شذرات ثقافية عن المرأة الحسانية

محمد الرحالي
mohammedali.rahali@gmail.com

2020 / 7 / 16

لقد كان للمرأة الحسانية في ثقافتنا الشعبية المغربية وضعية مختلفة عن نظيراتها في المكونات الثلاث الأخرى مما يجعلنا أمام التنوع الثقافي داخل البنية الثقافة المعنية الواحدة التي نعنى بدراستها ومن هنا جاء تناول قضية المرأة ليس في محاولة لأفرادها بالتراث الشفهي ونقله ولكن من خلال العمل على بيان التجليات المختلفة لوظائفها المتنوعة داخل بنية الثقافة ودورها المتشعب في إنتاج أشكال خاصة بها جعلتنا نرفع قبعات للمرأة في ثقافة بني حسان سواء في الأقطاب الحضارية أو القروية، فلا المجال ولا صرامة المنطق الدكوري جعلتها تقف عاجزة بل لقد بادرت بالإنجازات والمساهمات الفاعلة في نقل التراث الأدبي الذي ورثته عن الأجداد وحفظ العادات والتقاليد التي كان لها الدور البارز في تعليمها ونقلها.
من هنا كان منشأ التراث الشعبي وللمرآة في بني حسان مكانة خاصة لم تولى بها المرأة في باقي المكونات الثقافية الأخرى التي عملت على بنينة الثقافة ومن خلال مجموعة من العناصر التي ضمنت لها حق التعدد الثقافي في الممارسات والنيل من حضوة المجتمع الحساني الكثير من القبول والمشاكلة على شاكلة الرجل فلقد كانت المكانة سامقة والدور فاعلا كبيرا، ففي مقامها اعتبار شرفها ونسبها ومن خلال العمل البارز جنب الرجل كانت المكانة رفيعة.
1. المكانة الاجتماعية:
لقد أثر التقسيم القبلي على نمط العيش ومنه على التقسيم التراتبية للمجتمع فعلى مستوى المكانة تعد المرأة شريكة الرجل بل أفردت بخصائص تحميها من تهميش واعتداءات الرجل فكان لها أن تنتمي لطبقة معينة فلا تتزوج إلا ممن يناسبها شرفا وعلوا اجتماعيا فبنت حسان تتزوج من نظرائها كما لا يتزوج الزواي إلا منهم ومن هم دون ذلك لا حق لهم في الزواج من خارج المجتمع الذي ينتمون الي طبقته، ومن خلال ظواهر اجتماعية مختلفة تشكلت المكانة المميزة للمرأة فلا منازع لخلاصها الاجتماعي:
2. التبلاح:
لقد كان التبلاح ولا يزال ظاهرة اجتماعية مختلفة عن باقي ظواهر الاجتماع الأخرى التي برزت في بنياتها حظوة المرأة في مجتمعا غلبت عليه الهيمنة الذكورية، فقد كانت الخيمة الكبيرة كما يقال هي التي تعتني بظاهرة البلوح فمن خصائص تسمين المرأة العناية بجمالها وبيان انتمائها للطبقة الميسورة والطبقة الاجتماعية الغنية، بل للقد عانى الأخ من حيف في مواقف معينة اد كانت الفتاة تحصل على ما يفوق نصيب أخيها من الطعام لأن ذلك عرف تقتضيه ظاهرة البلوح.
لم يكن تسمين الفتاة جوهرا اجتماعيا لكن عادة تحظى بشيء من القداسة للدلالة الاجتماعية العميقة على الأسرة التي تنحدر منها لأن مخيالهم الشعبي يرى أن المرأة الوافية الوزن حسناء، بل إن ارتباطها الأكبر كان ولا يزال بعادة اجتماعية اكتست هالة القداسة لدى مجتمعهم، من خلال التغذية التي تضمن للمرأة قدا وقواما يضمن لها الحسن، فقد ينظر للتي ليس لها قوام معين نظرة ازدراء كونها من خيمة متهالكة فقط لأن العناية وبها لم تكن كما رسم المخيال الجمعي لها .
فالتبلاح le gaufrage يتطلب الصبر والتحمل من خلل نظام غدائي صعب والتعرض للضرب بعصي على مناطق معينة، ولكن ايضا الخيمة الكبيرة هي التي تعتني ببلوح بناتها ضمانا للزواج الذي يعد مؤسسة مهمة في نشئة المجتمع واستمرار النسب والقبيلة وتقاليده المتنوعة التي سنأتي على ذكرها.
ومن هنا قول الشاعر:
حد النعمة لاشفها فيوم تعود ملانة
يجبر ياسر فطرافها من نعايم مولانة1
فمن نعم الله تجد الانسان يرى المرأة فيشهد انها من خيمة كبيرة لا يمكن نكران قسيمتها الاجتماعية ويستحضر نعمة الله لكنها ايضا من مقام الاستمتاع بجمال المرأة لان في المخيلة الشعبية لهم ان المرأة الملانة السمينة جميلة بضرورة الفرض الاجتماعي لكن البلوح والتبلاح هو في النهاية بالأكل والتسمين المستمر للمرأة مما لا يخلع عن هالة الاعجاب بها حقيقة التبلاح واهمية ممارسته لدى قبائل بني حسان.
3- المرددات :
شكل هذا النمط الابداعي منطلقا للمرأة الحسانية تناصت فيه مع غيرها من النساء ، فهو قول يختزن ذاكرتها الخاصة بها ومكنوناتها ، والكثير من جوانبها الشخصية التي طالما آمنت بها وحملتها في وجدانها ، وقد كانت الفرص السانحة بالبوح كثيرة ، أثناء الأشغال وإعداد الطعام وغيره مما تقوم به بشكل معتاد ، كمواسم الفلاحة وجني التمور والأعراس والعقيقة ، والمناسبات الأخرى فهو قول موزون له دلالتاها البلاغية المهمة و قيمه الاجتماعية التي يحملها ويدافع عنها في موكب الأدب الشعبي ، ومن المرددات التي انتشرت في المجتمع الحساني أحد المرددات التي تبرز تصور مجتمع البيضان للأيام وما يحبون مفعله فيها فالثلاثاء للبس الجديد والجمعة للطهر والاستحمام ويكرهون غسل الملابس يوم السبت ، من تلك المرددات :
لثنين يفكنا من شي شين
الثلاثة يفكنا من وعاثة
لربعة يفكنا من دعوة مكربعة
لخميس يفكنا دهليس
الجموع لايسيل علينا دموع
السبت السابت والسعد النابت
الحد يبطي علينا اللحد .2
وهنا يظهر المردد كحمولة عقدية لها وزنها ونشيد ودعاء يردد ، والمرددات والمرددات الأخرى شكل حملتن اسم المعاظلات اللسانية وهي من الفنون القولية التي افتتنت بها المرأة الحسانية ورددتها ، واتخذتها مشكلا كلاميا تبدع فيه وتضرب به الأمثال بل كلاما بليغا مقفى وموزون ، وكان " الفرض منها إيقاع ال الآخر في المحظور الكلامي لإثارة الضحك وإنتاجه وخلق أجواء التسلية والترفيه والتفكه"3، وكان انجذاب المرأة نحو هذا الشكل الإبداعي الذي اشتهر به ولد اللكلوكي ، يقول :
شفنت الحال وشفت المحال
وشفت النيرب تفتل الحوال
وشفت الديك يطلع السروال
وشفت الحجلة تشبح فيزار
وشفت فار ينوش حوار
وشفت الماء عطشان يصمم تليكا .4
4- المرأة الحسانية والصناعة التقليدية :
لقد شكلت الصناعة التقليدية شكلا مهما من أشكال إبداع المرأة الحسانية وثقافتها الشعبية إذ وجهت اهتمامها في شق كبير من اعمالها اليومية إلى الاشتغال بحرف مختلفة لعل أبرزها ما تعلق بالمصنوعات الجلدية والنسيجية ، سواء من خلال نسج الملابس والزرابي أو من صناعة الفريك وما سواه من حقائب ، فالملابس كالدراعة والملاحف ميز لباسها التقليدي الذي ورثته عن جداتها ، وقد طوعت الأنامل الحسانية المادة الأولية فصنعت منها تحفتا فنية من خلال توفير ما تحتاجه في الحياة اليومية من محافظ وأدوات وحقائب وغيرها من المصنوعات ، ولعل الجلود شكلت مادة أولية مهمة في نسار الإبداع الصناعي للمرأة الحسانية متفردة على زميلاتها في المكونات الأخرى ، ومما أبدعته في مجال المسبوكات الجلدية المحافظ التي انقسمت لمحافظ الرجال والنساء ، وأخرى خاصة بأدوات الزينة تحفظ فيها تسمى تاسوفرا والكونتية ، والأغطية الجلدية أو ما يعرف بالجوارب ، وهو تراث مادي مهم حافل على ذكاء هذه المرأة ، ومجمل القول في هذا المحور ما قاله الباحث : " إضافة إلى ما صناعة وخياطة بعض الأدوات الحفظ والتخزين كالتاسوفرا ( حقيبة الرجل )، والكونتية (حقيبة المرأة )، وأغلفة السكاكين والقارورات الزجاجية المحلاة بالجلد ...، وخياطة بعض الأفراء (مفردها فرو ) وهي الأغطية الجلدية طويلة وعريضة تصنع من جلد الماعز "5.
ولا يخفى علينا ما يحتاجه ذلك من مهارات كبيرة في الهندسة ولتنميق والزخرفة وصباغة الجلود ، وتسمى الممارسات لها المعلمات ، ومن الإبداعات الأخرى الأوسدة المسماة أصرامي وحبل لولو ، وامصر وهو وعاء جلدي يخصص لتخزين أوراق الشاي وخياطة الخيم وأبوائها والبسط التي تفترش تحت الرجل .
التفوق في الزي الحساني :
لقد شكل المنطلق لتميز هذه الصناعة لدى المرأة الحسانية تميزها ومجتمعها باللباس والزي الخاص بكل جنس على حدة ، وحسب القسم الاجتماعي المعين والذي تنتمي له ، هذا ما جعل التفرد للحسانيات وأعطاهن دورا بارزا في صناعة تلك الأردية وتفرده عن المكونات الأخرى ، ومن أهم الملابس نجد الملاحف أو ما يسمى إزار الليل ، وهو ثوب ورداء يرتدى فوق كل الملابس ، وهو ثوب نسائي بامتياز عرف في مجتمع البيظان دال على الطهر والعفاف ورمزا للحيا ، وتعقد المرأة الحسانية ملحفتها عليها بما يسمى خلالا ، وتخضع للتلوين ونوع اثوب ، وأهم ما يشير له الباحث في هذا الزي وصناعته " تقنية الصر وتعني تشميع وتجعيد القماش ووضعه اخل الصباغة ( بكيفية التغميس بشكل عفوي ، وبعد القيام بفتحة تظهر الألوان متشاكلة ومتجانسة تلقائيا "6.
كما أبدعت إلى جانب الرجل في صناعة الدراعة اللثام الذي يعد لباسا مهما للرجال دليلا على الشهامة والحياء وحسن الخلق ، والدراعة عبارة عن " قميص فضفاض وطويل بأكمام قصيرة واحيانا بدونها بفتحة في الصدر وتتسع أكثر في الأسفل "، وعلى كل هو رداء لأهل الصحراء يوافق المناخ والبيئة الصحراوية وقد يستعان بحزام لشده في الوسط ، والأهم في لباس الذراعة أن كل قسم اجتماعي له لباسه الخاص في هذا الصدد، من خلال نوع الثوب والألوان التي ينبغي له لباسها ، وأما اللثام فهو لباس رجولي مهم في مسار اللباس الحساني حتى تغنت به النساء بما له من جمال ، ولا ننس سروال الكشاط الذي يختص به الرجل فيما المرأة تتحبلى بالمجوهرات التي عرفت لديهم كالخلخال وأبغداد وهو نمط يدل على تميز المراة الحسانية وتفردها ,
الإحالات والهوامش :
1. إبراهيم الحيسن ، الشفهي والبصري في الموروث الشعري والجمالي الحساني ، ط 1، سلسلة أبحاث ، منشورات وزارة الثقافة 2010، ص 116.
2. المصدر نفسه ، ص 33.
3. المصدر السابق ، ص 89.
4. المصدر نفسه ، ص 93.
5. المصدر نفسه ، ص 141.
6. المصدر نفسه ، ص 156.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن