ظاهرة نكران الجميل أو قلة الأصل

أحمد سوكارنو عبد الحافظ
sokarno2006@Gmail.com

2020 / 8 / 18

قرأت مقالا للأستاذ الدكتور محمد ابو الفضل بدران بجريدة الوفد عنونه ب"قلة الأصل". لقد استهل المقال بعدة تساؤلات منها: ما الأسباب التى تؤدى إلى تحول بعض الأصدقاء إلى أعداء؟ وما الذى يجعل هؤلاء الأصدقاء لا يتذكرون العمل الطيب؟ وما الذى يدفعهم إلى مقابلة الإحسان بالإساءة؟ ورغم اتفاقى مع الدكتور أبو الفضل إلا أننى أكاد أجزم أن قلة الأصل لا تقتصر على الأصدقاء فقط لكنه بات يمتد إلى التلاميذ والأبناء.

لا أعتقد أن من يتصف بقلة الأصل يمكن أن نعتبره صديقا، فالصديق الحق يفرح لفرح أصدقائه ويحزن لحزنهم. أعرف شخصا كان مخلصا لأحد أصدقائه لدرجة أنه لم يتخل عنه وقت الشدائد. لقد حدث أن اقترب وقت زفاف "الصديق" وكانت ظروفه المادية لم تكن تسمح له بشراء متطلبات الوليمة وكان المبلغ الذى يغطى التكاليف حينئذ حوالى ألف جنيه. لم يتردد هذا الشخص فى الوقوف بجانب "صديقه" إذ وفر له كل ما يطلبه غير أن هذا "الصديق" سرعان ما انقلبت أحواله وأصابه الحزن الشديد بعد أن تلقى خبرا بأن الشخص إياه قد حصل على وظيفة مرموقة.

لا شك أن هنالك نوع آخر من الأصدقاء يمكن أن نسميهم "أصدقاء" المصالح، فهؤلاء ممثلون بارعون ويلعبون الدور بكل براعة واقتدار. ربما من السهل اكتشاف هؤلاء ولكن غالبا ما يحدث هذا الاكتشاف بعد فوات الأوان. أعرف صديقا كان يتولى وظيفة وكيل إحدى الكليات بجامعة إقليمية حديثة وكان أحد أعضاء هيئة التدريس بالكلية يتودد إليه ويحرص كل الحرص على لقائه كل يوم وكان الصديق يظن أن هذا العضو أصبح صديقا له ولا يرغب من وراء ذلك تحقيق أية مصالح شخصية. وفى ذات ليلة نما إلى علم العضو هذا أن اختيار العميد قد وقع على شخص آخر غير "صديقه"، وكيل الكلية. وفى صباح اليوم التالى فوجئ وكيل الكلية أن عضو هيئة التدريس لا يلقى عليه تحية الصباح بل تجاهله تماما. أصيب الوكيل بالدهشة ودخل مكتبه وهو يتساءل: لماذا لم يلق العضو تحية الصباح مما دفعه إلى طرح السؤال على أحد الموظفين الذى أخبره بأن هنالك شائعة تنتشر فى أروقة الكلية بأن هنالك عميدا جديدا سوف يتم تعيينه. لم تمر ساعات قليلة حتى تغير الموقف تماما حيث ورد فاكس مفاده أن الوكيل حصل على درجة الأستاذية وأصبح المرشح الوحيد لعمادة الكلية. ما يثير الدهشة أن الوكيل فوجئ بالعضو الذى لم يلق عليه تحية الصباح يدخل المكتب مهللا ومعبرا عن سعادته البالغة لسماع الخبر السعيد. وفى ظنى فإنه من الصعب أن نعتبر هذا العضو صديقا حقيقيا ولا يمكن أن نأخذ سعادته وفرحته المزورة فرحة صادقة تعبر عن مكنون النفس.

الجدير بالذكر أن ظاهرة نكران الجميل أو قلة الأصل لا تقتصر على الأصدقاء فقط ولكنها تمتد إلى التلاميذ. روى لى صديق بأن أحد تلاميذه الذى رعاه وساعده فى الحصول على درجتى الماجستير والدكتوراه قد نسى أو تناسى كل شىء وفوجئ به فى أول اجتماع يتطاول عليه ويتحدث إليه بطريقة غير لائقة. الغريب أن التلميذ أثبت أنه يمتلك قدرا كبيرا من البجاحة حين ردد على مسامع أستاذه بأنه أصبح "زى زيك". وروت لى أستاذة جامعية بأن أول شىء فعله المدرس الذى أشرفت عليه فى الماجستير والدكتوراه هو أنه ذهب إلى مكتب رئيس الجامعة ليقدم شكوى فى الأستاذة غير أن رئيس الجامعة طرده من مكتبه. لقد صدق الشاعر حين قال:

أعلمه الرماية كل يوم
فلما اشتد ساعده رمانى
وكم علمته نظم القوافى
فلما كتب قافية هجانى

المثير للدهشة أن نكران الجميل والعقوق—على غير العادة— بات يمتد إلى الأبناء. لعل القارئ قد رأى أو سمع عن السيدة التى تجلس فى أحد شوارع القاهرة بعد أن طردها نجلها وزوجته من شقتها. لقد حاول الجيران إقناعها بأن تتخذ الإجراءات القانونية تجاه الابن العاق لكنها رفضت فى أن تتسبب فى حبسه وضياع مستقبله وأثرت أن تبقى فى الشارع دون مأوى أو مسكن. وربما تطرق إلى علمنا بأن إحدى المستشفيات قامت بمحادثة أبناء سيدة مسنة تعافت من الكورونا بهدف نقلها ورعايتها فى منازلهم غير أنهم رفضوا وطالبوا بنقلها إلى دار مسنين.

وخلاصة القول إننا نعيش فى زمن عجيب حيث يتنكر الصديق لصديقه والتلميذ لأستاذه والأبناء لآبائهم وأمهاتهم.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن