عدنان الصائغ في حديث له بعد نجاته من الموت

نوارة لحرش

2006 / 6 / 27

عدنان الصائغ في حـديث له بعـد نجـاتـه من الـمـوت:

قدر القصيدة عندي، أقوى من قدر الموت نفسه..

بعضهم انقلب جلاداً لا يقلُّ عن سابقيه!

أجرت الحوار: نـوارة لـحـرش/ الجزائر


حين عرفت أن الشاعر العراقي عدنان الصائغ مهدد بالموت وبقطع لسانه،بسبب قصيدة " نصوص مشاكسة قليلا " كان ألقاها في مهرجان المربد الشعري. لحظتها صدمت حقا وتفاجأت واستنكرت، وقلت لماذا يحدث هذا للشاعر في وطننا العربي، الشاعر الذي لسانه لا يجيد إلا ذرف المواويل والعصافير والأناشيد والحنين يهدد بالقطع، أي حمق هذا وأي غباء وأي ظلامية هذه،الشاعر توأم الخير والمحبة والنور كيف يهدد بالقتل،إنها معادلة اللامنطق واللاعقلنة في جغرافية الشعرية العربية ... وبغض النظر عن رأيي الشخصي في نصه الذي كان وراء هذا التهديد فأنا في حواري هذا أريد أن أقول بأن التهديد غير منطقي وغير حضاري ،وأنه لا أجمل ولا أرقى من لغة التحاور والتواصل.
في هذا الحوار حاولنا أن نستقريء نفسية الشاعر بعد تلقيه التهديد وطرحنا بعض الإشكالات على طاولة الحوار كالديمقراطية والتصفية المعنوية والجسدية التي كثيرا ما تكون من نصيب الشاعر العربي .


* لنبدأ أولا بحادثة تهديدك بالقتل وقطع لسانك كيف تلقيت التهديد وماذا خلف في نفسيتك تحديدا؟.. هل يمكن أن تحكي تفاصيل الحادثة للقاريء العربي؟

- في زيارتي للوطن، كنت أسير بهدي القصيدة، غير مبالٍ للسيارات المفخخة أو لسكين ظلامي. ذلك إن قدر القصيدة عندي، أقوى من قدر الموت نفسه.. هكذا "خرجتُ من الحرب سهواً" عام 1993، وهكذا نجوتُ هذا العام 2006، من مليشيات الموت، بإعجوبة..
لم أفكر وأنا أنزل من منصة مهرجان "المربد"، الذي كنتُ ضيفاً عليه، وسط تصفيق لم أشهده في حياتي.. لم أكن أفكر أن ثمة سكيناً أعمى يتربص بي، مهدداً إياي بقص لساني، لأني تلوتُ بصدق وألم، أوجاع الوطن والمنفى وعذابات الروح.
تقدم مني القاتل الظلامي بوقاحة وصلف، ليبلغني برسالة الموت، لأنني - حسب قوله وغبائه – تهجمتُ على الدين والخلفاء الأربعة.. أصابتني حالة من الذهول والبرود معاً. لم أكن أعرف ماذا أفعل وكيف أتصرف، أنا الأعزل، وسط غابة من البنادق..
نعم، فاجأتني كلمات التهديد، التي لم أكن أحسب لها حساباً، وبينما انخبص الأصدقاء الشعراء وتراكض البعض، كنتُ غارقاً في حالة غريبة من برود مميت وصمت وهدوء عجيبين.. كأنني أستعيد قصيدة مايكوفسكي "ليلي" التي يقول فيها: "انظري إليَّ كم أنا هاديء، هاديء كنبض رجل ميت".
تركتُ للأصدقاء الرائعين أن ياخذوني إلى مكان آمن ريثما ينجلي ظلام أرعب واغرب ليلة أعيشها في حياتي.. لم يستطع مضيفي الكريم ولا صديقي الشاعر البصراوي النبيل الذي قاسمني تلك الليلة أن ينتزعاني من برودي وصمتي وذهولي.. لم أكن خائفاً بقدر ما كنتُ مذهولاً، أنا الذي خبرتُ الموتَ وعرفته عن قرب في سواتر الحرب الطويلة، التي عشتها جندياً طيلة 13 عاماً، مثلما خبرني عام 1993 في بغداد بعد أحداث مسرحيتي "الذي ظل في هذيانه يقظاً"، وهروبي من الوطن..
أقول فاجأني تهديده القاتل بقطع لساني وقتلي، لأنني كنتُ مأخوذاً ومنتشياً في حضرة الشعر والشعراء وتصفيق الجمهور، ولم أكن أعرف أن شبح الموت يتربصني على بعد خطوات.. كل ما حسبتُ له وأنا اتلو هذه النصوص المشاكسة أن تُحذف أو يحذف بعضها من الصحف والقنوات الفضائية الملثمة بالدين.. لكن أن يحذفني هذا الظلامي جملة وتفصيلاً، هكذا ببساطة مميتة، فقد صدمني وشلّني هذا الأمر لا لشيء إلا لأنني لم أكن مستعداً له.. فثمة عمل طويل لي سميته "نرد النص" لم أكمله بعد.. وثمة أشياء كثيرة لم أنجزها بعد، ورسائل لم أجب عليها بعد، وكتب ومدن وشواطيء لم أرها بعد..

* ماذا تقول للمليشيات الظلامية هذه؟

- أقول لهم ما قلته في نصوصي تلك:
"يالـ..."الناطقُ باسم الله"!!
لا ترهبْني
ربي، لم يحتجْ سيفَكَ كي تقنعَني
*
لم ترَ ربَكَ إلا بالنصلِ وبالدمْ
وأنا أبصرهُ... في الكلْمةِ، في النغمةِ
في زرقةِ عينيها، واليمْ
*
آياتٌ نسختْ آياتْ
وتريدُ لرأسِكَ أن يبقى
جلموداً لا يتغيرُ والسنواتْ
*
يا هذا الفانْ
ولتنظرْ كيف تحاورََ ربُّكَ والشيطانْ
أكثيرٌ أن تتعلمَ كيف تحاورُ انسانْ"

وأقول لهم أيضاً كما قال الشاعر الفرنسي لويس أراغون" يســتطيعون ان ينزعوا عني الحيــاة، لكن لـن يطـفئوا غنـائي"..


* لماذا الشاعر العربي غير المهادن، عرضة دوماً للتهديد والمساومة؟

- الحاكم العربي يريد للشعر وظيفة واحدة هي أن يصبح بوقاً. أو – على أقل تقدير – أن تتقلم أظافره ويكف عن التطلع والتحدي والتحريض..
وعندما يجد هذا الحاكم أو زبانيته أن بعضاً من الشعر، بعضاً من الشعراء عصيين على الترويض والتدجين، فأنه يعمد إلى لغة الترغيب والترهيب، في شراء صوت الشاعر أو اسكاته، وعندما يعجز من ذلك يلجأ في الأخير إلى وسيلته الوحيدة، وهي التصفية والفتك.

* ما حدث لك مؤخراً يؤكد مجدداً أنّ نصوصنا بإمكانها قتلنا بطريقة أو بأخرى وبأنّ الكاتب الحر هو دوما مشروع اغتيال؟

- آمنت منذ بدء رحلتي مع القصيدة أن النص المغاير، شكلاً أو مضموناً، يثير دائماً سلفيّ الأفكار والقوالب، فيكون المبدع عرضةً لشتائمهم ولسهامهم ونصالهم..
المغايرة والتجاوز في الشكل الفني، يثير ويهيج مخاوف التقليديين، فيسعون جاهدين لخنق صوته، بكل وسائلهم المتاحة، أو تشويه صورته أو إثارة الغبار والضجيج حوله لكي لا يراه أو يسمعه الآخرون..
وهذا الأمر – رغم فداحته – لا يصل إلى رقبة المبدع.
لكن المغايرة والتجاوز في المضامين الفكرية والسياسية والدينية، قد تصل بهؤلاء السدنة إلى تصفية المبدع أو قطع لسانه (كما هددني ذلك الظلامي)، لأنه يهدد وجودهم ومكاسبهم.
وهذا الأمر ليس جديداً أو طارئاً أبداً. إنه ابتدأ منذ ابتدأ الصراع البشري بين الخير والشر، بين الظلمة والنور، بين الجمال والقبح، بين التغيير والجمود، بين العبودية والحرية، بين الحداثة والسلفية..
واسترجعي معي تاريخ الفكر والحرية والإبداع، تجدين العجب والأهوال.

* ألا ترى معي بأن هناك مفاهيم مغلوطة لدى الكثير من الفئات التي تدعي وعيا ديمقراطيا وحضاريا؟

- فهم الديمقراطية وممارستها غير التشدق بها كشعار أو لبسها كأسسوارات، كما نجد عند البعض [اقول: بعضاً ولا أعمم] ممن كانوا أحزاباً معارضة. لكن ما أن تربع أحدهم على الكرسي واستلم شيئاً من الحكم، حتى إنقلب الى جلاد آخر لا يقل عمن سبقه، ضراوة ووحشية في تصفية معارضيه، لأقل كلمة أو نأمة..
هذا السلوك – ومهما تلبس من لبوس – لا يمت لهذه المفاهيم السامية التي ناضلت البشرية من أجلها، على امتداد تاريخها، ودفعت الكثير من أجلها.
المفاهيم المخطوءة تؤدي حتماً إلى نتائج مغلوطة أو معطوبة، وهذا العصر، وهذه الأوطان، أوطاننا المسلوبة لم تعد تحتمل المزيد من التشويهات والجرائم التي ترتكب بإسم الديمقراطية أو بإسم الدين أو بإسم الثقافة أو بأي مسمى بشري أو سماوي... يكفي.. لقد ضللوا الشعوب طويلاً، ولن يستمر هذا التيه طويلاً.

* الديمقراطية التي تريد أمريكا زرعها في الخارطة العربية أو في الذهنية العربية ألا ترى معي بأنها ديمقراطية سفاحة بالدرجة الأولى.

- كما قلت في جوابي السابق. المسألة لا تتعلق بفكرة الديمقراطية والحرية التي لا أسمى منهما في الوجود. المسألة تتعلق بفهمها الصحيح وطرق انتاجها واستخدامها والوسائل.. وهي لا تُحمل بكارتونات، أو تُستورد، أو تُفرض فرضاً، بالاحتلال أو بالانقلاب العسكري. إنها حاجة انسانية وجودية ملحة لا غبار عليها، دفع شعبي الكثير الكثير لكي ينالها.
لقد عانى وطني طويلاً من نير الدكتاتورية البغيضة، وكان على مدى عقود طويلة، يتطلع إلى الحرية والسلام والأمان والبناء. وبعد زوال الطاغية اشرأب بعنقه النحيل قليلاً، لكنهم لم يمهلوه كثيراً فسرعان ما مسكت بخناقه قبضاتهم الغليظة والبغيضة. فسيطرت عليه قوانين الإحتلال، والمليشات المسلحة، ومخابرات دول الجوار، وبقايا النظام السابق، والظلاميون، والطامعون، والجهلة، والعمائم بكل أطيافها، والسلفية بكل أطرافها.
هكذا يا سيدتي وجدنا أنفسنا في نفق آخر من ظلام طويل، لا ندري متى نخرج منه!!؟.....
لكن إيماني وقراءتي لتاريخ بلدي والعالم يجعلني أرى ثمة ضوء في هذا النفق، ثمة عشب في عيون الناس وأرواحهم لن يذبل أبداً... إن بلدي كطائر العنقاء يحترق ويولد من رماده... نعم.. لا بد لهذا الرماد الذي يغطي المشهد الآن أن ينجلي يوماً ما عن طائر العراق الجميل، ليحلق عالياً تحت شمس الحرية الحقيقية..

* تم انسحاب عدد كبير من الشعراء الذين حضروا فعاليات المربد من قاعة المهرجان احتجاجا على كلمة مسؤول في وزارة الثقافة العراقية والتي قال فيها :"تم تخصيص رواتب للشعراء".هل كنتم تشعرون بإهانة النظام لكم من خلال هذا التصريح؟

- ليس هذا فقط، بل قال هذا المسؤول كلاماً مجاً ، مخاطباً الأدباء: إن الكثيرين منكم عندما يرى الدنانير سوف تتغير كتاباته. وهنا نهض الأدباء - وكنتُ بينهم – بشجاعة واستنكار، وطالبوه بالإعتذار، أو الخروج من القاعة، وإلا فأنهم سيغادرون المهرجان. وعبثاً حاول البعض تخفيف الموقف، لكن الأدباء ظلوا على اصرارهم وتجمهرهم وتضامنهم.. فصعد المسؤول واعتذر.
هذا الحالة الإيجابية لا بد من ذكرها..
حدث هذا في الصباح 16/4، في يوم أمسيتي المسائية، وقد شجعني هذا المشهد الرائع والموقف الصلب لادباء العراق. وأحسست لأول مرة في حياتي أن هناك جواً حضارياً صحيحاً رغم مشهد الخراب العام. مشهداً ديمقراطياً واعياً لا يختلف إلا ببعض التفاصيل عما أراه في السويد أو بريطانيا، وهو ما نفتقده – للأسف - في الكثير من أوطاننا العربية مثلما افتقدناه في بلدنا طويلاً...
وكان موقفهم الثاني الرائع والشجاع في الوقوف معي وحمايتي بعد تعرضي للتهديد. بل أن بعضهم أصر على المبيت معي، تلك الليلة، ولم تنقطع عني – لليوم - اتصالاتهم وايميلاتهم وكتاباتهم.


* القصيدة التي ألقيتها في المهرجان اعتبرت تهجماً على الوضع، بعمقه السياسي والثقافي.فهل كان يجب أن تكتب مديحا حتى لا تتعرض لهكذا تهديد؟

- القصيدة أو مقاطع منها، أرادت أن تلقي ضوءاً كاشفاً على مسألة تاريخية دينية، أخرجها المتصارعون المتعصبون من بطون التاريخ وفرشوها على أرض الواقع، وراحو يذبحون بعضهم بعضاً ويذبحوننا بإسمها، ثأراً لها أو تصحيحاً لمسارها كما يتوهمون.
كنت أرى أن من واجبي كشاعر أن أُعري هذا التاريخ المتورم بالتباساته العويصة وأحقاده المتوارثة. وأكشف زيف هذه السلطة الغيبية التي باسمها يحاول البعض أن يسلبنا حقوقنا وإنسانيتنا وتفكيرنا وصوتنا..
هؤلاء لا يريدون أن يسمعو نقداً، أو تنويعاً آخر على اسطوانتهم المشروخة..
والحق يقال أن الكثير من الأصوات الشعرية الجميلة كانت تنأى على دوران في فلكهم.. لكنها لا تجابههم، أو تكتفي بالرمز.. وهذا أمر طبيعي ومن حقهم في غابة البنادق.. حفاظاً على حيواتهم وعوائلهم نتيجة الأوضاع السيئة التي لا يأمن فيها الإنسان على نفسه لأقل كلمة أو رأي أو إختلاف. وهذا ما حدث.
ولو تصفحتِ تاريخ الدكتاتورية التي عانينا منها طيلة أكثر من 30 عاماً، تجدي أن ما حدث في المهرجان وما يحدث في الواقع العراقي هو افراز لها وانعكاس على الواقع والسلوك الذي لا يريدون أن يتخلصوا منه.. وأقصد هذه المليشيات وقادتها التي استبدلت ممدوحها من الجنرال إلى رجل الدين، ومن المسدس إلى المسبحة أو إليهما معاً.. ومن القائد الضرورة إلى الشيخ - المرجع الضرورة.. وهكذا دواليك.. كما قلت في بياني الذي نشرته العديد من الصحف والمواقع.. وأكدتُ فيه أن الرب الذي أعرفه وأحبه وأعبده غير الرب الذي يقتلون باسمه، ويففخون باسمه، ويلطمون ويتطبرون باسمه.. ويسرقون الناس باسمه، ويتربعون على المنابر والكراسي باسمه..
إن مشهد الخراب، والمفخخات، والميلشيات، والعمائم، والاحتلال وعصابات النظام البائد، وتدخلات دول الجوار، انتج منظومة اجتماعية وثقافية بائسة. ألقت بضلالها الكارثية على هذا الشعب المبتلى.. وعلينا كمثقفين وأدباء وفنانين أن لا نسكت عن هذا أبداً..


* هل من كلمة تريد قولها ولم أترك لك فرصة قولها؟

- إن الواقعة التي حدثت، واقعة الإعتداء على الكلمة في مهرجان شعري، هي جريمة سيطارد عارها من فعلها ومن ساندها ومن سكت عنها..
سيلتصق بهم عار هذا الفعل إلى الأبد..
وتظل الكلمة الحرة، نور الله الذي لا يحجبه حجاب، ولا يسكتها إرهاب..
وأستذكر هنا صديقي الشاعر الشهيد علي الرماحي التي إغتالته سلطة الجهل والدم، سلطة النظام البائد، نهاية السبعينات، لقصائده التي لم تكن تهادن أحداً.. إليه أهديت قصيدتي "شاعر" التي أقول فيها:
"في عصر الطغيانْ
كان الشعراءُ الخصيانْ
- كالفئرانْ -
ينكمشون بـجحرِ السلطانْ
ويغنون
بأمجادِ جلالتهِ
وبنعمتهِ
وتظلُّ حروفك
- في كلِّ زمانٍ ومكانْ -
تمشي ....
وعلى كتفيها الصلبانْ"

* * *



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن