مفاعيل اقتصاد السوق الوحشي في الحقل العلمي

مصعب قاسم عزاوي
drazzawi@fastmail.co.uk

2020 / 10 / 7

حوار أجراه فريق دار الأكاديمية مع مصعب قاسم عزاوي

فريق دار الأكاديمية: وددت أن أسألك عن رأيك بصدد تغييب الأهداف الاجتماعية من جل منظومات الإنتاج والبحث العلمي على المستوى الكوني، وانعدامها شبه المطلق في نسق اقتصاد السوق الوحشي المعولم؟

مصعب قاسم عزاوي: من الناحية المنهجية هناك ترابط عضوي تفاعلي بين كل أنشطة البشر تحكمه بشكل جمعي شروط التفاعل الاجتماعي بين البشر التي لا بد أن ينتج عنها منتجات تعيد التأثير على معطيات اجتماعية أخرى، وتغير من مسار تآثر تلك الأخيرة بما ترتبط به من مؤثرات أخرى في المحيط الاجتماعي. وذلك التآثر التفاعلي الذي لا ينقطع في الحيز الاجتماعي مثل جوهر وخلاصة عمل ابن خلدون الطليعي تاريخياً ومعرفياً بمقدمته التي لا تزال أطروحاتها ثاقبة في قدراتها على تحليل ذلك النموذج من التآثر. وكمثال واقعي مبسط على نموذج التآثر ذلك باتكاء على جوهر سؤالك يمكن التفكر بين العلاقة الجوهرية بين قيمة العلم والبحث العلمي في مجتمع ما، وبين نموذج نضج مستوى التعاقد الاجتماعي بين أولئك المتشاركين فيما بينهم كأعضاء في ذلك المجتمع. وتلك الملاحظة المبسطة تشير عملياً إلى واقع انحدار قيمة العلم مشخصاً بكم ومستوى البحث العلمي الذي ينتج عن الجامعات في الدول ذات المجتمعات المنهوبة تاريخياً عبر استعمارها إمبريالياً فيما مضى، أو عبر وكلاء ذلك الأخير بعد رحيله شكلياً عن تلك المجتمعات بسبب تغير الظروف التاريخية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وصعود موجة الانعتاق من الاستعمار التقليدي الذي عززه بشكل كامن توازن القوى في تلك المرحلة ممثلاً بوجود الاتحاد السوفييتي.

وبشكل أكثر دقة في التوصيف يمكن النظر إلى أن تلك العلاقة التفاعلية تجد تمظهرها الفعلي والحقيقي أيضاً في الدول التي تسمى نامية، وهي في جوهرها مجتمعات تمكنت من تحقيق تقدمها الاقتصادي بشكل فعلي عبر تكوين قاعدة تصنيعية قامت أساساً على استغلال لا لجام له لموارد المجتمعات المنهوبة إمبريالياً السالف ذكرها، وعبر اعتمادها الذي لم يتغاير لحد الآن -على الرغم من تبدل شكله التزويقي الظاهري- متمثلاً باستعمال قوة العمل الرخيصة لأولئك المظلومين المستعبدين بالسلاسل في أوائل مرحلة التكوين الإمبريالي لتلك المجتمعات النامية، وصولاً إلى مرحلة الاستعباد بالوكالة كما يحدث في استغلال نفس تلك المجتمعات لقوة العمل المظلومة المستلبة في الصين نموذجاً، والمرغمة على العمل بشروط لا تتغاير عن تلك القائمة في نموذج الاستعباد التقليدي سوى بأنها أكثر وحشية وقسوة، حيث كان السيد إبان مرحلة العبودية التقليدية ملزماً من الناحية العرفية بتقديم المأكل والمأوى الملائم لعبده لكي يتمكن من الاستمرار بالعمل والإنتاج، وسوى ذلك فإن اندثاره ورحيله عن الحياة الدنيا يمثل خسارة فعلية من الناحية المادية لذلك السيد بنكوصه عن واجبه الطبيعي في الحفاظ على ممتلكاته. بينما الحال راهناً وفق النموذج «الصيني»- وما كان على شاكلته في غير موضع من خارطة العالم المفقر المنهوب- هو «إرغام العامل على عرض» قوة عمله والتي تعني كل كينونته لردح من الوقت خلال يوم العمل لمن يرغب باستغلالها دون إلزام ذلك المستغل على تقديم أي من واجبات السيد «مالك العبد» التقليدي من قبيل مأوى ملائم ومأكل كاف وعلاج عند الحاجة. وجماع ذلك الحال المأساوي كله أنتج مجتمعات من الشغيلة الهامشيين هيكلها مجتمعات الصفيح والبناء العشوائي الذي أصبح شبه الحالة الطبيعية في كل مدن العالم المفقر المنهوب- أو ما يسمى الثالث أو النامي أو دول الجنوب-على الرغم من اندثار العالم الثاني من واقع الخارطة السياسية الكونية، وتآكل كل آفاق النمو الحقيقي في تلك المجتمعات المنهوبة في سياق تمترس معادلة اقتصاد السوق، والطغيان الكوني للكتلة الإمبريالية متمثلة بالغول العولمي الذي كون نفسه على شاكلة «الميدوزا الأسطورية الإغريقية» برؤوس لا تنتهي هي الشركات العابرة للقارات التي تحكم العالم، وتحرك القدرات العسكرية لدول بأكملها عبر تحكمها بعملية تخليق الساسة في تلك الدول؛ ومثالها الوصفي ما سماها أيزنهاور الرئيس الأمريكي الأسبق «المجتمع الصناعي العسكري»، والذي أصبح منظومة معقدة راهناً تضمن في طياتها الصناعات الحاسوبية، والدوائية، وتلك المرتبطة بالتقانات الحيوية «Biotechnology» والتي يرى صناع القرار في العالم الإمبريالي بأنها عماد تمكنهم من تثبيت سيطرتهم عن المجتمعات المنهوبة في قابل الأيام من خلال الإمساك بمفاصل حيوات أبنائها في صحتهم واحتمال اندثارهم من الحياة الدنيا إن لم يحصلوا على الترياقات الدوائية التي يحتكرها ذلك المجتمع الإمبريالي بقوة الترهيب، وما يدعى حقوق الملكية الفكرية التي تسري على الفقراء فقط.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن