في الذكرى أل(20) لاندلاعها : -انتفاضة الأقصى- أجهضت جراء رهان السلطة على خطة خارطة الطريق و-انتفاضة الحجارة- سبق وأن قبرت باتفاقات أوسلو

عليان عليان
elayyan_e48@yahoo.com

2020 / 10 / 2

نعيش هذه الأيام في رحاب إحياء ذكرى انتفاضة الأقصى المجيدة ، بهدف إعادة الاعتبار لمنجزاتها والبناء عليها ، واستخلاص الدروس الناجمة عنها، ولتجاوز طروحات القيادة المتنفذة القائلة" بعدم السماح باندلاع انتفاضة جديدة"، إذ أن ما صدر عن اجتماع الأمناء العامون (بيروت- رام الله) في الثالث من شهر أيلول(سبتمبر) الماضي، بشأن اعتماد أسلوب المقاومة الشعبية ، هو "حمال أوجه" ، بخصوص تفسير " مفهوم هذه المقاومة"، بمعنى هل تسمح أو توافق قيادة السلطة أو المنظمة، بأن تكون الانتفاضة جزءاً لا يتجزأ من المقاومة الشعبية وأن تكون على رأسها أم أن الأمور سيجري اختصارها، في مظاهرة هنا وهناك، أو في رفع الأعلام الفلسطينية ، أو في تحركات شعبية مضبوطة قرب جدار الضم والتهجير العنصري.
فعوامل تفجير انتفاضة جديدة قائمة منذ زمن، في ضوء غول الاستيطان الذي يلتهم يومياً مساحات واسعة من الضفة الغربية ، وفي ضوء مسلسل القمع والاعتقالات المستمرة ، وفي ضوء صفقة القرن الصهيو أميركية السعودية ومخرجاتها، وفي ضوء قرار نتنياهو بضم (30)في المائة من مساحة الضفة ، ومسلسل الاندلاق التطبيعي المذل مع الكيان الصهيوني ، ونقل معظم دول الخليج التطبيع إلى خانة التحالف، ضد محور المقاومة على طريق تصفية القضية الفلسطينية.
لقد حققت انتفاضة الأقصى التي اندلعت في 28 أيلول (سبتمبر ) عام 2000م ، إنجازات هائلة بجمعها بين الشكل الجماهيري للمقاومة والمقاومة المسلحة، وأبرز إنجازاتها :
1-نجحت في خلق توازن نسبي للردع وجر العدو إلى ما جرى الاصطلاح عليه "بالتوتر المنخفض"، حيث قتل خلال سنواتها الخمس ١٠٦٩جندياً إسرائيلياً ومستوطناً وأصيب ٤٥٠٠ آخرين ، في حين ارتقى خلالها ٤٤١٢ شهيداً وأصيب أكثر من ٥٠ ألف مواطن فلسطيني.
2- نزوح هائل للمستوطنين من الضفة الغربية والقدس للمناطق الأكثر أمناً في مدن الساحل .
3- هجرة مضادة لليهود من الكيان الصهيوني إلى الخارج ، وتوقف الهجرة اليهودية بشكل شبه كامل من الخارج إلى ( إسرائيل).
4- طرحت على قيادات الكيان الصهيوني بمختلف مستوياته ووسائل إعلامه ولأول مرة" سؤال شرعية الوجود.
لقد كان بالإمكان المراكمة على هذه الإنجازات واستثمارها ، باتجاه تحقيق أهداف الانتفاضة في إنجاز الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني ، وفي المقدمة منها دحر الاحتلال وإلغاء الاستيطان ، لكن المراهنة على التسوية، أجهضت الانتفاضة وإنجازاتها ومفاعيلها ، دونما أدنى مراعاة للتضحيات الهائلة، التي قدمها شعبنا ممثلةً بآلاف الشهداء والجرحى والأسرى.
وهنا يجب أن نذكر (أولاً) ونحن نتحدث في هذه المرحلة ، عن أساليب مواجهة الاحتلال وصفقة القرن والاندلاق التطبيعي، بأن القيادة الفلسطينية، التي باتت تتحدث عن المقاومة الشعبية ، سبق وأن أجهضت "انتفاضة الحجارة" وقبرتها باتفاقات أوسلو عام 1993 ، وسبق أن أجهضت "انتفاضة الأقصى" بتفاهمات " تينيت وميتشل " مع قيادة السلطة الفلسطينية وبخطة خارطة الطريق، التي وضعتها اللجنة الرباعية الدولية، والتي نصت على وقف ما يسمى " بالعنف" من الجانب الفلسطيني ، مقابل وقف الاستيطان من الجانب الإسرائيلي، على أن تقوم الدولة الفلسطينية عام 2005 ، ففي حين التزمت قيادة السلطة بوقف المقاومة وتجريد الفصائل من السلاح ، لم يلتزم الجانب الإسرائيلي بوقف الاستيطان ، ودون أن يتحقق وعد الدولة عام 2005.
ويجب أن نذكر (ثانياً) بأن متنفذي السلطة وأجهزة أمنها حالت دون تحول " هبة الدهس والسكاكين" في تشرين أول 2015 إلى انتفاضة شعبية ، وفي الذاكرة ابتكار أبناء شعبنا سلاح السكاكين والدهس، بعد أن جردتهم أجهزة الأمن من الأسلحة النارية، في حين لعبت أجهزة الأمن دوراً مركزياً في إجهاض هذه الهبة، التزاماً منها بنهج التنسيق الأمني، وقد تبجح قادتها في حينه بأنهم أجهضوا ما يزيد عن 200 عملة فدائية ضد الاحتلال، ناهيك أن هذه الأجهزة عملت على حرمان هذه الانتفاضة من حاضنتها الجماهيرية ، وضربت البعد الجماهيري لها عبر محاصرتها، ومنع الجماهير من الاشتباك مع قوات الاحتلال عند حواجز الاحتلال على مداخل مدن الضفة الغربية وقرب المستوطنات.
ويجب أن نذكر (ثالثاً) أن "هبة القدس" في شهر تموز2017 ، التي أجبرت الاحتلال على التراجع عن بناء البوابات الإلكترونية أمام المسجد الأقصى ، وتمت المراهنة عليها في أن تشكل منعطفاً حاسماً في النضال الفلسطيني ، عملت السلطة على تحجيمها ومحاصرة مفاعيلها خاصةً وأنها أفرزت قيادات مقدسية ومحلية لإدارة الصراع مع العدو الصهيوني .
لسنا هنا في معرض جلد الذات ، بل في معرض استخلاص الدروس من أجل عدم المصادرة على إمكانية اندلاع انتفاضة جديدة وتثميرها، وأبرز هذه الدروس :
أولاً : أن الانتفاضات والهبات الشعبية كان يتم وأدها جراء المراهنة على خيار التسوية الأوسلوي والمفاوضات ، فالمراهنة على أوسلو أجهضت الانتفاضة الأولى، والمراهنة على " خطة خارطة الطريق لأن توصل إلى دولة عام 2005" أجهض الانتفاضة الثانية وهكذا ، ومن ثم فإن الدرس الأول الذي يجب تثبيته هنا : أن نجاح الانتفاضة القادمة في تحقيق أهدافها يكمن في مغادرة خيار التسوية البائس، وعدم التعلق بنهج المفاوضات عبر " الرباعية الدولية" وغيرها ، وبسحب الاعتراف بالكيان الصهيوني.
ثانياً: أما الدرس الثاني ، فيكمن في المغادرة النهائية والحقيقة لنهج التنسيق الأمني المضاد بالمطلق لنهج المقاومة، سواءَ كانت مسلحة أو شعبية أو انتفاضة جماهيرية، فالسلطة الفلسطينية من جانبها - وبعد تلكؤ طويل في الاستجابة لقرارات المجلسين الوطني والمركزي الداعية لإلغاء اتفاقات أوسلو، والتنسيق الأمني، واتفاق باريس الاقتصادي- أعلنت على لسان الرئيس محمود عباس في 19 مايو/ أيار الماضي ،عن وقف العمل باتفاقات أوسلو، والتنسيق الأمني رداً على قرار الضم الإسرائيلي ، الأمر الذي أثار ارتياحاً كبيراً في الساحة الفلسطينية. لكن مسؤولين في السلطة ، تبنوا مواقفاً مغايرة ، تؤكد على بقاء التنسيق الأمني من تحت الطاولة ، وبهذا الصدد نشير إلى التصريح الذي أدلى به حسين الشيخ- عضو اللجنة المركزية لحركة فتح- " لشبكة كان الإسرائيلية" في (21) من حزيران/ الماضي" ،الذي أكد فيه "بأن السلطة الفلسطينية، لن تسمع بالعودة إلى مربع العنف، وأنها لا تزال تسيطر على الأمور" ، والتصريح الذي سبق وأن أطلقه الدكتور صائب عريقات – أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير – غداة إعلان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ، وقف العمل باتفاقات أوسلو –"بأن السلطة لن تسمح بالفوضى والعنف ،ومخالفة القانون العام".
3- الدرس الثالث فيكمن في عدم التفرد باتخاذ القرار وعدم اللجوء إلى " الثنائية" كما حصل في لقاء اسطنبول بين "فتح" و"حماس" ، فالقرار بالضرورة يجب أن يكون جماعياً في كل الأمور التي تتصل بالنضال الفلسطيني، وبترتيب البيت الوطني الفلسطيني ، وفي مفهوم المقاومة الشعبية ،مع ضرورة التذكير هنا ، بأن الانتفاضات والهبات السابقة أجهضت بقرار سلطوي دون الرجوع " للقيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة " آنذاك ، "فانتفاضة الأقصى" التي نحن بصددها توقفت فعلياً على أرضية خارطة الطريق وتفاهمات " تينيت وميتشل" مع قيادة السلطة الفلسطينية ، في 8 فبراير 2005 بعد اتفاق الهدنة الذي عقد في قمة شرم الشيخ، والذي جمع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس وزراء العدو الصهيوني أرئيل شارون.
انتهى
باحث مختص في الشأن الفلسطيني وفي الصراع العربي- الصهيوني



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن