الانظمة الحزبية

سيماء علي مهدي
Saimaa.Ali1101c@copolicy.uobaghdad.edu.iq

2020 / 10 / 20

وبصورة عامة يمكن التمييز في الوقت الحاضر بين عدة أنظمة حزبية يختلف بعضها عن الآخر بنواحي عديدة منها : نظام الاحزاب المستقلة, نظام الاحزاب المتعاونة أو المتحدة, نظام الاحزاب المتعادلة, نظام الاحزاب المسيطرة, نظام الاحزاب الكبيرة, نظام الاحزاب الصغيرة, نظام الاحزاب المستقرة, نظام الاحزاب غير المستقرة.... لكن هناك نظام الاحزاب الاكثر تداولاً من حيث عدد الاحزاب السياسية( نظام الحزب الواحد- نظام الحزبين-نظام تعدد الاحزاب).
1- نظام الحزب الواحد: يتجسد هذا النظام بوجود حزب سياسي واحد في الدولة، يحتكر النشاط السياسي فيها من الناحية القانونية والفعلية، ولا يسمح بقيام احزاب معارضة الى جواره. ويعد انفراد الحزب الواحد بالعمل السياسي والاداري في الدولة من اهم سمات نظام الحزب الواحد ، بحيث لا يمكن ان يترك الحزب أي نشاط الا ويتدخل فيه ويفرض سيطرته عليه ، وهذا ادى الى جعل الحزب القوة الموجهة للمجتمع والدولة، فضلا عن حصر العضوية في الحزب على فئات محددة من الافراد الذين تتوافر فيهم صفات وشروط خاصة لان اعضاء الحزب الواحد هم طليعة المجتمع. ويمثل هذا النظام ظاهرة حديثة نسبيا، فهو التجديد السياسي الذي جاء به القرن العشرين في كل من الاتحاد السوفيتي السابق وايطاليا الفاشية والمانيا النازية ثم ما لبث ان انتتشر في كثير من دول العالم الثالث . ومن الملاحظ ان الدول التي اعتنقت هذا النظام الحزبي قد اختلفت في الاساس النظري الذي يستند اليه نظام الحزب الواحد ، فالاتحاد السوفيتي السابق قد انطلق من مرتكزات الفلسفة الماركسية في بناء نظريته الخاصة بالحزب الواحد، فالاحزاب السياسية ما هي الا تعبير سياسي عن مصالح الطبقات الاجتماعية المختلفة، ولما كانت النظرية الماركسية ترمي الى القضاء على جميع الطبقات والابقاء على الطبقة العاملة فانه لم يعد هنالك مبرر لتعدد الاحزاب ، بل ان المجتمع السوفيتي لا يمكن ان يعيش الا في ظل نظام الحزب الواحد. وقد جسد الدستور السوفيتي الصادر عام 1977 ، حيث نص على ان ((يتحد المواطنون الأكثر نشاطاً ووعياً في الطبقة العاملة في الحزب الشيوعي السوفيتي الذي يعد طليعة العمال في كفاحهم من اجل تثبيت النظام الاشتراكي وتطويره، والذي يمثل نواة التوجيه لكل تنظيمات العمال الاجتماعية والحكومية)) اما بالنسبة لايطاليا والمانيا التي شهدت كل منهما تطبيق نظام الحزب الواحد تمثل في سيطرة الحزب الفاشي في ايطاليا والحزب النازي في المانيا خلال فترة ما بين الحربين العالميتين انطلاقا من مبادئ النظرية الفاشية والنظرية النازية اللتين اسستا وحدة الأمة على وحدة الحزب، لأن ضياع وحدة الأمة ومصالحها امر مؤكد في ظل نظام تتعدد فيه الاحزاب بسبب تغليب المصالح الخاصة بتلك الاحزاب على الصالح العام، مما يؤدي الى عجز الحكومة عن تنفيذ برامجها لأنها وبلا شك سوف تتعارض مع برنامج وأهداف حزب من الأحزاب المتعددة . وفيما يتعلق بدول العالم الثالث فقد تنوعت التبريرات التي حاولت ان تسوغ اعتناق نظام الحزب الواحد ، حيث انطلقت هذه المسوغات من واقع تلك الدول وما شهدته ابان خضوعها للهيمنة الاستعمارية ، او بعد تحررها واستقلالها وما واجهته من صعوبات في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ان حركات التحرر والكفاح ضد الاستعمار تتطلب توحيد جميع القوى السياسية في تنظيم واحد بدلا من التشتت والانقسام بين احزاب متعددة متصارعة . فضلا عن ان مشكلات التنمية الشاملة تحتاج الى التنظيم ذاته لقدرته على تهيئة الكوادر اللازمة لتسيير اجهزة الدولة ، وذلك يرجع الى الاعتقاد بأن اعضاء الحزب الواحد الذين واجهوا الاستعمار قادرون على ادارة كافة مرافق الدولة السياسية والادارية. وتبرز هيمنة الحزب الواحد في الميدان السياسي والاداري من خلال سيطرته على العملية الانتخابية والصحافة وحريات الأفراد ، حيث ينفرد الحزب في اختيار المرشحين وانتخابهم فلا يترك امام الناخبين فرص اختيار حرة كما يستقل الحزب باختيار اعضاء الحكومة وكبار المسؤولين في الجهاز التنفيذي للدولة, ويحكم الحزب الواحد قبضته على الصحافة من خلال عملية الرقابة السابقة على المواد التي تنشرها، ويجعل من الصحافة وسيلة دعاية وتحبيذ لأفكار الحزب وسياساته, وكذلك الحال مع سائر الحقوق والحريات التي لا يمكن ان تمارس الا في الحدود التي يقرها الحزب ، وبذلك تتحول الحريات العامة الى مجرد هبة من قيادات الحزب الواحد .وتأسيسا على ما تقدم يمكننا ان نطرح التساؤل الآتي هل يتلاءم نظام الحزب الواحد مع المبادئ الديمقراطية؟ للاجابة عن هذا التساؤل يمكننا ان نميز بين رأيين: الاول نادى به معظم الفقهاء الغربيين ، حيث ساد الاعتقاد لديهم بان نظام الحزب الواحد يتنافى مع الديمقراطية التي لا يمكن الحديث عنها الا في ظل نظام يقر بفكرة التعدد الحزبي والمعارضة. واذا كانت الدكتاتوريات القديمة تظهر بمظهر الطغيان الفردي فان من اهم ما تسعى اليه الدكتاتوريات الحديثة ان يكون وجودها مستندا الى مجموعة متحدة من الافراد تحت لواء حزب قوي لا يقبل المشاركة والمنافسة في الحكم. فيما ذهب انصار الرأي الثاني الى عدم وجود تناقض بين الديمقراطية وبين نظام الحزب الواحد طالما كان الحزب الواحد جماهيرياً، وقد ساد هذا الرأي في بعض الأوساط السياسية لدول العالم الثالث منطلقا من ان الحزب الجماهيري يتيح المشاركة السياسية اليومية للجماهير في حين تنحصر هذه المشاركة في ظل نظام يأخذ بالتعددية الحزبية في العملية الانتخابية دون سواها ؛ والملاحظ ان معظم انظمة الحزب الواحد التي شهدتها الدول –في الماضي والحاضر- قد ظهرت بمظهر تسلطي صادرت فيه حقوق وحريات الأفراد ، وحتى بالنسبة لدول العالم الثالث فان الوصول الى نظام الحزب الواحد لم يخل من اتباع اجراءات تعسفية وقسرية لتصفية باقي الاحزاب الموجودة في الحياة السياسية للبقاء في الحكم اطول فترة ممكنة ، وهذا يدحض الكثير من آراء المدافعين عن نظام الحزب الواحد في هذه الدول .وعلى هذا الأساس يمكننا ان نلاحظ التناقض بين ما يرتكز إليه نظام الحزب الواحد وبين ما تتضمنه المبادئ الديمقراطية ، مما حمل الكثير من الدول الى هجره والاقرار بنظام التعددية الحزبية على المستويين الدستوري والقانوني ، فقد الغت دول اوربا الشرقية جميع النصوص الدستورية التي تكرس نظام الحزب الواحد فيها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بدعوى انها تتعارض مع نظام التعددية الحزبية الذي تبنته هذه الدول, وكذلك الحال في معظم دول العالم الثالث كبنغلادش وتشاد والنيبال في عام 1990، وبورما في عام 1991.
2- نظام الحزبين: يقوم هذا النظام على اساس وجود حزبين كبيرين في الدولة يتنافسان فيما بينهما للوصول إلى السلطة ، واذا كان هذا النظام يفترض وجود حزبين كبيرين فان هذا النظام لا يمنع من قيام احزاب اخرى تكون قليلة الاهمية بالنسبة لهما وبالتالي يكون تاثيرها ضعيفاً على النظام السياسي.وقد نشأ هذا النظام في الدول الانجلوسكسونية. وفي مقدمتها بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية لظروف خاصة ساهمت في ظهور واستمرار الثنائية الحزبية كالتطور التأريخي للدولة والعادات والتقاليد السائدة وتكوينها الطائفي والعنصري, ويعد نظام الانتخاب بالأغلبية البسيطة العامل الاكثر اهمية في الابقاء على نظام الحزبين ، لان هذا النظام الانتخابي يؤدي إلى فوز المرشح إذا ما حصل على اكثر الاصوات أياً كانت نسبتها إلى مجموع اصوات الناخبين التي اعطيت في الدائرة الانتخابية . وقد اثر ذلك تاثيراً واضحاً على الاحزاب الصغيرة وعلى الناخبين ، فلكي تحظى هذه الاحزاب ، ولو بدور محدود في الميدان السياسي ، نجد انها قد تلجأ إلى التحالف مع احد الحزبين الكبيرين ، أو تفضل الدخول إلى الانتخابات بشكل مستقل وعندئذٍ تتجه اصوات غالبية الناخبين إلى مرشحي احد الحزبين الكبيرين خشية من ضياع اصواتهم في حالة التصويت لصالح مرشحي الاحزاب الصغيرة ويتميز نظام الحزبين بانه يساعد على قيام حكومة مستقرة في الدول التي تأخذ بالنظام البرلماني لان الحزب الحائز على اغلبية الاصوات يكون بالضرورة حاصلاً على اغلبية المقاعد البرلمانية وتشكل الوزارة تبعاً لذلك من بين اعضائه في حين تقتصر مهمة الحزب الاخر على المعارضة. التي يقصد من ممارستها تحقيق الصالح العام ، وباسلوب ديمقراطي يهدف إلى مراقبة ونقد اعمال الحكومة وبرنامجها سعياً إلى الحصول على اصوات الاغلبية في الانتخابات القادمة والعودة إلى الحكم . اما بالنسبة للدول التي تتبنى النظام الرئاسي فإن وصول اغلبية برلمانية تنتمي إلى ذات الحزب الذي ينتمي إليه رئيس الدولة يؤدي إلى التعاون بين كل من رئيس الدولة والبرلمان ، وبهذا يقترب النظام الرئاسي إلى حد كبير من النظام البرلماني المتبع في بريطانيا ، واذا اسفرت الانتخابات عن اغلبية برلمانية تنتمي إلى حزب اخر غير الحزب الذي فاز بالرئاسة فإن الفصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية يتأكد ويتعزز ، ويبرز النموذج المثالي للنظام الرئاسي .
3- نظام تعدد الاحزاب: حيث يوجد في الدّولة على ثلاثة أحزاب سياسيّة أو اكثر ، تتنافس فيما بينها للسيطرةِ على السلطة السياسيّة، فقَد يحصل كلّ منها على عدد معيّن من المقاعد في السّلطة التشريعيّة، لكنّه من الصّعب لأي منها أن يقوم بمفرده بالحصول على الأغلبيّة اللازمة؛ لتشكيلِ السّلطة التنفيذيّة (الحكومة أَو الوزارة). ولهذا السبب عادة ما يكون هناك تحالفات واتفاقيات بين أكثر من حزب منها لتشكيل السّلطة التنفيذيّة. ومن الأمثلة على هذا النظام: العراق, ألمانيا، فرنسا، سويسرا، بلجيكا، هولندا، اسرائيل، النرويج، إيطاليا وغيرها من الدّول. وبصورة عامة أن تعدد الأحزاب السياسية في الدول الحديث وكثرتها أما أن يكون شحة لانقسام بعض الاحزاب السياسية القائمة فيها أو نتيجة لتشكيل أحزاب سياسية جديدة . والملاحظ أن زيادة عدد الأحزاب السياسية بسبب انقسام الاحزاب السياسية القائمة اكثر حدوثا من نشاة الأحزاب السياسية الجديدة وذلك لاسباب كثيرة منها ضعف الانضباط والاخذ باللامركزية الإدارية والايديولوجية أو الفكرية في كثير من الاحزاب السياسية وعلى كل حال أن اسباب ظهور نظام الأحزاب هي الاختلافات العنصرية والدينية والسياسية والاقتصادية الباحثين والمختصين بالأحزاب السياسية منذ عام 1946 باظهار تأثير طريقة الانتخاب المتبعة في الدولة على زيادة عدد الأحزاب السياسية . فذهبوا إلى أن كلا من الانتخاب بالتمثيل النسبي والانتخاب غير المباشر يساعد على قيام نظام تعدد الأحزاب لانهما يشجعان الاتجاهات والكتل على الظهور ودخول المعترك السياسي .
4- الحزب القائد: يتسم هذا النظام بوجود عدة احزاب سياسية في الدولة متقاربة مع بعضها في المبادئ والاهداف ومتفقة على التعاون في ادارة شؤون الحكم تحت قيادة أقواها. وتتحقق الاولوية للحزب القائد لأنه يمتاز بأسبقية واضحة على منافسيه، فضلا عن ان مبادئه تمثل التجسيد الحقيقي لآمال وطموحات الجماهير.وقد ظهر هذا النظام بعد الحرب العالمية الاولى ، وتحديدا في اواخر عام 1917، بعد الاتفاق الذي تم بين كل من حزب العمال الاشتراكي الروسي –الذي اطلق عليه عام 1918 (الحزب الشيوعي الروسي)- والاشتراكيين الثوريين، وبعض الاحزاب البرجوازية للتعاون في ادارة شؤون الدولة، غير ان هذا الاتفاق لم يدم طويلا، ففي عام 1920 اعلن عن الغاء جميع الاحزاب السياسية ، وتبني نظام الحزب الواحد ممثلا بالحزب الشيوعي الروسي. ويجدر بنا في هذا الموضوع ان نميز بين كل من نظام الحزب الواحد، ونظام الحزب القائد، فبينما يحتكر الحزب الواحد العمل السياسي ولا يسمح بقيام احزاب الى جانبه ، نجد ان الحزب القائد لا يلغي وجود الاحزاب الاخرى بل يحاول التعاون معها والاتفاق على المسائل الجوهرية التي تهم افراد المجتمع كافة. فضلا عن ان الاخذ بنظام الحزب الواحد يضفي صفة الديكتاتورية على الحزب بسبب عزلة الحزب عن الجماهير وابتعاده عن اهدافها وطموحاتها، في حين يعد الحزب القائد نفسه جزءا من الجماهير بل هو طليعتها مما يضفي على الحزب طابع الانفتاح على الجماهير. وكثيرا ما كان اللجوء الى تطبيق نظام الحزب القائد وسيلة لفرض سيطرة احد الاحزاب على غيره او تصفية باقي الاحزاب او دمجها فيه للانتقال الى نظام الحزب الواحد ، وهذا ما حصل في كل من الصين ودول اوربا الشرقية التي اعتنقت الماركسية عقب الحرب العالمية الثانية؛ ولكي يتمكن الحزب القائد من ضمان استمراريته في الحكم يتعين ان تتوافر الثقة المتبادلة والرغبة الحقيقية للتعاون بينه وبين القوى السياسية المتحالفة, وتعد سوريا والعراق من الدول التي اخذت بنظام الحزب القائد، فبالنسبة لسوريا فقد مثل حزب البعث الحزب القائد فيها بعد التوقيع على ميثاق الجبهة الوطنية في 17/3/1972 من قبل ممثلي كل من حزب البعث والحزب الشيوعي السوري وحزب الاتحاد الاشتراكي العربي وحركة الاشتراكيين العرب . أما بالنسبة للعراق فان نظام الحزب القائد كان من الافكار التي بحثها واقرها حزب البعث في مؤتمره القومي السادس الذي انعقد عام 1963. وقد طبقت هذه الفكرة بشكل واقعي تمثل بصدور ميثاق العمل الوطني في 15/11/1971، الذي مهد لاعلان قيام ((الجبهة الوطنية والقومية التقدمية)) في 17/7/1973 عبر بيان مشترك اصدره حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الشيوعي العراقي ، لتنضم اليها لاحقا الاحزاب الكردية ((الحزب الديمقراطي الكردستاني – الجناح التقدمي ، والحزب الثوري الكردستاني ، وحركة التقدميين الأكراد)) واحتل حزب البعث موقعا متميزا في قيادة هذه الجبهة وهيئاتها مما اهله للقيام بدور الحزب القائد لباقي احزاب الجبهة الوطنية والقومية التقدمية. وبصدور قانون الحزب القائد رقم (142) لسنة 1974. فقد تجسد، من الناحية القانونية ، الاقرار لحزب البعث بدور الحزب القائد في العراق. وإن تبني أي نظام من النظم الحزبية لا يعتمد على تقليد تجارب الدول الاخرى، حتى وان كان ناجحاً فيها، لأن النظام الحزبي يتأثر بالعديد من العوامل ، لذلك ينبغي ان يكون النظام الحزبي ملائماً للبيئة السياسية والاجتماعية التي ينشأ فيها، وان يمثل التعبير الحقيقي لواقع التنظيمات السياسية الموجودة في الدولة. وان يكون اختيار هذا النظام الحزبي او ذاك من نتاج الارادة الشعبية الحرة سواء اكان ذلك عبر تدرج زمني يمتد من الماضي ويستقر في اذهان الجماعة السياسية فيصبح النظام الأفضل والأكثر ملاءمة لواقعها وظروفها ، ام يكون الاختيار بواسطة القنوات المعبرة عن ارادة الشعب وبأسلوب ديمقراطي كاللجوء الى المجلس النيابي ، ام اجراء استفتاء شعبي.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن