عندما يكتب السجين روايته : إبراهيم الزليتني أنموذجاً

أحمد عمر النائلي
elnaili5@yahoo.com

2020 / 9 / 4

نحن في مسيس الحاجة إلى البوح , إلى إطلاق فيض المشاعر , إلى مشاركة الآخرين ما نشعر به , خاصة عندما يحتجزنا المكان ويتوقف الزمن و نملك في ذات الوقت موهبة كتابة قالب تواصلي فني يمنحنا ذلك ,مثل قالب رواية السيرة الذاتية , فالكاتب في هذا القالب يتحدّث عن تجربته أو تجربة أحد الشخوص , محاولاً تقديمها بشكل واقعي أو أن يخلط هذا الواقع بالخيال , مقتفياً في ذلك نهج المنطق الفني , ليمنح البناء الروائي شرعية القبول الفني , والذي يجب أنّ يُنتج المتعة قبل مردودية العائد الفكري أو المعلوماتي , في هذا النوع الأدبي يقع الكاتب أسير رؤيته للواقع , فهو لا يمكنه أن يرى من كل الزوايا , وهذه طبيعة التكوين البشري , فزاويته وزويا الآخرين يشكلان معاً المجال العام للرؤية ,وضمن هذا السياق تقع باكورة الأعمال الروائية للكاتب الليبي إبراهيم الزليتني , والموسومة بعنوان " صدْعُ في الجدار" ,والتي نسجها عام 2016 و جاءت بعد تجربة شعرية لمخطوطين شعريين تمّ كتابتهما في عقد الثمانينيات , حيث كتب أحدهما داخل سجن الحصان الأسود بطرابلس , بعد أن سُجن الكاتب عام 1975 بسبب انضمامه للحركة الانقلابية ضد نظام معمر القذافي , والتي قادها مجموعة من الضباط والمعروفة بحركة عمر المحيشي , والتي شارك فيها عندما كان طالباّ بالكلية العسكرية على وشك التخرج ,حيث قضى في السجن زهاء اثني عشر عاماً .
ونلاحظ ومن خلال متابعة خارطة أعمال الأستاذ إبراهيم الزليتني أنه انتقل وبعد خروجه من السجن من الكتابة لجنس الشعر إلى الكتابة لجنس الرواية , ربما يعود أحدُ أسباب هذا الانتقال إلى أن الرواية تمنح خاصيّة السرد , التي تعطي براحاً أكثر لعرض التفاصيل , فتجربة السجن الطويلة لا تتضح رؤيتها من خلال عموميات شعرية تنقل عاطفة ومشاعر وأخيلة السجين ولا تنقل تفاصيل معاناته ,أو ربما يعود ذلك لتقبل أغلبية المتلقين الحاليين للرواية أكثر من الشعر ,أو لغلبة كتابة الرواية في حد ذاتها لدى الكاتب دون كتابة الشعر , رغم أنّ الشعر مازال حاضراً لديه .
كانت هذه الرواية سيرة ذاتية لمؤلفها " أبراهيم الزليتني " , وتحديداً في مساحة زمنية محددة وهي عام 1982 , أي بعد مرور سبع سنوات على سجنه , عندما تمّ إبلاغه بوفاة والده "مختار الزليتني " , وبعد أن أصدر معمر القذافي توجيهاته بإطلاق سراحه لمدة خمسة أيام لحضور العزاء بعد توسط أحد الشخصيات النافذة .
بدأت الرواية بالحديث عن تاريخ سجن الحصان الأسود بطرابلس , منذ عهد الحاكم العسكري الايطالي بالبو وحتى هدمه عام 1984 , والحديث حول طبيعة مبنى هذا السجن وزواره , والذي كان يتكون من عشرة أقسام , كلُ واحد منها يتكون من ثمان غرف , مساحة كل غرفة ثلاثون متر ,وكان يوجد بين كل قسمين اثنتا عشرة زنزانة ,ناهيك عن وصف بعض السَجَّانِين مثل السَجَّان ن . عبدو والسجان ع. المسلاتي ,وكيف كانوا يتفنّنون في صنع الألم , والقدرة على انتزاع كل الاعترافات , بالإضافة إلى الحديث عن طبيعة الحياة اليومية في السجن , من الاستيقاظ وحتى النوم , مثل الحديث عن وجبات الطعام والخروج إلى الساحة وعيادة السجن , وطريقة كي الملابس , والحديث حول بعض السجناء وعلاقته بهم , وكيف كانت التسلية المتاحة مثل صنع المسابح والأشياء اليدوية , وحول رحلته ولمدة خمسة أيام إلى بنغازي ,وكيف كانت رحلته من غرفة السجن إلى المطار ومقابلة الأقارب والمعزّين في خيمة العزاء في بنغازي , وكيف تفاجأ بالطرح الأيدلوجي الجديد المعروف بالنظرية العالمية الثالثة (الكتاب الأخضر) ,والذي تمّ تبنيه عام 1977, عندما شاهد المقولات المشيرة إليه وهي منتشرة في شوارع المدينة , وتفاصيل مقابلته لأهله تحت الحراسة المشددة وعودته بعد ذلك إلى السجن .
لقد أهتم الروائي إبراهيم الزليتني كثيراً بفعل الوصف , سواء للأمكنة أو الشخوص , محاولاً توظيف ما لديه من مفردات وبلغة تميل إلى المجاز الأدبي لصنع صورة في مخيلة القارئ , إلى درجة أنك أحياناً تبتعد عن حبكة السيرة الذاتية وتوالي أحداثها إلى الوقوف عند تفاصيل الوصف ,كما أنّ القارئ قد تختلط عليه هُوية الراوي , هل هو بطل السيرة الذاتية نفسُه , فنرى استخداماً لضمير المتكلم , أو أن الكاتب يصف تجربة ذاتية أخرى فيستخدم أحيانا ضمير الغائب ,فيترنح الكاتب بين الضميرين ,رغم أنّ الكاتب أشار في الصفحة 37 إلى أنه صاحب هذه التجربة , فهل ذلك يعود لغاية فنية أو لطبيعة مكنون اللاوعي النفسي لدى الكاتب وفق الطرح الفرويدي , بل إن الكاتب لم يمنح اسماً لبطل السيرة , مستخدماً الإشارة إليه دون مُسمّى ودون نسبته لكاتب السيرة , فهو يستخدم مسميات مثل : أحد السجناء(ص 39) .
وترتكز رواية هذه السيرة على شخصية السجين الذي سُجن وعمره عشرون عاماً , وبخط قصصي يبدأ بإبلاغه بوفاة والده من قبل شخصية مهمة , والتي أشار إليها برمز (م.خ), وهي ربما تكون شخصية أحد الضباط الوحدويين الأحرار الذين شاركوا في حراك عام 1969 في ليبيا ,والذي نعتقد أنه اللواء مصطفى الخروبي , والذي تعامل معه بكل احترام وتقدير وقدم له التعازي وقدّم له كوب الشاي وأبلغه بالإجازة التي تحصل عليها ولمدة خمسة أيام .
ومن الأشياء المهمة في هذا اللقاء السريع هو إجابة ذلك الضابط المهم , عندما سأل السجين عن حاله في السجن وأجابه السجين بقوله : السجن ليس مكاناً للراحة , السجن مكان للشقاء , فأجابه الضابط المهم بقوله : لقد اخترت هذا المصير بنفسك , فرد السجين بقوله : قدّر الله وما شاء فعل ,لدرء أية مواجهه مع السلطة , فهذه السلطة بمنحها الإجازة ولمدة خمسة أيام لبطل هذه السيرة لحضور عزاء والده خلقت صَدْعَاً في ذهنية ورؤية السجين تجاهها , فلقد قدّمها ضمن سياق هذه الرواية بأنها بناءٌ من العنف والإقصاء والألم , استطاعت أن تخلق هذا الصدْع في هذه الرؤية , من خلال منحه هذه العطية ودون ثمن , فصنعت في مشاعره حالة من اللبس العاطفي , هل هذا النظام يبدو كما أراه أم أنه شئ أخر ؟ , فكانت هذه العطية صدْعاً في جدار الصورة الذهنية المنطبعة في ذهن السجين , تجاهه .
وهذا التضاد في المشاعر والذي يُشبه الحالة الوسطى أو الثالث المرفوع المنطقي نراه في زاوية أخرى , عندما يصف السجين والده , فهو يقدمه بأوصاف ايجابية مثل الكرم والشجاعة ومعرفته بالأنساب وقرض الشعر الشعبي ومعرفة الأمثال الشعبية والحديث عن محبته إياه ولكنه في ذات الوقت هو الأب الدكتاتوري البطركي الذي لا يجلس مع أبنائه كثيراً , مُهاب الجانب والذي تشبه علاقته بأبنائه العلاقة الرسمية التي ترسمها العادات والتقاليد , إلى درجة أن الاقتراب منه محفوف بالمخاطر , وهي حالة طبيعية تتفق مع السياق الاجتماعي للمجتمع الليبي وربما الشرقي في ذلك الوقت ,فلقد تحدّث عنها الكاتب الليبي الصادق النيهوم في شخصية الحاج الزروق والروائي المصري نجيب محفوظ في شخصية السيد عبد الجواد في ثلاثيته المعروفة , فهي تعكس سياق المرحلة الاجتماعية ومنظومة القيم السائدة , كما أنّ هذا التضاد يتضح أيضا في ثناء بطل السيرة للشرطيين (المزوغي - الترهوني) اللذين رافقاه في الرحلة وكانا مسؤولين على مراقبته ومنعه من الهرب , وكيف عاملاه معاملة حسنة إلى درجة أنه استبعد فكرة الهرب وهو في بنغازي منعاً لأي ضرر قد يقع لهما , بل امتدح المهنية العالية لديهما في أداء عملهما ,وامتدح كذلك إنسانية ضابط الخفر المتضخمة (ب – الرماح) الذي كان موجوداً عقب عودته إلى السجن من عزاء والده , فتحول من سجّان مقرون بالألم إلى سجّان تحفه الإنسانية وأصبحت رؤيته مجلبة للسرور .
لقد كانت الصورة المثالية السياسية تملؤ بطل الرواية , فهو يؤمن وفي ذات الوقت بالقومية والاشتراكية والديمقراطية وحرية التعبير , فهل تتوافق هذه الشخصية مع طبيعة ظروفها وسياقها التاريخي ومع هذا المزج المثالي السياسي, وهل يمكن أن يكون النظام الديمقراطي اشتراكياً ؟ , أو أن يكون النظام الاشتراكي ديمقراطياً ؟ , ففي تلك المرحلة كان التيار القومي والاشتراكي في نهايته مع قدوم الرئيس المصري محمد أنور السادات وسياسة الانفتاح والتطبيع , ولكن ومع سقوط الاتحاد السوفيتي بدأ التيار الليبرالي نفاذه في المناخ السياسي للمنطقة العربية كخطاب بديل تسوقه القوة المنتصرة في الحرب الباردة ,ويطرحه الامريكي فرنسيس فوكوياما في كتابه " نهاية التاريخ " .
لم يهتمْ الكاتب بتقديم صور الألم والمعاناة في السجن , مثلما رأينها في روايات أدب السجون , والتي ركزت على تفاصيل التعذيب وتأثيره على السجين ؛ مثلما فعل الروائي السوري مصطفى خليفة في رواية القوقعة , والتي تحدّث فيها حول صورة العنف في سجن تدمر السوري قبل 2011 ,حيث حظي هذا السجن بعناية عمل روائي آخر نسجه الروائي الأردني أيمن العتوم في رواية " تسمعون حسيسها " , والتي رسم فيها حجم المعاناة في سجن تدمر,كما أن هذا الروائي نفسه كتب رواية " طريق جهنم " , وهي رواية تتحدث عن أحد الشخصيات الليبية التي سجنت إبّان نظام معمر القذافي , وهو السجين علي العكرمي ,حيث استحضر الكاتب شخصيات واقعية سُجنت في سجون طرابلس في فترة متقاربة مع زمن رواية "صدع في الجدار " .
نحن في هذه الرواية أمام سيرة ذاتية لكاتبها , ولكنها لم تكن سيرة مكتملة , فهي ترصد حدثاً من أحداث السجن , وهو حدث الزيارة , فلم تكن هناك خطوط قصصية جانبية , تحاول أن تكون داعمة لخط الحبكة الأساسي , رغم أن تجربة السجن كانت ثرية بالشخوص والأحداث ومعاناة إحتسار المكان وتوقف الزمان , فقرار الإعدام مثلاً و الذي صدر بحق بطل السيرة عام 1977 , كان بالإمكان توظيفه فنياً من خلال رصد تأثيره على بطل القصة , وصلابته النفسية , وكيف كان الشعور الوجودي لدى بطل السيرة في حالة انعدام الأفق والأمل وقرب انتهاء الحياة ,خاصة وأنّ المدة بين تبدّل الحكم ضده من الإعدام إلى المؤبد اقتربت من العام .
في روايات السجون يرغب المتلقي أن يُشبع فضوله تجاه تأثير فعل القيد الذي يصنعه الإنسان تجاه أخيه الإنسان , وكيف تكون تفاصيل هذا العالم الصغير , وماهي صور التعذيب والألم والمعاناة بلغة حكائية سردية فنية , تجلب المتعة والدهشة , وتقودنا إلى التعاطف أو تقف عند حاجز المتعة فقط , وهنا نعود ربما إلى محاولة فهم الإستراتيجية العامة من أدب السجون , هل هي نقل المعاناة إلى من هم خارج السجن لمعرفة هذا العالم , كنوع من النضال السياسي ,أمْ أن طبيعة أدب السجون تتمثل في مادة وقصص السجن الثرية , فهي ممتعة روائياً وتصلح لصنع عالم افتراضي إنساني , يخلق متعة التلقي , أو ربما تحقق الهدفين معاً .
فالكاتب في رواية "صدْع في الجدار" , حاول أن ينقل الدهشة التي داهمت بطل الرواية الوحيد , عندما تحصل على مكرمة السلطة , وكيف سيرى العالم الخارجي ومدينته بنغازي وأهله , الذين لم يراهم منذ سبع سنوات ,وكيف سيرى في مطار طرابلس وهو ذاهب لمدينة بنغازي أول أنثى بعد أن حُرم من رؤيتها سبع سنين متوالية , لتثير في داخله الذكورة المكبوتة الغائرة في اللاوعي , مشيراً بذلك وبشكل ضمني إلى فقدان أحد حقوقه الإنسانية , وكيف سيتبين له أن العالم الخارجي هو عالم ديناميكي متغير بينما عالم السجن هو عالم ثابت , ففي مطار طرابلس كانت أنظار العامة تنظر إليه متفحّصة هيئته , ليسأل نفسه لماذا ينظرون إليَّ , ولماذا أبدو مميزاً , ليكتشف أن بنطاله الذي ينتمي لموضة الشارلستون , ( نسبة لمدينة شارلستون الأمريكية بولاية كارولاينا الجنوبية ) ؛ كان السبب , فهو يعود إلى موضة السبعينيات التي استبدلت بموضة سراويل الجنس في عقد الثمانينات , لقد بدتْ له الحياةُ أنّها متوقفة , وأنه عاد إلى مكان آخر لا يعرفه ,لم يعشْ فيه عشرين عاماً .
فعند خروج بطل السيرة صار البصر ممتداً لا تمنعه الجدران , وصار للأذن أصوات أخرى لم تكن مألوفة , وصار التعطش للسيجار والقهوة دافعاً لالتهامها بشكل لا يعرف الاكتفاء , لكن يظل هذا المتسع من الحرية محصوراً بخمسة أيام فقط, فهل ألم العودة المتوقع سيحرم لذة الاستمتاع بالخروج أو أن هذا البراح سيخلق مشاعر السعادة , فالسجناء معنيون باللحظة الراهنة لأنها بالنسبة لهم هي ذروة الألم , فالغد يحمل أمل الخروج من القيد , فليس بعد العسر إلّا اليسر .
لقد كان السجن لبطل السيرة هو المكان المعتاد, فالشخوص هي ذاتها والحكايا ما تلبث أن تنتهي من أفواه الرواة في السجن لتعود إلى التكرار ,وهنا أتذكر كيف وصف أحد الروائيين بطل روايته المسجون وكيف كان يزرع نبتته ويراقب نموها , أو كيف كان يستمتع بمراقبة النمل وهو ينقل قطع الحبوب , فالإنسان كائن متكيّف مع أصعب الظروف المؤلمة , إلى درجة أنه اعتاد الألم ورغب في عدم مغادرته ,فشهوة الحياة غالبة عليه , وتدعوه إلى أن يبذل قصارى جهده ليتعلق بها .
لقد حاول الروائي الزليتني في عمله هذا أن يكتب سيرته الذاتية , أن يفيض بمعاناته , أن ينقل إلينا رسائل متداخلة , لم تكن معنية بعالم الخيال والعوالم الافتراضية ,بل هي سيرة ذاتية كما رآها , هي باكورة أعماله وانطلاقة مشروعه الروائي الذي سيزداد نجاحاً مع ولادة كل نص جديد .



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن