رأس المال: الفصل الثالث عشر (55) 4) المصنع

كارل ماركس
Jasim_737@yahoo.com

2020 / 6 / 22


الآلات والصناعة الكبرى
4) المصنع

عالجنا في بداية هذا الفصل جسد (*) المصنع وتمفصل منظومة الآلات. ورأينا عندئذ كيف تزيد الآلات المادة البشرية الصالحة للاستغلال الرأسمالي، بالاستحواذ على عمل النساء والأطفال، وكيف تستولي، على حياة العامل بأسرها عن طريق الافراط في تمديد يوم العمل، وأخيرا كيف يشكل تطورها، الذي يتيح صنع منتوج متعاظم بما لا يقاس في زمن أقصر فأقصر، وسيلة منهجية لتدفق عمل أكبر في كل لحظة زمنية، أي زيادة شدة استثمار قوة العمل. ونلتفت الآن إلى معاينة المصنع ككل، في شكله الأكثر تطورا. يصف الدكتور أور، وهو مدّاح (**) المصنع الآلي، هذا المصنع من جهة بأنه

“تعاون مختلف فئات العمال، الراشدين واليافعين، الذين يراقبون بمهارة يقظة منظومة الآلات المنتجة التي تديرها قوة مركزية (محرك رئيسي) بصورة متواصلة”.. ويصفه من جهة ثانية بأنه

“جهاز أوتوماتيكي ضخم يتألف من العديد من الأعضاء الميكانيكية والواعية التي تعمل في تناسق متواصل لإنتاج شيء واحد بالذات، وتخضع لقوة محركة واحدة ذاتية الفعل”.. إن هذين التعريفين غير متطابقين بالمرة. ففي التعريف الأول نرى العامل الكلي الموحد، أو الجسد الاجتماعي العامل باعتباره الذات الفاعلة، النشطة، بينما يظهر الجهاز الآلي الأوتوماتيكي بمثابة الموضوع؛ أما التعريف الثاني فيعتبر الجهاز الأوتوماتيكي نفسه هو الذات الفاعلة، أما العمال فهم بمثابة أعضاء واعية ملحقة بأعضائه المجردة من الوعي، وهم خاضعون مع هذه الأخيرة لقوة محركة مركزية. وينطبق التعريف الأول على كافة الاستخدامات الممكنة للآلات برمتها؛ أما الثاني فيميز استخدامها الرأسمالي، أي نظام المصانع الحديث. من هنا شغف اور بتصوير الآلة المركزية، التي تنطلق منها الحركة، ليس كمجرد جهاز أوتوماتيكي وحسب بل وكحاكم أوتوقراطي أيضا.

“في ورش العمل العملاقة هذه تجمع قوة البخار الخيّرة من حولها الآلات المؤلفة من رعاياها”(1).
وبإلحاق أداة تنفيذ العمل بالآلة تنتقل مهارة إدارتها من العامل إلى هذه الآلة. وتتحرر مقدرة الأداة المنفذة على الأداء من المحدودية الشخصية لقوة العمل البشرية. على هذا النحو تتقوض القاعدة التكنيكية التي يرتكز عليها تقسيم العمل في المانيفاکتورة. لذلك فإن التسلسل الهرمي للعمال المختصين، الذي تتميز به المانيفاکتورة، يزول في المصنع الأوتوماتيكي فيحل محله الميل لمساواة وتماثل الأعمال التي تسند إلى مساعدي الآلات (2)، وبدلا من الفوارق الاصطناعية بين العمال الجزئيين تحل الفوارق الطبيعية في العمر والجنس.

وبما أن تقسيم العمل يعود إلى الظهور في المصنع الآلي فهو يعتبر قبل كل شيء توزيعاً للعمال على الآلات المتخصصة وتوزيعاً لكتل العمال – التي لا تشكل جماعات متمفصلة – على مختلف أقسام المصنع حيث يعملون على آلات عمل متجانسة تربض جوار بعضها بعضا، أي حيث يجري تعاون بسيط لا غير. ويستعاض هنا عن المجموعة المتمفصلة في المانيفاکتورة بجمع عامل رئيسي مع قلة من المساعدين. ويلاحظ فرق هام بين العمال المشتغلين فعلا على آلات تنفيذ العمل ويدخل في عدادهم أيضا بعض العمال الذين يراقبون المحرك أو يزودونه بالوقود وغیره) وبين المساعدين البسطاء (من الأطفال على وجه الحصر تقريبا) لعمال الآلات هؤلاء. ويندرج في عداد المساعدين أيضا، بهذه الدرجة أو تلك، جميع الملقمين (Feeders) (الذين يقتصرون على تقديم مادة العمل إلى الآلة). وإلى جانب هذه الفئات الرئيسية ثمة موظفين قليلي العدد يتولون الرقابة على سائر الآلات وتصليحها باستمرار كالمهندسين والميكانيكيين والنجارين وغيرهم. وهؤلاء فئة عليا من العمال، قسم منها مثقف علمياً والقسم الآخر ذو طابع حِرفي، وهي فئة تقف خارج دائرة عمال المصانع وتلحق بها لا غير (3). وتقسيم العمل هذا تكنيكي بحت.

إن كل عمل على الآلة يتطلب إعداد العامل منذ نعومة أظفاره من أجل أن يتعلم تكييف حركاته مع الحركات المنتظمة والمتواصلة للجهاز الأوتوماتيكي. وبقدر ما يشكل مجموع الآلات منظومة آلية متنوعة ومركبة تعمل بصورة متزامنة، فإن التعاون القائم على هذا الأساس يتطلب توزيع جماعات العمال المختلفة على مختلف أنواع الآلات. ولكن الإنتاج الآلي يلغي ضرورة تثبيت هذا التوزيع على طريقة المانيفاکتورة وتقييد العامل نفسه إلى الوظيفة ذاتها إلى الأبد (4). وبما أن الحركة الإجمالية للمصنع لا تنطلق من العامل، بل من الآلات، فيمكن أن يحدث هنا استبدال العاملين بصورة مستمرة من دون قطع عملية العمل. ونرى الدليل الأكثر اقناعاً على ذلك في نظام المناوبة (Relaissystem) الذي استخدم إبان عصيان أصحاب المصانع الإنكليز في سنوات 1848 ۔ 1850. وأخيرة، فإن السرعة التي يتعلم بها الإنسان العمل على الآلة منذ سن اليفاعة تزيل بدورها ضرورة تنشئة فئة خاصة من عمال الآلات المختصين (5). أما خدمات العمال المساعدين البسطاء في المصنع فيمكن الاستعاضة عنها بالآلات من جهة (6)، كما أنها تتيح بفضل بساطتها المتناهية استبدال المشتغلين بمثل هذه الأعمال استبدالا سريعاً ودائماً، من جهة أخرى. وعلى الرغم من أن الآلة تقلب النظام القديم لتقسيم العمل تكنيكياً على هذا النحو، إلا أن هذا الأخير يواصل وجوده في المصنع، أولا بقوة العادة، كتقليد من تقاليد المانيفاکتورة، حتى يبعثه رأس المال بانتظام ويثبته في شكل منفر كوسيلة لاستغلال قوة العمل. فالتخصص بأداة جزئية مدى الحياة يتحول إلى تخصص في خدمة آلة جزئية مدى الحياة. ويساء استخدام الآلات ابتغاء تحويل العامل نفسه منذ الصغر إلى جزء من آلة جزئية (7). على هذا النحو، لا يقتصر الأمر على خفض التكاليف الضرورية لتجديد إنتاجه هو نفسه إلى حد بعيد، بل يتعداه إلى اكتمال تبعيته المستسلمة للمصنع بشكل عام، وبالتالي للرأسمالي أيضا. وهنا، كما في كل مكان، لا بد من التفريق بين تعاظم الإنتاجية الناجم عن تطور عملية الإنتاج الاجتماعية، وتعاظم الإنتاجية الناجم عن الاستغلال الرأسمالي لهذه العملية.

وفي المانيفاکتورة كما في الحرفة الأداة تخدم العامل، أما في المصنع فالعامل يخدم الآلة. هناك تنطلق حركة وسيلة العمل منه، أما هنا فيتوجب عليه أن يتبع حركتها. في المانيفاکتورة يؤلف العمال أعضاء في جسم حي واحد. أما في المصنع فالجسم الميت موجود بصورة مستقلة عنهم وهم ملحقون به كتوابع حية.

“إن الرتابة المكربة لك بلا نهاية، ذلك العمل الذي تتكرر في ظله عملية آلية واحدة بالذات المرة تلو الأخرى، هي أشبه بآلام سیزیف: فثقل العمل يسقط، مثل صخرة ضخمة، على العامل المنهك، ثم يسقط عليه من جديد” (8).
إن العمل الآلي، الذي يطغى على الجهاز العصبي إلى أقصى حد، يخمد اللعب المتنوع للعضلات ويسلب الإنسان أي نشاط جسدي وروحي حر (9). حتى تخفيف العمل يصبح وسيلة للتعذيب لأن الآلة لا تفرغ العامل من العمل، بل تفرغ عمله من أي محتوى. وإن كل إنتاج رأسمالي، بوصفه عملية عمل وعملية إنماء قيمة رأس المال في الوقت ذاته، إنما يتميز بأن العامل لا يستخدم شروط العمل، بل على العكس، أن شروط العمل هي التي تستخدم العامل، ولكن بتطور الآلات تتحول هذه العلاقة المشوهة إلى واقع محسوس تكنيكياً. فتحول وسيلة العمل إلى جهاز أوتوماتيكي يضعها في مواجهة العامل خلال عملية العمل بالذات بوصفها رأسمالا، بوصفها عملا ميتا يخضع قوة العمل الحية ويمتصها. وإن فصل القدرات الذهنية لعملية الإنتاج عن العمل اليدوي وتحويلها إلى جبروت لرأس المال على العمل يكتملان، كما أشرنا أعلاه، في الصناعة الكبرى القائمة على الآلات. فالمهارة الجزئية لعامل الآلة الفردي، الذي فقد موقعه، تتلاشى كشيء تافه بل عديم الأهمية تماما أمام العلم وأمام القوى الجبارة للطبيعة وأمام العمل الاجتماعي الهائل، التي تتجسد جميعا في منظومة الآلات والتي تخلق، مع هذه المنظومة، جبروت «رب العمل» (master). ولذلك فإن رب العمل، الذي تلتحم الآلات في عقله التحاماً وثيقاً باحتكاره لها، يصرخ بازدراء في وجه “الأيدي”، لحظة يصطدم بها:

“يجب على عمال المصانع أن يتذكروا تماما أن عملهم هو صنف متدين حقا من العمل الماهر؛ وإن ليس ثمة أي عمل آخر أسهل اتقانا وأعلى أجرة من حيث نوعيته؛ وإنه ما من عمل آخر يتوافر بمثل هذا التدريب الوجيز وبمثل هذا الوقت الوجيز وبمثل هذه الوفرة. وإن آلات رب العمل تضطلع فعلا في الإنتاج بدور أهم بكثير من عمل ومهارة العامل اللذين يمكن التدرب عليهما في غضون 6 أشهر واللذين يمكن لأي أجير زراعي أن يتعلمهما”(10).
إن خضوع العامل تكنيكياً لحركة وسائل العمل الرتيبة، والتركيب المتميز لجسد زمرة العمل المؤلفة من أفراد من كلا الجنسين ومن أشد الأعمار اختلافا، يخلقان انضباطاً كانضباط الثكنات، سرعان ما يتطور إلى نظام مصنعي تام، ويرتقي إلى حد الكمال بعمل المراقبة الذي أشرنا إليه سابقا، فيقسم العمال إلى عمال يدويين ومراقبين، وإلى جنود صناعيين وضباط صف صناعيين.

إن الصعوبة الرئيسية في المصنع الأوتوماتيكي تكمن في ضمان الانضباط الضروري بإرغام الناس على الإقلاع عما اعتادوه من فوضى العمل، والتوافق مع انتظام الجهاز الأوتوماتيكي الضخم. ولكن اختراع قانون انضباطي يتناسب مع حاجات وسرعة النظام الأوتوماتيكي وتطبيقه بنجاح، كان مأثرة جديرة بهرقل، وعملا نبيلا انجزه آرکرایت! وحتى في الوقت الحاضر، بعد اكتمال ترتيب هذا النظام تماما وتخفيف مشقته، يستحيل تقريبا تحويل العمال الذين بلغوا سن الرجولة إلى عاملين نافعين في النظام الأوتوماتيكي (11). إن قانون المصانع الذي يصوغ فيه رأس المال حكمه المطلق على العمال بشكل حقوقي خاص وبطريقة استبدادية، بدون تقسيم السلطات العزيز على قلب البورجوازية عموما، وبدون النظام التمثيلي، الأعز من ذلك، وإن هذا القانون ليس إلا كاريكاتير رأسمالي لذلك الضبط الاجتماعي لعملية العمل الذي تنشأ ضرورته في التعاون الواسع النطاق وفي الاستخدام المشترك لوسائل العمل، ولا سيما الآلات. ويحل سجل غرامات ناظر المصنع محل سوط ناظر العبيد، وتنحصر كافة العقوبات بطبيعة الحال في الغرامات النقدية والاقتطاعات من الأجور، وبفضل الدهاء التشريعي لدى الصناعيين الليكورغبين (***) فلعل انتهاك قوانينهم يدر عليهم ربحاً أكثر من التقيد بها (12).
ولا نشير هنا سوى إلى الشروط المادية التي يجري في ظلها العمل المصنعي. وإن أجهزة الحواس تعاني جميعاً بدرجة واحدة من الحرارة الاصطناعية المرتفعة، ومن الهواء المشبع بدقائق المادة الأولية، ومن الضجيج المصم للآذان وإلخ، ناهيك عن الخطر على الحياة بين الآلات المزدحمة جوار بعضها بعضا والتي تضع بانتظام، شبيه بحلول فصول السنة، سجلاتها الصناعية بأسماء القتلى والمشوهين (13). وإن التوفير في وسائل الإنتاج [449] الاجتماعية، الذي لم يبلغ النضج إلا في حاضنة نظام المصانع، يتحول مع ذلك بين يدي رأس المال إلى نهب منتظم لجميع الشروط الضرورية لحياة العامل أثناء العمل: المكان والهواء والنور، وكذلك كافة الوسائل التي تحمي العامل في ظروف عملية الإنتاج الخطرة على الحياة أو الضارة بالصحة، وليس ثمة حاجة إطلاقا للكلام عن أي ترتيبات التأمين راحة العامل (14). أولم يكن فورييهه (*4) على حق عندما أسمى المصنع ب «الأشغال الشاقة المخففة» (15)؟

____________

(*) جسد (Leib)، ويستخدم مارکس أيضا تعبير (organism) كيان عضوي، وجسم (Karper) لوصف بنية المصنع أو تنظيم الآلات، أو قوام مجموعة العاملين كوحدة عضوية. [ن. ع].
(**) مداح، حرفيا: بندار، وهو شاعر إغريقي اشتهر بالمديح. [ن. ع).
(1) أور، [فلسفة المانيفاكتورات]، ص 18.
(2) المرجع السابق، ص 20. قارن: کارل مارکس، بؤس [الفلسفة، باريس، 1847]، ص 140.
(3) مما يميز نوايا التضليل المقصود في الإحصائيات. ومن الممكن كشف أدق تفاصيله – إن التشريع المصنعي الإنكليزي يقصي، بصورة جازمة، العمال الوارد ذكرهم في نهاية الفترة من مجال سريانه ولا يعترف بهم كعمال مصانع؛ ومن جهة ثانية فإن التقارير التي ينشرها البرلمان تدرج بصورة جازمة سائر المهندسين والميكانيكيين، علاوة على مدراء المصانع والنظار والسعاة وعمال المستودعات وعمال التغليف في عداد عمال المصانع، وباختصار تدرج الجميع عدا صاحب المصنع.
(4) يعترف اور بذلك. فهو يقول إنه يمكن “عند الضرورة” نقل العمال بمشيئة المدير من إحدى الآلات إلى غيرها، ويعلن بلهجة الظفر: “إن مثل هذا النقل يدخل في تناقض سافر مع الروتين القديم الذي يقسم العمل ويكلف أحدهم بصنع رأس الدبوس ويكلف الآخر بتدبيب ذؤابته”. كان حرياً به أن يتساءل لماذا لا يجري التغلب على هذا “الروتين القديم” في المصنع الأوتوماتيكي إلا “عند الضرورة” (م).
[(م) اور، المرجع نفسه، ص 22 – ن. برلین].
(5) في أيام الشدائد، كما في أثناء الحرب الأهلية في أميركا مثلا، يستخدم البورجوازي عمال المصانع للقيام بالأعمال الأكثر مشقة كرصف الشوارع وما إلى ذلك بصورة استثنائية. وإن المشاغل الوطنية (ateliers nationaux) الإنكليزية في عام 1862 والسنوات التالية كانت تتميز بالنسبة لعمال القطن العاطلين عن العمل عن المشاغل الوطنية الفرنسية في عام 1848 بأن العمال الفرنسيين كانوا ينفذون أعمالا غير منتجة على حساب الدولة، بينما كان العمال ينفذون أعمالا بلدية منتجة لصالح البورجوازيين، علما بأنها كانت تنفذ بسعر أرخص من العمال النظاميين الذين اضطر العاطل عن العمل على منافستهم. “إن مظهر عمال مصانع القطن قد تحسن بدون شك من الناحية الجسدية. وأعزو ذلك …. مثلما يعزوه الرجال، إلى أن الأشغال العامة تنفذ في الهواء الطلق”. (المقصود بذلك هنا عمال المصانع من بریستون المستخدمين في مستنقع بریستون).

(تقارير مفتشي المصانع، تشرين الأول/ أكتوبر، 1863، ص 59).
(6) مثال: الأجهزة الآلية المختلفة التي بوشر باستخدامها في مصانع الصوف منذ صدور قانون عام 1844 من أجل الاستعاضة عن عمل الأطفال. حين يتوجب على أبناء السادة أصحاب المصانع أنفسهم أن يجتازوا “مدرسة” المساعدين البسطاء في المصنع فإن هذا الميدان من ميادين الميكانيك الذي لم تجر معالجته تقريبا سرعان ما يمضي في خطوات ملحوظة قدماً. “لا تكاد توجد آلة أخطر من آلة الغزل الأوتوماتيكية (المول). فالقسم الأعظم من الحوادث المؤسفة يقع للأطفال الصغار، وبالذات لأنهم يزحفون تحت هذه الآلات اثناء دورانها من اجل كنس الأرض”. ولقد أحال، (مفتشو المصانع الكثير من مشغلي) «minders» (مغازل المول) إلى القضاء وحكم عليهم بغرامات نقدية جزاء مثل هذه التصرفات، ولكن بدون أية نتائج ملموسة. فلو أن صانعي الآلات اخترعوا آلة للكنس لتجنب هؤلاء الصغار ضرورة الزحف تحت هذه الآلات لكان ذلك مساهمة حميدة في تدابيرنا الوقائية”. (تقارير مفتشي المصانع، 31 تشرين الأول/ أكتوبر، 1866، ص 63).
(7) بوسع المرء أن يقدر إلهام برودون العجيب الذي “يصمم”، الآلة لا كتركيب لوسائل العمل، بل كتركيب للأعمال الجزئية من أجل العمال أنفسهم.
(8) ف. إنجلز، وضع الطبقة العاملة في إنكلترا، لايبزيغ، 1845، ص 217. حتى السيد موليناري، نصير حرية التجارة المتفائل العادي، يقول: «إن الشخص الذي يراقب سير الآلة الرتيب خلال 15 ساعة يومياً ينهك بأسرع مما لو كان يبذل قوته الجسدية خلال هذا الوقت ذاته. وإن عمل المراقبة هذا، الذي يصلح تمريناً رياضياً مفيداً للعقل لولا طوله المفرط، يدمر العقل والجسد بسبب هذا الإفراط”. (ج. دو موليناري، دراسات اقتصادية، باريس، 1846، ص 49]).
(G. de Molinari, Etudes économiques, Paris, 1846 [p. 49]).

(9) ف. إنجلز، المرجع نفسه، ص 216.
(10) «The factory operatives should keep in wholesome remembrance the fact that theirs is (188) really a low species of skilled labour; and that there is none which is more easily acquired or of its quality more amply remunerated, or which, by a short training of the least expert can be more quickly as well as abundantly acquired… The master’s machinery really plays a for more important part in the business of production than the labour and the skill of the operative, which six months’ education can teach, and a common labourer can learn».

صندوق الدفاع عن صناعيي الغزول: تقرير اللجنة، مانشستر، 1854، ص17.
سنرى فيما بعد أن درب العمل، (Master) بشرع بمعزوفة أخرى تماما حين يتهدده خطر فقدان اجهزته الأوتوماتيكية «الحية».
(11) أور، المرجع نفسه، ص 15. إن كل من يعرف سيرة حياة آرکرایت لن يغدق لقب “النبيل” على هذا الحلاق العبقري. فمن بين كافة المخترعين العظام في القرن الثامن عشر كان هذا الرجل أكبر سارق لاختراعات الآخرين وأكثرهم دناءة.
(***) ليكورغوس: مشرع وواضع دستور اسبارطة، القرن التاسع قبل الميلاد. [ن. ع].
(12) “إن أغلال العبودية التي كبلت البورجوازية البروليتاريا بها، لا تبرز بمثل هذا الوضوح كما في نظام المصانع. فهاهنا تزول أية حرية قانونية وواقعية. ويجب على العامل أن يؤم المصنع عند الخامسة والنصف صباحاً. فإذا تأخر عدة دقائق تعرض لغرامة، أما إذا تأخر عشر دقائق فلن يسمح له بالدخول إلا بعد انتهاء الفطور، وبذا يفقد أجر ربع يوم… وهو يأكل ويشرب وينام وفقا للأوامر… ويقطع عليه الجرس المستبد النوم والفطور والغداء. وكيف تجري الأمور في ارجاء المصنع نفسه؟ إن صاحب المصنع هو المشرع المطلق، فهو يحدد قواعد المصنع كما يشاء؛ ويغير ويستكمل مدونة قوانينه على هواه؛ وحتى لو حشاها بمواد سخيفة فإن المحاكم تقول للعامل: أما الآن، فإنك قد وقعت على هذا العقد بمحض إرادتك، فأنت ملزم بتنفيذه … لقد قضي على العمال بالعيش تحت سيف مسلط عليهم جسدياً وروحياً من سن التاسعة حتى الموت (ف. إنجلز، [وضع الطبقة العاملة في إنكلترا، لايبزيغ، 1845]، ص 217 وما بعدها). وسأوضح بعدة أمثلة ما تقوله المحاكم.. وقعت إحدى الحوادث في شفيلد أواخر عام 1866. استخدم هناك أحد العمال لمدة سنتين في معمل للمعادن. وقد ترك هذا العامل المصنع إثر نزاع مع صاحبه وأعلن أنه لن يعمل عند صاحب المصنع هذا بأي حال من الأحوال. وحكم عليه بالسجن لمدة شهرين بعد ثبوت اتهامه بخرق العقد. (إذا خرق صاحب المصنع العقد فقد يحال إلى محكمة مدنية ولا يتهدده من خطر غير غرامة نقدية). وبعد أن قضى العامل هذين الشهرين في السجن دعاه صاحب هذا المصنع نفسه للعودة إلى العمل بموجب العقد القديم. إلا أن العامل أجاب بالرفض؛ فقد قضى فترة العقوبة جزاء خرق العقد. وما كان من صاحب المصنع إلا أن احاله إلى القضاء من جديد، حيث حكمته المحكمة مرة أخرى على الرغم من أن أحد القضاة، وهو السيد شي، اعترف جهاراً أن النظام الذي يعاقب المرء طيلة حياته بصورة دورية جزاء ذنب واحد أو جريمة واحدة فظيع من الناحية الحقوقية. وهذا الحكم لم يصدر عن الكبار غير المأجورين (Great Unpaid)، عن دوغبري الريفي، بل صدر في لندن عن إحدى أعلى المؤسسات القضائية. [للطبعة الرابعة. لقد ألغي ذلك الآن. ففي إنكلترا تجري حاليا مساواة العامل برب العمل لجهة خرق العقد، ولا يمكن محاكمة العامل، باستثناء بعض الحالات القليلة – في مصانع الغاز العامة مثلا – إلا أمام محكمة مدنية، ف. إنجلز]. والحادثة الثانية وقعت في أولتشير نهاية تشرين الثاني/نوفمبر عام 1863. زهاء 30 عاملة على الأنوال البخارية، المشتغلات لدى المدعو هاروب، وهو صاحب مصنع أقمشة لبورس میل، في ويستبوري ليه، أضربن عن العمل لأنه كانت لدى هاروب هذا عادة لطيفة بان يقتطع من أجورهن جزاء التأخر صباحا: 6 بنسات عن التأخر دقيقتين، وشلناً واحداً عن التأخر 3 دقائق، وشلنا و6 بنسات عن التأخر 10 دقائق. ويبلغ ذلك، إذا كان الاقتطاع 9 شلنات عن الساعة، 4 جنيهات استرلينية و10 شلنات في اليوم الواحد، علما بان متوسط أجورهن خلال سنة لا يتجاوز ابداً 10 – 12 شلنا في الأسبوع. وبالإضافة إلى ذلك كلف هاروب أحد الأحداث لينفخ في بوق إيذانا ببدء العمل، وكان هذا الغلام ينفخ بوقه قبل السادسة صباحا، وإذا لم يكن العمال في أماكنهم عندما ينتهي من نفيره تغلق الأبواب ويتعرض من يبقى في الخارج للغرامة؛ ولما لم تكن في المصنع ساعة فقد وقع العمال سيئي الحظ تحت رحمة هذا الصبي الذي يعمل بتوجيه من هاروب. وأعلنت العاملات، أمهات وصبايا، ممن بدأن «الإضراب، انهن سيستأنفن العمل حالا إذا جرت الاستعاضة عن الغلام بساعة ووضعت تعرفة معقولة للغرامات. وقد جر هاروب 19 إمرأة وصبية إلى القضاء بتهمة خرق العقد. وصدر الحكم، الذي أثار استهجان الحاضرين، بأن تدفع كل منهن 6 بنسات غرامة وشلنين و6 بنسات مصروفات القضية. وشيع الناس هاروب بالصفير عند خروجه من قاعة المحكمة. – ويتلخص أحد أساليب أصحاب المصانع المفضلة لديهم في أن يعاقبوا العمال بالاقتطاع من اجورهم لوجود عيوب في المادة المجهزة. وقد أثار هذا الأسلوب إضراباً عاماً في مناطق الفخار الإنكليزية عام 1866. وترد في تقارير لجنة استقصاء شروط استخدام الأطفال، 1863 – 1866، حالات لا يتلقى فيها العمال أجورهم، بل يخرجون مدينين لرب عملهم بسبب الغرامات. وكشفت أزمة القطن الأخيرة أمثلة معبرة عن سرعة بديهة مستبدي المصانع فيما يتعلق بالاقتطاعات من الأجور. يقول مفتش المصانع ر. بیکر: “اضطررت شخصياً منذ مدة قريبة لأن أحيل إلى القضاء أحد أصحاب مصانع القطن الذي اقتطع في هذه الأوقات العصيبة والأليمة من بعض الأحداث، الذين تجاوزوا 13 عاما من العمر) المشتغلين لديه 10 بنسات لقاء الشهادة الطبية عن العمر التي لا تكلفه سوى 6 بنسات والتي لا يسمح القانون بأن يقتطع مقابلها سوى 3 بنسات، علما بأنه لا يجوز استقطاع شيء لقاءها في العادة … وعمد صاحب مصنع آخر، بغية التوصل إلى هذا الهدف ذاته دون الدخول في نزاع مع القانون، إلى فرض أتاوة على الأطفال الفقراء المشتغلين لديه بأن يدفع كل منهم شلنا مقابل تعليمه مهارة وأسرار الغزل، وتجبى هذه الأتاوة فوراً، بمجرد أن تؤكد الشهادة الطبية كفاية نضجهم لهذا العمل. إذن، ثمة تيارات خفية يستحيل بدونها فهم تلك الظاهرات الاستثنائية مثل الاضرابات في أوقات كوقتنا هذا”.
(المقصود بذلك إضراب الناجين الآليين في مصنع في داروين في حزيران/يونيو عام 1863). تقارير مفتشي المصانع، 30 نيسان/ إبريل، 1863، ص 50، 51. (إن تقارير مفتشي المصانع تشمل دائما الوقت الذي يتجاوز حدود تواريخها الرسمية).
(13) تركت القوانين المتعلقة بالحماية من الآلات الخطرة أثراً حميداً … ولكن … برزت في الوقت الحاضر أسباب جديدة لحوادث مؤسفة لم يكن لها وجود قبل 20 عاما، منها تزايد سرعة الآلات. فالدواليب وأعمدة المحاور والمنازل وأنوال النسيج تدور الآن بقوة أكبر مما في السابق، قوة متنامية باستمرار؛ ويجب على الأصابع أن تلقط الخيط المقطوع بصورة أسرع وأدق لأن البطء والتردد يعني بتر الأصابع… وبفعل سعي العمال لإنجاز عملهم بسرعة أكبر يقع عدد كبير من الحوادث المؤسفة. ولا بد من التذكير بأن أهم اعتبار عند أصحاب المصانع هو إبقاء الآلات تعمل دون أي انقطاع، بالتالي إنتاج الغزول والأقمشة بلا انقطاع. وإن أي توقف لدقيقة واحدة هو خسارة في القوة المحركة كما في المنتوج. لذا فإن مراقبي العمل الحريصين على كمية المنتوج يحثون العمال على عدم إيقاف الآلات؛ ولا يقل ذلك أهمية بالنسبة للعمال أنفسهم أيضا إذا كانوا يحصلون على أجورهم حسب وزن المنتوج أو بالقطعة. ورغم أن القانون يحظر شكلياً، تنظيف الآلات أثناء عملها في غالبية المصانع، فإن ذلك يحصل في الواقع دائما. وهذا السبب لوحده تسبب خلال الشهور الستة الأخيرة في 906 حوادث مؤسفة… ورغم أن التنظيف يجري يومياً، إلا أنه يجري أيام السبت عادة تنظيف أساسي للآلات يتم القيام به في غالبية الحالات أثناء اشتغالها … ولا يدفع أي أجر مقابل هذا التنظيف، ولذا يسعى العمال للإنتهاء منه بأسرع ما يمكن. لذا فعدد الحوادث المؤسفة يوم الجمعة، ولا سيما يوم السبت، أكبر بكثير مما في أيام العمل الأخرى. وإن الحوادث المؤسفة في يوم الجمعة نتجاوز متوسط عددها في الأيام الأربعة الأولى من الأسبوع بما يقارب 12%، وتزيد الحوادث المؤسفة يوم السبت بنسبة 25% على حوادث الأيام الخمسة السابقة بالمتوسط؛ وإذا أخذنا بالإعتبار أن وقت العمل في المصانع يبلغ في أيام السبت 14 ساعة فقط، بينما يبلغ في أيام العمل الأخرى 10 ساعة، فإن الزيادة أكبر من 65%”. (تقارير مفتشي المصانع، 31 تشرين الأول/ أكتوبر، لندن، 1867، ص 9-15-16 – 17).
(14) سأتحدث في الجزء الأول من الكتاب الثالث عن حملة أصحاب المصانع الإنكليز في الآونة الأخيرة ضد تلك المواد من قانون المصانع التي تهدف إلى حماية أطراف الأيدي، من الآلات الخطرة. ويكفي هنا إيراد مقتطف واحد من التقرير الرسمي لمفتش المصانع ليونارد هورنر: سمعت بأي استخفاف لا يغتفر يتحدث أصحاب المصانع عن الحوادث المؤسفة؛ ففقدان أصبع يعد أمراً تافهاً بنظرهم. أما في الواقع فإن حياة العامل بل آفاق مستقبله تتوقف على أصابعه بحيث يعتبر هذا الفقدان حدثاً جللاً بالنسبة له. وعندما سمعت مثل هذه الأقاويل الغبية سألت: “لنفرض أنكم كنتم بحاجة إلى عامل إضافي، فتقدم إليكم عاملان متساويان في جميع النواحي سوى أن أحدهما بدون إبهام او سبابة؛ فأيهما تختارون؟، وقد أعلنوا بدون أي تردد عن قبول من لديه أصابع كاملة … إن لدى هؤلاء السادة أصحاب المصانع احكام مسبقة باطلة ضد ما يسمونه بالتشريع ذي النزعة الإنسانية الكاذبة”. تقارير مفتشي المصانع، 31 تشرين الأول/ أكتوبر، 1855، [ص6-7]، إن هؤلاء السادة «أناس متبصرون» وليس تحبيذهم لتمرد ملاكي العبيد [في الولايات الجنوبية الأميركية. ن. برلین] منزهة عن الغرض.
(*4) عبارة “الأشغال الشاقة المخففة” «les bangnes mitiges» اقتبسها مارکس من كتاب فورييه المعنون:

“La Fausse industrie morcelée, repugnante, mensongère et l’antidote,l’industrie naturelle, combinée, attrayante, vérodique, donnant quadruple produit”, Paris, 1835, S. 59.

الصناعة الخاطئة، مجزأة، بغيضة، مضللة، والترياق الشافي، صناعة طبيعية، موحدة، جذابة، صادقة، تدر أربعة أضعاف المنتوج، باريس، 1835، ص 59. [ن. برلین].
(15) المصانع التي أخضعت قبل غيرها للقانون، بما ينص عليه من تحديد إلزامي لوقت العمل ومن قرارات أخرى، أزالت بعض المساوئ السابقة. وإن تحسين الآلات نفسه يتطلب عند درجة معينة ترتيباً أفضل لمباني المصنع، وهذا في مصلحة العمال. قارن: (تقارير مفتشي المصانع، 31 تشرين الأول/ أكتوبر 1863، ص 109).



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن