جدل الدولة والأمة

حسن مدن
madanbahrain@gmail.com

2020 / 12 / 27

قبل عقود من الآن، وتحديداً بعد الحرب العالمية الثانية، ونيل البلدان العربية استقلالاتها الوطنية، انصرفت هذه البلدان نحو تشييد البيروقراطية «الدولتاية»، أي بناء مؤسسات الدولة القُطرية، كالجيش الوطني والأجهزة الحكومية الأخرى المعنية بشؤون الخدمات والاقتصاد وما إليهما، وترسيخ الدولة ككيان.
ورغم أن خطاب الوحدة العربية كان مدوياً سواء من جانب مصر الناصرية، أو من الحركات القومية كحزب البعث وحركة القوميين العرب وغيرهما، إلا أن ذلك ظلَّ مجرد شعارات ترفع، لم تجد لنفسها طريقاً للتطبيق، وآلت المحاولات الوحدوية، وفي مقدمتها الوحدة المصرية - السورية إلى فشل ذريع لم يعد ممكناً بعده تكرار التجربة.
يمكن القول اليوم، وبدرجة كافية من الاطمئنان، إنه لم يكن متاحاً لحظتها الانتقال إلى الدولة - الأمة، في سياق عربي شامل، في غياب كيانات قوية للدولة الوطنية، أو القُطرية كما يطلق عليها، في كل بلد عربي على حدة، خاصة أن التنازع على النفوذ كان قوياً بين الدولة كجهاز حديث وما قبل الدولة من بنى قبلية وعشائرية وطائفية وما إليها.
في الظاهر يبدو أن الدولة الوطنية نجحت في فرض سيطرتها على أراضيها وعلى المجتمع عامة، ولكن ما حدث حقيقة هو أن الدولة كي تفعل ذلك تماهت مع البنى السابقة لها، ونقلت أدوات سيطرتها إلى بنى الدولة، فبدت الدولة امتداداً لسلطة القبيلة أو العشيرة أو الطائفة والمذهب، باستثناءات قليلة، قد تكون مصر أهمها، وبسبب المكانة القوية للدولة هناك تاريخياً.
في عبارات أكثر وضوحاً، فإن القبيلة وما إليها من بنى تقليدية اخترقت أجهزة الدولة وهيمنت عليها، وجيَّرتها لصالح «تأبيد» سلطتها، أو على الأقل إطالتها ما أمكن.
تراجعت الدعوات القومية عن «الأمة العربية الواحدة» لصالح الدعوات نحو «الأمة الإسلامية الواحدة» على يد حركات «الإسلام السياسي» التي نشطت بعد هزيمة الأنظمة القومية عام 1967، وما تيسر لها من حرية حركة كان أنور السادات أول من أتاحها، لتصبح ظاهرة عربية، وكانت الضحية مرة أخرى الدولة الوطنية التي لم تكن قد أنجزت بنيتها كاملة كدولة مدنية حديثة.
بناء الدولة - الأمة في أوروبا اقترن بفصل الكنيسة عن السياسة، وتحييد الدور السياسي لرجال الدين، لينصرفوا إلى مهمتهم الأساس كدعاة للفضيلة والقيم الأخلاقية والعبادات، فيما أدى ويؤدي تسييس الدين عندنا، وفي مجتمعاتنا المنقسمة مذهبياً، لا إلى إضعاف بنية الدولة الوطنية غير الراسخة أصلاً، وإنما دحرها وإسقاطها، ولنا في ما أقامته «داعش» من دويلات في سوريا والعراق وليبيا وغيرها أمثلة حية، لأنها انطلقت من عدم الاعتراف بالدول القائمة وحدودها ورموزها من أعلام ومن عملة وطنية ومن مؤسسات تدير أمور الناس.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن