بليه – ميلاد أسطورة

أميرة أحمد عبد العزيز
ami.salem83@gmail.com

2020 / 10 / 22

شاهدت فيلم (بليه- ميلاد أسطورة) عن قصة حياة اللاعب البرازيلي (بليه).
ملخص القصة (بليه أو ديكو طفل يعيش في المجتمع البرازيلي من الطبقة الفقيرة مع مجموعة من أقرانه من الفقراء يشكلوا معا فريق لكرة القدم يستطيع أن يلعب في المباريات المحلية في تقابل مع أبناء مجتمعهم من الطبقة الغنية الذين لا يختلفوا فقط عنهم ماديا بل وأيضا ومنهم شكليا حيث يكونوا أشبه للأوربيين شكلًا ومظهرًا، في المقابل بليه وأقرانه يشبهوا أطفال أفريقيا ويشبهوا معاناتهم.
وفي هذا المجتمع المليء بالتناقضات يعشق الأطفال عموما لعبة كرة القدم، وتبرز موهبة بليه في المباريات المحلية والتي تؤهله للانضمام ضمن الفريق الوطني والمشاركة في خوض كأس العالم لكرة القدم ويكن بذلك أصغر المشتركين في الفريق (١٦ عام وقتها تقريبا).



ولكن بداخل الفريق الوطني يبرز الصراع بين أسلوب أداء بليه وبين ما يريده أن يكون عليه المدرب الذي كان يريد تحجيم هذا الشكل من الأداء لديه والذي وصفه بكونه ( بهلواني) لا يجب أن يقوم أي لاعب بالفريق باللعب باستخدامه، ليتعرف المشاهد بمتابعة أحداث الفيلم أن طريقة أداء بليه كانت طريقة أداء اللعب الأصلية لفريق كرة القدم البرازيلي قبل أن يتخلي عنها اعتقادا إنها كانت سبب هزيمتهم في كأس العالم سابقا، وقد استقاها وتدرب عليها بليه جيدا من أبيه، وكان في السابق لاعب في الفريق البرازيلي قبل أن يصاب في قدمه ليتحول إلي عامل في أحدي المستشفيات، في المقابل خشيت الأم من تعلم ابنها كرة القدم واحترافه لها مثل أبيه سابقا، ومن ثم يترك التعليم الذي يعد وسيلة للترقي الاجتماعي، وذلك خشية أن يصيبه ما أصاب أبيه، ولكنها ترضخ في النهاية لموهبة ابنها.

علي مدار الفيلم يظهر الصراع بين طرحين، الأول: طرح يبرزه بليه وأدائه في الملعب المستمد من التراث البرازيلي المعروف (بالجنيجا)، والثاني: يمثله ولد (لاعب آخر) والمدرب، واللاعب الآخر هذا كان ضمن أحد الفرق المنافسة لبليه وقت مشاركته في المباريات المحلية وأصبح زميل له في الفريق الوطني، وهو يبرز ليس فقط التناقض الطبقي بينه وبين بليه وطبقته من الناحية الإقتصادية، بل وأيضا التناقض الثقافي، حيث يمثل هذا اللاعب وجه التطلع إلي الثقافة الأوربية كبديل عن الثقافة البرازيلية فيبدو شخص مغترب عن مجتمعه، أما المدرب فنظرا لتأثره بالهزيمة السابقة للبرازيل في كأس العالم والخشية من الاستمرار في الفشل يحاول الأخذ بكل الأساليب والطرق الأوربية والأجنبية وحتي استيراد خطط اللعب حتي يحققق الفوز بكأس العالم ويمحوا العار من تاريخ البرازيل الكروي، وفي هذا الصراع يتبين أن:

أولا: بليه لا ينطلق ويبدع إلا من نبع هذا التراث البرازيلي المسمى (الجنيجا)، فإن كبت بداخله يبدو كأنه يتوقف ليس فقط عن الإبداع ولكن عن اللعب، وكأنه الطاقة الروحية التي يستمد منها قوته وإبداعه.

ثانيا: من حديث دائر بين بليه وهذا اللاعب المغترب عن مجتمعه، وذلك أثناء أحد مباريات كأس العالم والتي أشرك فيها بليه كبديل لهذا اللاعب الذي كان يلعب ضمن الفريق الأساسي، بينما بليه ضمن احتياطي الفريق، وذلك لإصابة بسيطة حدثت لهذا اللاعب، ومن ثم ينزل بليه مكانه الملعب، وفي الاستراحة يتحدث معه بليه الذي شعر أنه لا يستطيع أن يؤدي جيدا وكان أيضا يملك هيبة من جماهير بلدان العالم وهيبة الموقف، فنجد بليه يقول لزميله (أنت أفضل مني، فإن تحسنت إنزل الملعب)، فما كان من هذا اللاعب إلا أن أوضح لبليه أن (( ليس المشكلة في الإصابة، المشكلة أن عقله مشتت، فقد كان يعتقد في نفسه أنه أوربيًا ليكتشف بمشاركته في كأس العالم ومقابلة الفرق الأخرى أنه برازيليا، وذكر بليه بأدائه المتميز في دورة المحليات وأن أدائه (أي أداء بليه) كان ممتعًا للمشاهد له، وأنه معبر عن البرازيل، ناصحًا إياه أن يلعب في المباراة هكذا)) ومن ثم يعود بليه للمباراه بروح مختلفة غير انهزامية واثقه ليبدع ويهدف.

ثالثا: في الكواليس، يظهر مدرب فريق البرازيل محاولا الأخذ بكافة الطرق والخطط الأجنبية والأوربية بل وشكل الأداء أيضا وتدريب الفريق بهذا الشكل حاجما بزوغ أي روح للجنيجا في لعبهم، ولكن لم يستطع المدرب أن يخرج إبداع من اللاعبين بلا وصل الأمر للتشتت الذهني لللاعبين والمدرب نفسه وقت محاولته تدريبهم علي نفس الخطة التي يلعب بها الفريق الذي سوف يلاقوه، وقد اختلف الوضع بعد أن كانوا يتخبطون، حين شاهد المدرب لاعبي الفريق يلهون بالكرة في ساحات الفندق كترفيه عن أنفسهم من مشقة التدريب مطلقين العنان للجنيجا بداخلهم، فيجتمع المدرب بلاعبيه ويوضح لهم متراجعا عن موقفه السابق من التراث الكروي البرازيلي ((أن ينسوا ما قاله سابقا، وما كانوا يصنعونه بساحات الفندق هو الذي يطالبهم بصنعه في الملعب، واصفا ما شاهده بأن تلك هي شخصيتهم (الجنيجا) معترفا لهم قائلا (نعم نحن مختلفون عن الآخرين، كما أننا لسنا مثلهم متشابهين، ولكن يوجد ما يوحدنا وهو (الجنيجا) (طريقة البرازيل في اللعب)).





ينتهي الفيلم بقول علي لسان بليه:

((إن الجنيجا التي كان يعتقد إنها عار وهي سبب هزيمتنا، أصبحت تسمي اليوم اللعبة الجميلة ويأتي البرازليون لمشاهدتها)).

في هذا الفيلم فكرة تصدق على تطور المجتمعات بشكل عام، أن التتطور لا يكون بإلغاء الشخصية الوطنية وسماتها، بل أننا لا نملك إمكانية إلغاء الماضي والتراث، فالماضي كما تعلمنا (جامد لا يتغير)، ومنه كما تعلمنا أيضا تنبثق مشكلاتنا وحاجاتنا التي نتطلع بإشباعها وبحلها للمضي قدما إلى المستقبل، وفي الماضي أيضا تكمن إمكانيات الحل، فإلغاء شخصيتنا لا يحقق تطور بل هزيمة، فالوجود شرطا للتطور كما تعلمنا أيضا، وعليه وحتي لا نكون نسبح في الفراغ، نقول (أن علينا تطوير شخصيتنا العربية، لا محوها، حتي نتقدم إلى الأمام) وإن كنا أمة مهزومة فعلينا البحث عن الأسباب الموضوعية لهزيمتنا ومعرفة مواضع الهزيمة، إن كنا نعاني من الاستبداد والاستغلال والتجزئة والاحتلال مما يشكل عائق أمام تطورنا، فعلينا إزالة العائق عن المعاق وليس ضرب المعاق حتى قتله.



هكذا الأمم يا سادة وشعوبها إذا أنكرت شخصيتها وتراثها بسبب هزيمتها ظنا منها أنهما كانا سببا في الهزيمة ستدفع مزيد من الهزيمة، فالنصر يبدأ بالإيمان بشخصيتنا وحضارتنا وقراءة واقعنا كما هو، والتخلص من العوائق ثم إنماء تراثنا، كما علينا معرفة الأخطاء وتجنبها والتفريق بين ما تجاوزه الزمن وبين ما زال حيا بيننا (تطوير الذات لا إلغائها طريق النصر والتقدم).



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن