القصيمي و دايروش شايغان.. نكسة الامة

داود السلمان
dawdbagad@yahoo.com

2020 / 9 / 15

كادت الاطر والافكار والرؤية التي طرحها المفكران (القصيمي وشايغان) أن تكون مشتركة، بل ومنسجمة للنظرة الشمولية حول مستقبل العالم الاسلامي، على وفق ما يسير عليه اليوم، من اخفاق وانعكاس للصورة التي يفترض أن يقفو اثرها- العالم الاسلامي - على مرآة العالم ككل، والسبب، بحسبهما، ثمة نظرة ضيقة غير ذات ابعاد مستقبلية، أو قُل نظرة تعتمد على مديات وفلسفات تراثية قديمة، لا يريد المجتمع الاسلامي أن يغادرها، لأنه يعتبرها من الثوابت، ومغادرتها يعني زعزعة ركن مهم من اركان تلك الثوابت التي تربى عليه مجتمع تاريخه يربو على اربعة عشر قرنا، وهو تاريخ الاسلام بالتحديد. يعني ثمة "اغلال" تكبل هذه الشعوب، بتعبير القصيمي، أو ايديولوجية مهيمنة، بل ومتغلغلة في كيان هذه المجتمعات، بحسب شايغات في "ما الثورة الدينية".
وإنه ستبقى، هذه المجتمعات، متخلفة لا تواكب الحضارة والتقدم الذي يعيشه العالم اليوم، من تغيرات ومتغيرات، علمية وطبية وعسكرية. وقد ينعكس ذلك ايضًا على الاخلاق، انعكاسًا سلبيًا، فتلك الايديولوجيات لم تصنع اخلاقًا، نعم قد ساهمت، لكنها مساهمة بسيطة، اضرت ما نفعت، قياسًا، للمجتمعات الغربية التي فاقت اخلاقها اضعاف ما يمر به المجتمع الاسلامي، حيث قلّت عندهم الجريمة والسرقات، بل وحتى الكذب، فنحن نكذب اكثر مما هم يكذبون، ونغش كذلك اكثر مما يغشون، ولا نكاد نفي بالوعود التي نقطعها على انفسنا.
فالأخلاق جانب مهم جدًا من تطور الشعوب، لأن بالأخلاق نستطيع أن نصنع المعجزات، فالأخلاق التزام، وبالالتزام نصنع الاشياء، ونبتكر الاشياء، ولا نغش أو نحتكر، لأنّ ثمة التزامات ويجب أن نلتزم بها. لهذا يقول القصيمي: إن" الاستقامة والأخلاق نوع من الفن، شهوة وقدرة وإرادة وموهبة وذكاء وظروف، تتلقى ذلك وتتعامل معه، تلونه بلا قداسة أو نبوة".
لذك، نجد القصيمي ينتقد الاخلاق القديمة، خصوصًا التي كانت خالية من الالتزامات، أو جوفاء خالية من كل محتوى. فيرى: "إن الأخلاق في كلِّ العصور هي إتقان فن التكلف والكذب والتزوير.. حتى الإحسان للآخرين والإشفاق عليهم هو عطف على الذات لا عليهم."
فاذا كان، اصحاب هذه الايديولوجيات الذين يتبجحون في النظرية الاخلاقية، فقد انتقدها القصيمي، واعتبر القوة هي المهيمنة على الاخلاق، وهذا ما يذكرنا بنيتشة الفيلسوف الالماني، الذي امتدح القوة، وقلل من شأن الاخلاق، لا سيما الاخلاق المزيفة، أو التي لم تكن في محلها. فيؤكد القصيمي:" إن العلم والحياة لا يصنعان الأخلاق وإنما يصنعان القوة.. إن القوة دائمًا ضد الأخلاق لهذا لا ينتظر ازدهار الأخلاق مستقبلا بل نمو القوة الإنسانية".
وبنظر دايروش، أن الايديولوجيات أو الحضارات التي يسميها بـ (التقليدية)، تعيش اليوم مأزقاً حقيقياً متأتياً، بسبب فقدانها البنية الفكرية الكبرى، أو بالتدقيق فقدت هذه البنى مبرّرات وجودها بفعل الهجمة الحداثية الغربية. ويتسع مأزق هذه الحضارات كونها لم تشارك في صنع هذه الحداثة، ولأن التحديث نفسه بدأ لها مرادفاً للتغريب. بمعنى آخر ظلت هذه الحضارات متخلفة، بعيدة، تنأى بنفسها، فكانت بمعزل عن الحضارات التي تقدمت وما زالت تسعى للتقدم، ويقصد بها دايروش المجتمعات الغربية.
وبحسب القصيمي:" إنه لولا رجال أصحاء جاءوا يبشرون بالحياة ويصنعونها ويمارسوها جاءوا يدعون إلى مجد الأرض ويشيدوا بمجد الشهوة والغريزة بسلوكهم ومنطقهم لما استطاعت الإنسانية أن تعبُر الصحراء الرهيبة الفاصلة بين البداوة والحضارة".
وبشكل عام هناك خطورة تحيط بالإنسان، أن لم يحدد مصادر تلك الخطورة، ومن ثم يتصدى لها أو يردعها بقدر امكانه، فأنه سينزلق نحو الهاوية، وبالتالي سيخسر البنية التي بنى عليها اولويات حضارته، وبها اراد الوصل الى مستقبل يقدّر بحجم المسؤولية الواقعة على عاتقه. وهنا يعتقد القصيمي إن:" الإنسان الذي لا يشعر بالخطر والتهديد أو المنافسة من أيّ نوع، لا يمكن أن يشعر بالبغض أو الحقد لأنّه لن يشعر بالحاجة إلى الدفاع عن النفس.. إنّ الذي يريد كثيراً ويعجز كثيراً هو أشدّ الناس حماساً في بغضه وكرهه".



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن