القادم أصعب .. التوحش يزيح الأخلاق عن مكانه

علاء الدين حسو
alahusso@gmail.com

2020 / 11 / 2

لايمكن التنبؤء بالمستقبل، وإنما يمكن للحاضر أن يشير إلى المستقبل، مثلما الماضي يدل على الحاضر. وإذا أردت أن تعرف طبيعة وسلوك دولة ما، أنظر إلى تاريخ نشؤها. وإذا أردت أن تستشرف مستقبل دولة ما، أبصر في حاضرها.
ولأن الإنسان هو أهم مخلوق على هذه الأرض، كان الحفاظ على حياته وفكره وصحته وحاجاته من أهم الشروط الأساسية لأي حركة أو تيار اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي أو ثقافي.
وإن كان هناك تعريف شامل لذلك وجامع يمكن أن نصفه بالأخلاق وأخلاقيات المهنة. فللحرب أخلاقيتها، وللسلم أخلاقيته، وللفرد أخلاقه، وللمجتمع أخلاقه، وحين قامت الثورة الفرنسية صدرت للعالم مفاهيما كالحرية والعدالة والمساوة انتشرت في أوربا ومن ثم في كل انحاء العالم .
مع الأسف، دخلنا بوابة القرن الواحد والعشرين، والعالم يضع الأخلاق والأخلاقيات على الرف، ويتقلد ما هو نقيضها. ابتدأتها وريثة الفلسفة النفعية وصاحبة الفلسفة البراغماتية و التي تعرف باسم الولايات المتحدة الأمريكية، تجلى ذلك بصورة واضحة مع قدوم ترمب الذي يتصرف كراعي بقر أو بلطجي يطلب ثمنا لقوته وحمايته للدول.
من ارهاصات هذا التحول الخطير هو المقاتل (المأجور) الذي له أكثر من وصف أشهره (المرتزق). بدأ مع غزو العراق ، حين كان أكثر أغلبية الجيش الأمريكي مرتزقا.
يقول الشاعر الايطالي الجنوبي جوسيبه غوفوريدو في كتابه (مخاض السلام في البحر الأبيض المتوسط) بأن اثناء حرب الخليج الاولى حول بوش الجنوب لقاعدة أمريكية لقتل العراقيين. وتحولنا نحن أبناء الجنوب خدما لهم.
ومن ارهصاته الخطيرة جدا، شركات الحرب، مثل شركة فاغنر الروسية، المتخصصة في توظيف المرتزقة المحترفين في الحروب ، ولها تاريخ في مساعدات الحركات الانفصالية في اوكرانيا قبل أن تجد في سوريا وليبيا كنزا لا ينضب لها. وهي مثل الشركة الأمريكية المعروفة باسم بلاك وتر المعروفة اليوم باسم اكاديمي.
لقد تخلت تلك الدول القوية اليوم عن فكرة المقاتل المنتمي لها، للتخلص من الاعباء المالية والالتزامات الاجتماعية. فليس من السهل لتلك الدولة أن تفقد مواطنا لها يخدم في مؤسساتها العسكرية أو الأمنية ويدافع عن مصالحها واهدافها، هناك التزمات (أخلاقية) كرعاية الأبناء وتقديم المعونة والسكن والتعليم الخ...
لذلك لا مانع لديها أن يكون مواطنا لها هو موظفا في شكرة أمنية خاصة، فلا التزمات لها، وحتى ان كانت هي فعليا صاحبة تلك الشركة، ولكنها في النهاية في حل من اية التزمات في حال خسرانه.
ومن ارهصاته الأشد خطورة، استغلال الدين والتحدث باسم الله، لتنجيد شباب واطفال ونساء، وبيعهم كلام لا يكلفهم سوى بضع دقائق تغسل بها ادمغهتم وتداعب احلامهم. والامر ليس مقتصر على دين واحد أو ايديولوجيا محددة أو طيف ما. وسواء هذا الاستغلال باسمه أو محاربته.
ومن ارهصاته الاشد فتكا وتأثيرا هو المال الموظف لتجيند الشاب والمفكرين والمثقفين والعسكريين ، باساليب متعدة وعلى مستويات متفرقة تبدأ بحفنة الدولارات لشاب أو شابة تفتعل حركة ما تخدم غايتها، أو حزمة من الالف الدولارت لدعم حركة انقلابية في بلد ما تخدم غايتها.
في السابق كان هناك نظام استعماري مباشر، وحرب مباشرة، ولها كما قلنا اخلاقياتها والتزماتها. اليوم اختلف الامر ، الدول تتخلى عن ذلك بل تتملص منه بطريقة وقحة لهذا القادم أصعب ولكن مواجهته أيضا أشرف، فكلما كان التحدي كبيرا كان أرفع قدرا.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن