المشاعر والانفعالات بين اللجم والتدفق

عائشة التاج
tajaicha@gmail.com

2020 / 11 / 11

كثيرا ما تتردد على مسامعنا "مقولة :" الغضب من الشيطان " تستعمل أغلب الأحيان في غير سياقاتها المناسبة ، لتنتصب صورة الملاك المراد تحقيقها داخل واقع بشري فوق الأرض له إكراهات وشروط تختلف حتما عن شروط السماء وعوالمها الميثافيزيقية المجهولة لدينا جملة وتفصيلا إلا من أوصاف تدغدغ أو تلدغ خيالاتنا إغراء وتخويفا وفق الأدبيات الدينية .
وبهذا تتأرجح صورة الإنسان العربي المسلم ، الواقع تحت التأثير القوي للثقافة الدينية أو القبلية التقليدية المتجذرة عبر قرون ما بين الشيطان والملاك .
وما بين الصورتين تنضغط إنسانية الإنسان داخل قوالب تسعى لضبط كل تعابيره وتصرفاته في أدق حيثياتها ببالغ الصرامة والضبط المفرط في أغلب الأحيان .

من هنا تكونت تمثلات جاهزة تحاكم التصرفات وحتى الانفعالات والأحاسيس بمختلف تلاوينها وتدعو الذات الواعية لكبح جماحها والظهور بمظهر يعتبر جادا وعكس ذلك منفلتا حتى وإن كانت مشاعر إيجابية .
فالإنسان الذي يكون وجدانه مفعما بالأحاسيس الجياشة وبالتعبير عنها اعتبر ضعيفا ، فالمرأة التي تتميز بالعاطفة القوية تعتبر كائنا ضعيفا ومن درجة ثانية وكذلك الذكور الميالون للتعبير عن أحاسيسهم مثل المرأة , وحتى ما سمي بعلوم الطاقة فهي تعتبر ما يميل للرقة والعطف والحنان والدعة طاقة أنثوية وما يميل للشدة والعزم وقوة الإرادة والحركة وطاقة ذكورية وكلاهما يتوفران لدى الجنسين وتميل الكفة نحو هذه الجهة أو تلك حسب النوع والميولات
ولأن المرأة تبكي وتتعاطف وتحنو فهي تعتبر جنسا ضعيفا من طرف المنظومة التقليدية التي تمجد الشدة والقسوة والصلابة كضرورات للدفاع عن النفس والقبيلة
في زمن كانت المجتمعات او التجمعات تنتظم حول خيار القوة والعنف باعتبارها القانون الأسمى مثل الغاب تماما ,,,,
و لأن مجتمعاتنا العربية ، لازالت تجتر المنظومة التقليدية كخيار مفروض بسلطة الدين والاستبداد السياسي فإن ذات القيم التقليدية لازالت تفرض هيمنتها على المجتمع في أدق مسلكياته رغم محاولات الانفتاح على القيم الكونية التي مازالت تتلمس مكانا لها ضمن النسيج المجتمعي و منظومته القيمية حسب تموجات التغير الاجتماعي مدا وجزرا .

ولنعد إلى الانفعالات حيث يتم تمجيد كظم الغيض وحبس الغضب بل حتى الفرح ،إذ هناك أمثال تدعو لعدم الفرح بما أتاك وعدم الندم على ما راح
إذ يعتبر التعبير عن الانفعالات ضعفا ، بل سقوطا بين مخالب الشيطان حتى
فالإنسان القوي لا يعبر عن مشاعره ، بل عليه لجمها ، كظمها ،ترويضها .....
ومن ثمت يغيب التعبير عن الحب والمحبة بين الزوجين وبين الآباء وأبنائهم حتى وإن حضرتا كمشاعر قوية تحيك اللحمة الأسرية و تخيط تماسكها عبر السنين .
فالأب القوي حسب المنظومة التقليدية يجب أن يكون عبوسا ،متجهما لكي تكون له هبة ،أي يلعب دور السي السيد واشارات الحب بين الزوجين لا تتم إلا في الغرف المغلقة بل المظلمة في الكثير من الأحيان , ومن ثمة كانت الحياة العاطفية والجنسية بشكل عام متسمة بالكثير من الجفاف بل بالبؤس . ومن ثمة أيضا غدت تربة خصبة لبروز الكثير من التمظهرات المختلة نفسيا واجتماعيا . كظواهر الاغتصاب وزنا المحارم والبرود العاطفي والاضطرابات الجنسية مما يؤدي للتفكك الأسري باعتباره طلاقا عاطفيا صامتا أو قانونيا موثقا مع ما يصاحب ذلك من تداعيات
ومما لاشك فيه ،ان هذه التوجيهات نحو الضبط المفرط تؤدي لعلاقات اجتماعية يطبعها الزيف والنفاق في أغلب الأحيان .
ذلك أن المشاعر هي مثل الماء إذا لم تتدفق فوق التربة فهي تتسرب تحتها ،
إذ لا بد أن تعاش إما علانية أو سرا ، أو تبحث لنفسها عن مسارات ملتوية تحت جنح الظلام .
فالأحساسيس والانفعالات والمشاعر مكون أساسي من مكونات الإنسان
، فالإنسان من لحم ودم ومشاعر وانفعالات وافكار ، ومثلما يفترض ان يعبر الإنسان عن أفكاره ، يفترض ان تجد انفعالاته مساراتها الطبيعية فهي شكل لا محيد عنه من أشكال التعبير البشري ،ولا يستقيم التوازن بدون هذا التنفيس

وما يسمى اليوم بالمشاعر السلبية أو بالطاقة السلبية التي ينصح بتفاديها هي أيضا مكون أساسي من انفعالاتنا اليومية ،يجب أن تجد طريقها نحو التنفيس الطبيعي وإفراغ الشحنة وفسح المجال لمشاعر وانفعالات جديدة .
ولعل المشكل ليس في التعبير عنها ،بل في طريقة وشكل هذا التعبير حسب الشروط وحيثيات السياق المجتمعي إذ تفرض العادات والأعراف سبلا مسموحا بها وأخرى ممنوعة حسب المجتمعات وقيمها .
فالحياة تتكون من تقاطبات ثنائية نور وظلام ، حب وكراهية ، سلم وحرب ، هدوء وغضب وهكذا ,,,,,,في بحث دؤوب عن التوازن المنشود ,
وهذا التقاطب ما يضمن سيرورة الحياة المتجددة سواء على مستوى الجماعات أو الأفراد

والخضوع للأعراف يكون مستحبا إلى حد معين يضمن سلامة العلاقة التفاعلية ،لكن ان يتم ذلك على حساب السلامة النفسية. للمعني بالأمر فتلك حكاية أخرى
اذ تفرض شروط التراتبيات المجتمعية التي قد تصل مستوى الاضطهاد أحيانا
قيودا لا إنسانية على المستضعفين الذين يحرمون من التعبير عن مشاعرهم وانفعالاتهم كأسلوب يضمن استمرارية استعباد الإنسان للإنسان ولو بدرجات

ذلك أن التعبير عن الانفعالات والاحاسيس يضمن علاقات إنسانية ذات سلاسة وحيوية ,
عندما كانت المجتمعات اقرب للطبيعة كانت تتبادل المشاعر بشكل طبيعي.
فالناس يتبادلون العناق الحار مع بعضهم البعض ،ويتبادلون اللوم والعتاب حول ما يعتبرونه نقائص، لذلك كانت المجتمعات اكثر تماسكا لأنها تحب بعضها البعض ولاتنافق .
وفي بعض الحالات يكون الغضب الجماعي ضروري جدا لإحداث تغيير ما ،فالمظاهرات غضب جماعي يتوخى تحقيق مطالب جماعية
والغضب الفردي مطلوب ايضا عندما يشعر صاحبه بأي حيف او ظلم فالانتصار. للكرامة الإنسانية مسالة حيوية. ولا يمكن كبحها. بتقنينات قمعية
وما يقال عن المشاعر او الانفعالات السلبية ينسحب على الطابع الإيجابي ,
عبر عن فرحك واعجابك وحبك وتضامنك ، وعن غضبك وسخطك ورفضك وتمردك حتى ، اذا اقتضت الضرورة
وباختصار فلننتصر لإنسانيتنا في تدفقها الطبيعي فلن نعيش الا حياة واحدة
فنحن بشر وليسنا ملائكة ..



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن