سنويا من السياحة فقط.

ظهور الفيروس وتداعياته على الاقتصاد التركي
تعد تركيا من الدول التي انتشر فيها فيروس كورونا (كوفيد 19) ففي 10 اذار 2020 اعلنت تركيا تسجيل اول اصابة بالفيروس لممثل تركيا قادم من اوربا لتكون بذلك اخر الاقتصاديات العشرين الكبرى في العالم التي تعلن عن وجود الفيروس في اراضيها وبعد تسجيل تم تسجيل اول حالة وفاة في البلاد لمصاب يبلغ من العمر (89) عاما ومن ذلك الحين اخذت مؤشرات عدد المصابين بالارتفاع وبحسب منضمة الصحة التركية فقد وصل عدد الاصابات الى (15,277) حالة وذلك حتى مطلع ابريل 2020. وبدأ هذا الامر يؤثر على الاقتصاد التركي في ثلاث اتجاهات وكما ياتي:-
1) تراجع حركة وتنقل البضائع عالميا وتاثيره على تجارة تركيا
مع تفشي الفيروس في الصين وتوقف المصانع هناك بدات ازمة الحصول والوصول الى السلع يظهر في الاسواق التركية وتازم الوضع بانتشار الوباء في أوربا وبدأت بعض المصانع التريكة غير توازنها في الاسواق وخاصة المواد الاولية ومن المتوقع ان يصيب الاقتصاد التركي انكماشا في الربع الاول من عام 2020 وهذا ما يجعل الصادرات التركية تواجه صعوبة كبيرة تؤدي الى تراجعها خصوصا اذا علمنا بان دول الاتحاد الاوربي هي صاحبة الحصة الاكبر من الصادرات التركية فمثلا في العام 2019 كانت 49% من صادرات تركيا تذهب الى الاتحاد الاوربي، وفي المقابل فان العام 2019 اعتمدت تركيا على وارداتها من شرق اسيا بنسبة وصلت الى 23% من مجموع الواردات لم تكن نفطا او طاقة بل مواد اولية مصنعة بشكل اولي تستخدمها تركيا من اجل تشغيل مصانعها وبيع منتجاتها المركبة وتصديرها الى الخارج كما سيشهد قطاع الخدمات في تركيا خسائر كبيرة فيما يتعلق بالنقل والسياحة بسبب هذه الازمة العالمية واستمرار انتشار الفيروس وستعاني شركة الخطوط الجوية التركية وكذلك بعض الخطوط التركية الخاصة خسائر كبيرة.
ولان هذه الازمة سوف تتاخر لحد الصيف فان الخسائر الحقيقية في قطاع السياحة سيظهر جليا في فصل الصيف علما بان في العام 2019 زارا تركيا حوالي (40) مليون سائح وساهموا في ادخال (30) مليار دولار الى السوق المحلية التركية وعليه فان من المتوقع ان يتراجع دخل تركيا من السياحة في هذا العام الى (20) مليار دولار امريكي فضلا عن حاجة تركيا للاموال لمواجهة الفيروس.

2) التراجع على الطلب المحلي بسبب اجواء عدم الثقة والضبابية والبطالة.
منذ الاعلان عن تسجيل اول اصابة في تركيا بدات الحياة في تركيا بالتراجع والتدهور من خلال تطبيق الحكومة التركية الضوابط الاحترازية التي تم اتخاذها مثل تقليل ساعات العمل, وتقليل عدد العمال واغلاق المحلات والمشاريع التجارية مما يؤدي الى تراجع الانفاق والتجارة في شتى القطاعات مع بدء الطلب من السكان التزام بيوتهم وعدم الخروج ومع تراجع الانتاج والبيع والشراء فان وضع العمال والموظفين والعمال بدأ يتعرض للخط خصوصا وان 35% منهم يعملون خارج السجلات الرسمية من دون أي تامين صحي او وظيفي او تقاعدي، وعليه فان الطبقة الفقيرة من العمال والحرفيين بدأت تعاني مؤخرا رغم بدء حملات اعلامية تطالب بعدم طرد الموظفين او قطع اجورهم.

3) ازمة الحصول على تمويل خارجي
تبلغ ديون تركيا الجالية (434) مليار دولار امريكي وهو مجموع جميع المؤسسات التركية والخاصة وبحسب ارقام البنك المركزي فان (172) مليار دولار من هذه الديون تستحق الدفع هذا العام كونها ديون قصيرة الاجل وقبل ازمة كورونا شهدت تركيا ترجعا في حركة الاستثمار الخارجي بل بداية هروب رؤوس الاموال الاجنبية من تركيا والتي ابتدأت من هذا العام وخلال الاشهر الثلاث الاخيرة تجلى المستثمرون الاجانب عن سندات للبنك المركزي كانوا قد استثمروها معا تم بيعه من سندات من المستثمرين الاجانب الذين خرجوا من تركيا بلغ نحو (5) مليار دولار وكان نحو 26% من سندات البنك المركزي التركي مملوكة من قبل مستثمرين اجانب من عام 2013 فان هذه النسبة اليوم قد تراجعت الى 7% فقط وهذا رقم اقل حتى من مثيله عندما عانت تركيا من ازمتها الاقتصادية عام 2001 وكذلك الازمة الاقتصادية 2008 ومن ناحية اخرى فان البنك المركزي فعلى بان جميع مالديه من عملات اجنبية وذهب بما فيها ودائع البنوك المحلية يبلغ نحو (93) مليار دولار لكن ما يملكه البنك المركزي وهو الاحتياطي الاساسي هو (31) مليار دولار فقط.
ومع تراجع النمو الداخلي وانكماش الاسواق المحلية فان البنك المركزي سيستمر في سياسة خفض سعر الفائدة على الليرة التركية التي تبلغ حاليا 9,75% من اجل تشجيع الانفاق فيما تتوجه الحكومة الى بيع وخصخصة بعض مؤسساتها التي جمعتها في صندوقها السيادي من اجل الحصول على الاستثمار الاجنبي.

اجراءات الحكومة التركية لدعم الاستقرار الاقتصادي
1) قامت الحكومة التركية بحزم دعم مالية قدرها (100) مليار ليرة تركية ولاحقا (200) ليرة تركية وفي وقت لاحق صاعدتها الى 200 مليار ليرة تركية (حوالي 10 مليار دولار) من اجل دعم الاستقرار المالي والاقتصادي وذهب ربع هذا المبلغ (25) مليار ليرة تركية لدعم صندوق تامين القروض الذي تم تاسيسه بعد ازمة افلاس البنوك عام 2001. من اجل ضمان ودائع المودعين اموالهم من فعل الحكومة حيث رفع سقف مذخرات هذا الصندوق من (25) مليار ليرة الى (50) مليار ليرة تركية.
2) تم خفض العديد من الضرائب وتأجيل تحصيلها لمدة (6) اشهر وتم تخفيض الضريبة على تذاكر الطيران الداخلي دون سبب واضح.
3) تم توزيع حزم مجانية للأنترنت على المواطنين من اجل تسهيل عملية العمل في المنزل ودعم الشركات التي تدفع موظفيها الى العمل عن بعد وتم تمديد وتشجيع عملية التوظيف.
4) تقديم الدعم المالي لكبار السن ورعاية المسنين وتقديم موعد المكافأة السنوية للمتقاعدين التي تصرفها الحكومة عادة في ايام العيد وتوصيل رواتب المسنين والمتقاعدين الى البيوت.

نظرة تحليلية مستقبلية
بعد وصول حزب العدالة والتنمية الى الحكم في تركيا 2002 ومحاولته تصدير افكار (العثمانية الجديدة) حسب تعبير قادتها وبناء اقتصاد وحل لبعض مشاكل تركيا الداخلية وعندما حققوا هذه الانجازات اصبح لتركيا شعور ما يسمى (فائض القوة) معتمد على ترحيب الشعب العربي بالسياسة التركية الجديدة (تصفير المشكلات) وبناء الاقتصاد وشعار روح التصالح مع التاريخ وكذلك اعتمادهم على حلفاءهم من الامريكان والاسرائيليين ودول الاتحاد الاوربي ممثلة بــ (حلف الناتو).
ومع اندلاع ثورات الربيع العربي بدأت تركيا تتصرف وكأنها دولة عظمى فتدخلت في سوريا وليبيا واليمن وساءت علاقاتها مع مصر والسعودية وبذلك انتهت حقبة (تصفير المشكلات) واصبحت تركيا مصدرة للمشكلات. وان هذه التدخلات الخارجية غير المبررة اثارة حفيظة الشعب التركي وادى الى تذمر الشارع التركي وقد ظهر ها التذمر على شكل الاحتجاجات الكبرى 2013 في ميدان تقسيم وكذلك محاولة الانقلاب العسكري في 15 تموز 2016 والعديد من المظاهر الرافضة لسياسة اردوغان مما ادى الى تراجع الاقتصاد التركي واهمال الشعب التركي على حساب التدخلات الخارجية ولم يدرك الساسة الاتراك بان (الاقتصاد التركي) هو اقتصاد وقتي ومرحلي وليس قويا كما يجب بدليل ان تراجع الليرة التركية بشكل مخيف وان ازمة كورونا انهكت الاقتصاد التركي الذي يعتمد على الاستثمارات والتجارة والسياحة وباعتقادي ان مستقبل تركيا في ظل ازمة كورونا سيتراجع اكثر لانه ليس لديه المطاولة في التعامل مع الازمات ولولا المساعدات والقروض من حلفاء تركيا وخاصة قطر التي دائما تدعم حكومة العدالة والتنمية لكان وضع تركيا اقتصاديا في وضع لا يحسد عليه.
وخلاصة القول ان الاقتصاد مرتبط بالسياسة وان تداعيات ازمة كورونا على الاقتصاد التركي واضحة وسوف تؤثر سلبا على اداء الحكومة التركية والذي بدوره سينعكس السياسة التركية من خلال:-
1- ان تركيا لا تستطيع التراجع عن تدخلاتها في المنطقة العربية المدعوة من قبل حلفاؤها اقتصاديا وساسيا ولم تحقق تركيا اهدافها بعد وان هذا التراجع سوف يؤدي الى سقوط حكومة حزب العدالة والتنمية ويضعها امام المسائلة من قبل الاحزاب المعارضة وعموم الشعب التركي.
وان المضي في تدخلاتها في المنطقة سيثقل كاهل الاقتصاد التركي ويتسبب في كارثة اكبر ومشاكل جمة.
2- انحسار حكومة حزب العدالة والتنمية في الانتخابات القادمة وصعود احزاب المعارضة برئاسة الشخصيات التي انشقت من اردوغان مثل علي باباجان واحمد داؤد اوغلو وعلي بن يلدرم فضلا عن ميرال اكشينار وكمال كليشرار اوغلو. وسوف تصاغ الحياة السياسية التركية من خلال تشكيل حكومات ائتلافية شعاراتها داخلية وترغب في التوجه من جديد نحو الغرب ونبذ سياسة العثمانية الجديدة التي اثبتت فشلها.
3- يمكن ان تتخطى تركيا هذه الازمة ولكن على حساب انكماش تركيا على نفسها وستفشل مشاريعها التي كانت تحلم بها في المنطقة العربية وهذه الاحلام تشبه الاحلام الانضام الى الاتحاد الاوربي وذلك بسبب ان صورة تركيا احبت كثيرا في نفوس الشعب العربي عموما واصبح العربي ينظر الى التركي كجندي انكشاري عثماني محتل خاصة وانه سبب في قتل الالاف من السوريين والليبيين وتشريدهم ونهب خيراتهم من النفط في شمال سوريا وكذلك اطماعهم في المنطقة.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن