ابو عنتر المودرن

رائد ناجي
raedfid@gmail.com

2020 / 11 / 22

أبو عنتر المودرن

إشارة حمراء/جريدة الخبر

د.رائد ناجي

على ما يبدو اختلطت المفاهيم وشتت انتباه أبو عنتر "المودرن"، عندما أراد أن يقلد أبا عنتر العربستاني وشتان ما بين التليد والجديد، فكل ما تعلمه أبو عنتر المودرن ما يقلل من المروءة والشهامة، ويحط من قيمة أسد الصحراء الذي اخبرتني عنه الروايات التاريخية وقصص البطولة والشهامة.

فسمعنا عن عنتر العربستاني جولات البطولة والشرف، والتضحية لأجل القبيلة ، وسمعنا عن أخلاقه العالية والفطرة النقية التي هذبتها مكارم الأخلاق والعفة وحماية الضعيف وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم.

قرأت أيضا عن تربية الفروسية والقتال بالسيف وغيرها من الرياضات التي تنمي الرجولة وتكملها جسميا إلى جانب الجانب النفسي والأخلاقي المفعم بالقيم الأخلاقية التي ارتوى من منهلها العذب، فكانت تلك الصحراء الجرداء مصدرا ومصنعا لإنتاج الرجولة والشهامة والشجاعة.

وتلوثت الصحراء بموجة ما يسمى بالتقدم والتطور، وخاصة مع بروز أفكار هدامة لوأد الفطرة الصافية البريئة وتلويثها بمداخن وفضلات ما يسمى "بالحضارة" الغربية التي صدرت لصحراء عربستان ما يهدم الاخلاق ويسلخ عن طيب رملها القيم الإنسانية التي تجعل من الإنسان إنسانا.

فاعتقد أبو عنتر المودرن إنه أوتي مفاتيح التقدم والرقيّ، فانزاح انزياحا شديدا إلى هدم ما جُبل عليه، وبدأ بصب المساحيق على عجينته السليمة، ليخرج لنا مسخا هجينا ظاهره من رمل الصحراء وباطنه طينة نتنة من إست فضلات المسخ الأخلاقي.

فاغترب أبو عنتر الموردن في نفسه وفي هندامه وفي شكله وفكره، وتمزقت لديه الكثير من القيم والمبادئ التي هدمها التقليد الأعمى اللاواعي، وعدم عقلنة نمط حياته مع بيئته الممتدة على أصابع التاريخ ملايين السنين، وانبهر أشد الإنبهار بدول عمرها لا يتجاوز عمر الإنسان، نتيجة التقدم الصناعي والتكنولوجي، وليت أبو عنتر المودرن استورد هذا التطور بل أصبح نهما في استهلاك ما ينتج صناعيا وتكنولوجيا وغيره من المنتوجات، ولكنه عوض عن ذلك استورد كل مشتقات الهدم، وطور فيها لدرجة أنه يبدع في استخراج ما يلوث صورته وقيمه وتاريخه.

وانحلت قيم أبي عنتر العربستاني في نظر أبي عنتر الموردن وأصبحت شيئا باليا وضربا من ضروب التخلف والإنحطاط والتأخر والرجعية، فلم تعد شهامة أبي عنتر العربستاني، وحل محلها مبدأ الأنانية والتنافس على المال وزخرف الدنيا، وسقطت قلاع الشرف واستبدلت بما يسمى "بالقيل فريند" الصديقة الحبيبة، وغيرها من التفتت الأخلاقي الذي أصاب كل جوانب حياة الصحراء، فانعكس على الإقتصاد والتعليم والسياسة والأدب والشعر والفن، فكل جانب من هذه الجوانب تلّوث وانهدم وخالطه شيء من السفه والتيه، فمثلا على الجانب الأدبي لم نعد نرى مثل عنتريات عنتر العبسي وشهامة وحكمة زهير بن أبي سلمى، وماج الشعر وتميع فأنتج لنا أبو عنتر المودرن شعرا يمكن أن يسمى بأي شيء إلا الشعر، سطحيا فارغا متداخلا وطلاسما تحتاج إلى مشعوذ لفك طلاسمه، وأما على جانب الفن، اختفى الفن الهادف في أغلبه واستبدل بالتميع والتهريج والإبتذال والسقوط في الهاوية، فكل هم الفن المرئي والمسموع حمل الناس إلى التقدم للأسفل، وإضحاك الناس ولو على حساب الدين والتقاليد والعادات وقيّم وقيمة الإنسان.

وقفز أبو عنتر المودرن مرة أخرى إلى تعديل قوانينه باعتبارها رجعية، ولا بد من استبدالها بقوانين ما يظنه حضارة وتقدم، فأدخل الحابل وبالنابل وأصبح يسير الناس مقلوبين، وتعقدت مسالك الحياة وجوانبها وتنافرت مع ما يبطنه أبو عنتر مع جبلته التليدة ومع جديده المبهم، فتداخل مع نفسه كأنه لوحة رسم تجريدية يصعب فهمه او التنبؤ بما يفكر به أو ما يريده، وفي النهاية تم انتاج مسخا جديدا يمكن أن يسمى عنتر الممسوخ.

--



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن