النظام الراسمالي والاستثمار في الصراعات الدولية والمحلية

ثائر سالم
thairsalim42@gmail.com

2020 / 6 / 23

التدخل المباشر العسكري المستمر والمتنامي لدول اقليمية كتركيا وايران والسعودية، وربما مصر قريبا، الى جانب تدخل الدول الكبرى، وبالتنسيق معها، في شؤون وازمات دول، كسوريا وليبيا واليمن ، وبشكل غير مباشر في دول اخرى كالعراق ولبنان،  يطرح حقائق عدة :
الاولى : انه تدخل بالضد من ارادة ومصلحة شعوب هذه الدول. والمستفيد الوحيد من هذا التدخل، هي انظمة الحكم فيها والتحالف الاجتماعي السياسي ، المحلي والاقليمي والدولي، الذي تستند اليه.
الثانية : انه تدخل يعكس في التحليل الاخير، وحدة مصالح النظام الراسمالي العالمي ( مصالح دول المركز الراسمالي مع مصالح هذه الدول الاقليمية) . وهو مايفسر تسهيله لتدخل هذه الدول الاقليمية او الاستعانة بها.
الثالثة: ان هذا التدخل هدد وحدة هذه البلدان وكان حتى الان الى تقسيما حقيقيا على الارض، للبلدان التي جرى التدخل العسكري فيها(بشكل مباشر في سوريا وليبيا واليمن)، و خلق خطر وامكانية تقسيمها مستقبلا.
القراءات التي تقدمها الدول المتدخلة، وتتبناها القوى الاجتماعية المرتبطة بها، تقوم على فكرة موضوعية وشرعنة تدخل هذه الدول الاقوى بحجة الدفاع عن امنها القومي، حينما تعحز الدول الاضعف عن ضمانه لها. او تصوير صراع النفوذ بين هذه الدول ،  كتعبير عن تنافس تاريخي، مرتبط بالصراعات القومية او المذهبية او صراع امبراطوريات تحاول استعادة امجاد او احلام استعمارية (العثمانية والفارسية والعربية)، او مصالح استعمارية (فرنسية انكليزية، وايطالية.. الخ)
ورغم ان من الخطأ انكار قيمة هذه القراءات، واهمية هذه العوامل، الا ان القراءة التاريخية الطبقية للاحداث والسياسات المتبعة فيها، تبدو هي الاعمق والاقدر على تقديم تفسير اكثر  منطقية لتطورات اوضاع هذه البلدان.

قراءة تاريخية طبقية:
ورثت الراسمالية من الانماط التاريخية السابقة لها، صراعات اتخذت اشكالا عدة، قبل ان تؤججها او تستثمر فيها، كصراعات التمييز العنصري، التعصب الديني والقومي وحركات التطرف المختلفة، الناجمة عنها.
ورغم ان القيم التي تنطلق منها هذه الصراعات (العنصرية والطائفية والتعصب الديني والقومي)، تتناقض قيميا ( ظاهريا على الاقل) ،مع جوهر قيم علاقات السوق و علاقات الانتاج الراسمالية، التي طرحتها الراسمالية  في نشاتها.(١)
الا ان الراسمالية لاحقا لم تعمل على انهاء هذه الصراعات. واكتفت في احسن الاحوال بتقييد مديات الانتشار و العواقب.
الراسمالية كنمط اقتصادي - اجتماعي ، وكاي نمط آخر، له تناقضاته الاساسية والثانوية. تمييز الاساسي، الجوهري ، فيه عما هو ثانوي او وهمي، هو مفتاح فهم تلك التناقضات والصراعات والازمات الناجمة عن هذا النمط.
و هو تمييز نسبي، تاريخي وطبقي. 
فاذ يكون صراع، قوى العمل وقوى راس المال ، اطراف الملكية والانتاج، هو الصراع  الاساسي في الراسمالية، من منظار تاريخي طبقي،  فان الصراع والتنافس داخل الطبقة الراسمالية، من اجل الاسواق والربح، وتوظيف الصراعات التي تخدم هدفها هذا، هو صراع بالنسبة لها في صميم مصالحها. اما بالنسبة  للشعوب والطبقات المستغلة(بفتح الغين)، فهو صراع ثانوي لايعنيها، ولا علاقة له بمصالحها، رغم بعض تداعياته.

معظم الصراعات التي تزج بها الشعوب والبلدان ، اليوم، هي في التحليل الاخير تعبير عن مصالح  هذا النمط الراسمالي، و نتاج تناقضاته البنيوية المستعصية، واستعصاءات نظامه الدولي. الاسباب التاريخية الخاصة لهذه النزاعات، لا تحجب اسبابها العامة الكامنة في الطبيعة الطبقية للانماط السابقة، وفي النمط الراسمالي ذاته. وقد زجت الشعوب فيها كما تزج اليوم على يد الراسمالية، فكانت وقود هذه النزاعات، دون ان يكون لها مصلحة فيها. والهدف كان ايضا كما هو اليوم، حماية النمط التاريخي، ومصالح الطبقة المستفيدة منه، وحماية سيادتها الطبقية (الراسمالية) وسلطتها السياسية.
فالصراعات الاقتصادية والعسكرية والحروب الكونية، التي بلغت ذروتها في حربين عالميتين، او الحروب الاقليمية ، التي تفرض على الشعوب او تستدرج اليها ، تبقى في اطار عملية اقتسام واعادة اقتسام الاسواق ومناطق النفوذ ، بين مراكز راس المال العالمي، التي كانت منذ القرن الماضي احد الخصائص الاساسية للراسمالية العالمية ونظامها الدولي.
وترك المراكز الراسمالية الكبرى، اليوم، مساحة او هامشا  لمراكز راسمالية اقليمية ناهضة(مرتبطة عضويا ومصلحيا ، بها وببنية نظامها الدولي)، للنهوض بدور اقليمي في اطار مشروع هيمنتها، بشكل مباشر  كما في حالة تركيا والسعودية والان يجري تهيئة مصر، وقبلهم وستبقى في المقدمة  وبدرجة اشد دور اسرائيل، انما هي عملية تتم في اطار عملية تقسيم العالم التي استكملت منذ الحرب العالمية الثانية. الا ان عملية اعادة التقسيم، ستبقى تستدعيها ، طبيعة علاقات الانتاج الراسمالية، وعمليات التركز  والتمركز في راس المال عموما.

حتى الفشل في مواجهة برحوازيات ناهضة اخرى،  او التغاضي عن تمددها الاقليمي، كما في حالة ايران، او حالة اتساع نطاق التدخل التركي، لا يخرج عن هذا الاطار. فمستوى تطور هذه المراكز الاقليمية التابعة، اقتصاديا وعسكريا،  بات يتطلب حصة اكبر في التقسيم الدولي هذا، يتناسب مع التطور ، الذي بلغته الراسماليات الاقليمية هذه.
ولهذا ففكرة منح دور اكبر في المنطقة لهذه الراسماليات المرتبطة بدرجة اقوى واعمق بالاقتصاد والنظام الدولي، تبدو جميعها وكأنها  رشا او توكيلات مباشرة او غير مباشرة، تضطر لدفعها الراسمالية العالمية ويستحسنها نظامها الدولي، من اجل استمرار هيمنها العالمية على المنطقة.
وهو خيار يمكن  ان يكون ايضا اقل كلفة واكثر فعالية ومقبولية في المنطقة، بسبب ما لهذه الدول من امتدادات تاريخية، يمكن الاختباء خلفها (دينية او مذهبية، قومية)، او اسباب سياسية صريحة. ولهذا لازالت تسعى الى ادامة النزاعات والحروب الاهلية وتشجيع التدخل الاقليمي والدولي. الامر الذي يغذي خطر عودة الطائفية، في بعضها. وشعارات العولمة والحرية ، والديموقراطية، جرت ترجمتها في هذه البلدان صراعات دينية وطائفية ومذهبية وعرقية ، جرت تغذيتها او دعمها، ان لم يكن اختلاقها وافتعالها.

وكون هذه المراكز الاقليمية التابعة ، جزء حيوي من تكوين المنطقة السياسي والثقافي، وتمتلك ثقلا ومقومات اكبر من غيرها للتاثير في مصير المنطقة، هو مايؤهلها على تادية هذا الدور. وهذه المكافاة او الرشوة، التي يقدمها النظام الراسمالي العالمي ، لهذه الراسماليات التابعة ، مضمونة العوائد.  وبحوزة هذا النظام الدولي الكثير من اوراق الضغط والعقوبات، على الدول التي تحاول التمرد  عليه او الخروج عن قواعد علاقة التبعية المباشرة او غير المباشرة التي تحكمها مصالح طبقية واحدة،  في اطار نظام دولي محكم الاغلاق، تتقدم على اية  تناقضات ثانوية فيه.

ان تنمية راسمالية منتجة، وديموقراطية سياسية فعالة، تمتلك حدا من العدالة الاحتماعية، هو امر لا مصلحة لهذا النظام الدولي فيه، ولا يخدم الراسمالية التابعة والمرتبطة به، في هذه البلدان. ولهذا تسير هذه الراسمالية في طريق هذه الصراعات الوهمية التي تستدرج لها الطبقات الكادحة. ومن الواضح ان الهدف هو ابعاد الشعوب عن ساحة الصراع الاساسي ، الصراع الطبقي.الذي  يمكن ان تهدد مصالحها في المركز والاطراف.
في حين ان هذا الصراع الاساسي، هو وحده القادر على ان يكون قوة توحيد حقيقية، لقوى المجتمع الحية، التي تنسجم مصالحها مع تنمية اقتصادية منتجة ومنصفة نسبيا، لكنها لا تنسجم طبعا ومصالح هذا النظام الدولي.

(١)وخاضت حروبا من اجلها ضد قيم الانماط السابقة لها تاريخيا، وقادت ثورات تحت شعارات الاخوة الانسانية والمساواة والحرية والعدالة،
رغم ان ترجمتها لم تكن ، سوى مساواة في الفرص للبرجوازية، وحرية للعامل في ان يبيع قوة عمله لمن يشاء من الطبقة الراسمالية، حرية للراسمالي في ان يستغل كيفما ومن يشاء من العمال . وحرية للراسمالية في غزو الاسواق والبلدان.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن