النفط والتبعية للمركز.....التنمية المستحيلة 3

أثير حداد
haddadathir@gmail.com

2020 / 12 / 4

ا
في المقالتين السابقتين، حاولت، استعرضت التطور التاريخي للراسماليه عبر استعراض تطور السوق العالمية. وبما ان السوق العالمية تعمل بقانون العرض والطلب، وكان ابرز حدث هو فك ارتباط العملات بالذهب، وتركها عائمة، ليحدد قانون العرض والطلب سعر اية عمله عبر اسعار العملات الاخرى، وهنا تربع الدولار الامريكي على قمة التبادل التجاري العالمي و ايضا على قمة الارصدة النقدية للدول .
فك ارتباط العملات بالذهب مكن بعض الدول من الخروج من التبعية للمركز الى حد كبير، لا وبل اصبح البعض منهم جزء من المركز ايضا. والمثال في ذلك اليابان سابقا ولحد الان ، حين ان سياسة ابقاء اسعار صرف الين الياباني المنخفض مكن اليابان من ان تكون احد اكبر الدول المصدره في العالم من مجموعة الـ G20 . وكذلك الصين حاليا بالاضافة الى مجموعة اخرى من السياسات الاقتصاديه .
ومن اجل الانتقال الى توضيح "العولمة" أجد من الضروري ان اعيد توصيف مرحلة الكولنياليه فهي تبعية الفروع للمركز ، ولما كانت الفروع متخلفة اقتصاديا فكل ما تشارك فيه هو تصدير المواد الخام ، والنفط ضمنها، الى المركز ، ويقوم المركز بتصدير المواد المصنعة للفروع . وعليه فان الفرع تابع للمركز عبر تبادل تجاري فقط، اما العولمة فانها تعتمد على رسملة الاطراف او الفروع عبر الراسمال متعدد القوميات . بمعنى اخر، او بكلمات اخرى، فان السمة البارزة للعولمة هي تصدير راس المال الى الفروع ، كما حدث في اليابان سابقا، وما يحدث حاليا في الصين (التي انتقل مستوى تطورها الاقتصادي الى مستويات عالية لا وبل انها اصبحت تصدر راس المال الى دول افريقيا على شكل نقد او تكنولوجيا، لا وبل ان ما يخدم االفكرة التي اتبناها هنا ان الصين عندما تصدر راس المال تصدره بالدولار الامريكي؛ ويقدر حجم الاحتياطي النقدي الصيني بالدولار والسندات الامريكية ب ترليون دولار امريكي).
لنعد الان الى محاولة توصيف او تعرف العولمة. حيث يصفها الان تورين بانها " تكون مجتمع جماهيري تنتقل فيه المنتجات الاستهلاكية والثقافية في بلدان تتنوع فيها مستويات المعيشة والتقاليد والثقافة للغاية، غير ان ذلك لا يعني قطعا توحيد المعايير بالنسبة الى المواد الاستهلاكية. وبكلمة اخرى ( امركة) العالم ، اي اختلاط الثقافات المتناقضة، مما يؤدي الى اعادة هيكلة التناقضات الثقافية بما يخدم عولمة كل شيئ). وفي هذا المجال و دعما لراي تورين اشير الى احتلال ثقافة استهلاك الكوكا كولا و الببسي وماكدونالد و ومبي وغيرها مجالا كبيرا من استهلاك وثقافة شعوب لم تكن تتقبل السندويتش مثلا ولا المشروبات الغازيه .
ان التغيرات الثقافية العميقة التي احدثتها وتحدثها العولمة اعمق بكثير من كل التغيرات التي احدثتها الكولنياليه طوال سنينها . وابرز مثال على ذلك الهند . فطوال الاستعمار البريطاني لها والمقارب لـ 400 عام لم تستطع بريطانيا احداث تغيرات بنيويه و اقتصادية في الهند بمقدار ما تحدثة العولمة فيها في يومنا الحالي . (في نهاية هذه المقالة ساستعرض مثال عن الهند ).
مـــــــا الذي حدث لقمة الدولة في عصر العولمة، المركز ؟؟؟؟
اعلم ان هذا الموضوع جاف، وثقيل على القارء، لهذا ساحاول ان لا اثقل الموضوع بمزيد من التحليل الاقتصادي، وانما ساكتفي باعطاء مثال صارخ واضح في تحول سلطات المركز من الهدف الاساسي في وجود دولة المواطن الى دولة تخدم مصالح راس المال الكبير، او بمفردة اخرى الدولة في مواجهة المواطن .
واجه اوباما، الرئيس الامريكي الاسبق، مقاومة عنيفة من قبل راس المال الكبير في محاولاته لاصلاح النظام الصحي الامريكي، وحولت كل تخصيصات الموازنة لصالح شركات التامين على الصحة وبقيت الشرائح الفقيرة في المجتمع خالية من دعم صحي فاعل، بمعنى اخر لم يطور النظام الصحي الامريكي . وهذا ما تجلى في مواجهة كوفيد-19 او كورونا . فما ان وصلت صدمة الفايرس هذا الى الولايات المتحدة حتى جفل النظام الصحي وبقي مشلولا لا يعرف ما العمل، لماذا ؟ لانه وخلال السنوات الماضية كان هذا النظام بعيدا جدا عن الخدمات الصحية المجانية للمواطن. لا بل وحتى ان الابحاث لايجاد لقاح لهذا الوباء كان يجري من قبل الشركات وليس الحكومة او النظام الصحي ، لمجوعة من العوامل ابرزها قلة التخصيصات وثانيا قلة الخبراء والعلماء العامين في الخدمات الصحية العامة يقابلها استقطاب كبير للنخبة منهم من قبل الشركات الخاصة وشركات التامين .
لنطرح نفس التسائل التحليلي على الصين وروسيا . الدولتان لم تستطع "شركاتها" لحد يومنا الحالي انتاج لقاح لهذا الوباء . لكن ما يدعم موضوعنا هنا وبهذا الخصوص الا وهو العولة ، هو تصريح دولة الامارات بانها تعاقدت على استيراد اللقاح الصيني!!!! وعند العودة الى بيانات الصحة الدولية عن ما سمي اللقاح الصيني نجد غياب توفر المعلومات عن هذا اللقاح ، سعة العينة نوعها انتشارها الخ الخ. وعند البحث عن تلك الشركة الصينية التي اعلن استيراد اللقاح منها نجد ان راسمالها اماراتي. اي نعم اماراتي . ما اردت قوله هنا ، هو ان ضاهرة العولمة هنا في تصدير راس المال ، الاماراتي، الى الصين هو ضاهريه جوهرية في كيان العولمة.
الهنـــــــــــد، كيف نجحت ؟؟؟
تعي الهند بعمق اهمية التعليم و مجارات العالم في مجال تكنولوجيا المعلومات ، فهي تصدر العقول وتستورد رؤوس الاموال ، في مجالين .
الاول : وادي السلكون . يقع وادي السلكون في جنوب خليج سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا وفيها موقع الشركات العملاقه لصناعة الرقائق كشركة كوكل و الفيس و ناسا وغيرهم . في هذه المنطقه يوجد مناطق يقطنها بالكامل عاملين في تلك الشركات وهم مواطني الهند مقابل مرتبات تعتبر مغرية بالنسبة للهنود لكنها لا يقبل عليها المواطن الامريكي لانه يعتبرها واطئة . هؤولاء الهنود هم عصب الحياة في تلك الشركات. هم قادمين من المؤسسة التعليمية الهندية المتطورة والمواكبة لمتطلبات العصر، يعملون لبضع سنوات في السلكون فالي لفترة ثم يعودون الى بلدانهم بعد ان اكتسبوا خبرات جيدة في تلك الشركات، لاعادة استخدامها في بلدانهم .
الثاني: الاستفادة من احدى سمات العصر، عصر تكنولوجيا المعلومات. تقوم بعض الشركات الامريكية ، بالاخص العاملة في مجال القانون وشركات المحاسبة بانشاء مكاتب لها في الهند لان اجور العاملين الهنو اقل بكثير من اجور الشخص الامريكي، وكذلك فان الكلف الثابتة والضرائب في الهند اقل بكثير مما هي عليه في امريكا . وعبر الانترنت يقوم الشخص الامريكي بالاتصال برقم هاتف دون ان يعلم ان هذا الرقم هو لشركة في الهند ، ثم وعبر معرفة محل اقامته يكلمه شخص لديه معلومات جيدة عن ولايته تلك ويعطيه النصح اللازم ، مقابل اجر محدد هو اقل بكثير مما لو كانت الشركة في امريكا وكادرها امريكي. وبهذا حققت الهند العديد من الاهداف اولها فيما يخص موضوعنا هو الاستفادة من العولمة في انتقال راس المال، وكذلك طبعا الاستفادة من الاستخدام والخبرات .
المقاله رقم 4 ستكون محاوله لتغطية ما الذي حدث ويحدث في الصين .



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن