رأس المال: الفصل الثالث عشر – (51) الآلات والصناعة الكبرى

كارل ماركس
Jasim_737@yahoo.com

2020 / 5 / 31



الآلات والصناعة الكبرى
2) إنتقال قيمة الآلات إلى المنتوج

لقد رأينا أن القدرات الإنتاجية الناشئة عن التعاون وتقسيم العمل لا تكلف رأس المال شيئا. فهي قوى طبيعية تنبع من العمل الاجتماعي. أما القوى الطبيعية الأخرى مثل البخار والمياه وإلخ، التي يجري الاستحواذ عليها لأجل العمليات الإنتاجية، فإنها لا تكلف شيئة البتة. ولكن مثلما أن كل كائن بحاجة إلى رئة كي يتنفس، فإنه يحتاج كذلك إلى شيء من “صنع يد بشرية” بغية استهلاك قوى الطبيعة بصورة إنتاجية. فلا بد من دولاب مائي لاستثمار الطاقة الحركية للمياه، ومن محرك بخاري لاستثمار تمدد البخار. وما يصح على العلم يصح على قوى الطبيعة. فما أن يتم اكتشاف قانون انحراف الإبرة المغناطيسية في حقل نشاط تيار كهربائي، أو قانون مغنطة الحديد بتيار كهربائي، حتى لا يعودا يكلفان قرشا (1). ولكن استثمار هذين القانونين في خطوط التلغراف وسواه يتطلب أجهزة مكلفة ومعقدة. وكما رأينا فإن الآلة لا تزيح الأداة. بل إن الأداة تنمو حجماً وعدداً فتتحول من أداة قزمة، ملحقة بجسم الإنسان، إلى أداة لجهاز آلي أبدعه الإنسان. وبدلا من العمل بأداة يدوية، يقوم رأس المال بدفع العامل لتشغيل آلة تتولى بنفسها تحريك الأدوات. وإذا كان واضحا من الوهلة الأولى أن الصناعة الكبرى ترفع الإنتاجية إلى درجة خارقة بزج قوى الطبيعة الجبارة والعلوم الطبيعية في عملية الإنتاج، فليس من الواضح بالمثل ما إذا كانت هذه الزيادة في القدرة الإنتاجية تكتسب من دون زيادة في مقدار العمل المنفق، من جانب آخر. وكما هو الحال مع أي جزء آخر من أجزاء رأس المال الثابت، لا تخلق الآلات أي قيمة جديدة، لكنها تنقل قيمتها الخاصة إلى المنتوج الذي تخدم في إنتاجه. وبما أن للآلة قيمة، وبما أنها تنقل القيمة إلى المنتوج، فإنها تشكل جزء من مكونات قيمة هذا الأخير. ولكن، بدلا من أن تزيده رخصة فإنها تزيده غلاء بما يتناسب مع قيمتها الذاتية. ومن الجلي تماما أن الآلة أو المنظومة الآلية المتطورة، أي وسيلة العمل المميزة للصناعة الكبرى، محملة بقيمة أكبر بما لا يقاس من قيمة وسائل العمل المستخدمة في الإنتاج الحرفي والمانيفاکتوري. ولا بد من الإشارة أولا إلى أن الآلات تشترك بكاملها دوماً في عملية العمل، بينما تشترك جزئياً فقط، على الدوام، في عملية إنماء القيمة. وهي لا تضيف أبدأ قيمة أكبر مما تفقده وسطياً نتيجة الاهتراء. وهكذا ينشأ فارق كبير بين قيمة الآلة وبين ذلك الجزء من القيمة الذي تنقله هي دورياً إلى المنتوج. وثمة فارق كبير بين الآلة كعنصر في خلق القيمة والآلة كعنصر في خلق المنتوج. ويزداد هذا الفارق بازدياد الفترة التي تخدم خلالها آلات معينة المرة تلو الأخرى في عملية عمل محددة. ولقد رأينا في كل الأحوال أن أي وسيلة عمل بالمعنى الفعلي، أو أي أداة للإنتاج، تشترك بالكامل على الدوام في عملية العمل، بينما تشترك جزئياً على الدوام في عملية إنماء القيمة، بما يتناسب طردياً مع المعدل الوسطي للاهتراء اليومي. ولكن هذا الفارق بين الاستخدام والإهتلاك هو أكبر بكثير في الآلات مما في الأداة، ذلك لأن الآلات مصنوعة من مادة أمتن تعمّر لفترة أطول، ولأن استخدامها الخاضع لقوانين علمية صارمة يتيح الإمكانية لتوفير أكبر في إنفاق أجزائها المكونة وما تستهلكه من وسائل، وأخيراً لأن ميدان الإنتاج هنا أوسع كثيراً مما في الأداة. وإذا أخذنا بعين الاعتبار متوسط التكاليف اليومية عند الإثنين، أي الآلات والأدوات، نعني ذلك الجزء من القيمة الذي تضيفه الآلات والأدوات إلى المنتوج نتيجة اهتلاكها الوسطي اليومي، ونتيجة استهلاك المواد المساعدة، كالزيت والفحم وإلخ، لاتضح أنها تعمل بالمجان شأن قوى الطبيعة الموجودة بمعزل عن إسهام عمل الإنسان. وكلما تعاظمت أبعاد النشاط الإنتاجي للآلات بالمقارنة مع النشاط الإنتاجي للأداة، ازداد نطاق خدمتها المجانية بالمقارنة مع ما تؤديه الأداة من خدمة. وفي الصناعة الكبرى وحدها يتعلم الإنسان كيف يدفع منتوج عمل الماضي، عمله المتشیئ أصلا، على العمل بالمجان على نطاق واسع شأن قوى الطبيعة (2).

اتضح عند معاينة التعاون والمانيفاکتورة أن الاقتصاد في شروط الإنتاج العامة المعروفة، مثل المباني وإلخ، يتحقق عبر استهلاكها بصورة مشتركة بالمقارنة مع استهلاك العمال الفرادى لشروط الإنتاج المبعثرة، وبالتالي فإنها لا تزيد غلاء المنتوج إلا قليلا. ولا يقتصر الأمر في ظل الإنتاج الآلي على استهلاك هيكل آلة تنفيذ العمل بصورة مشتركة من قبل أدواتها المتعددة، بل إن آلات تنفيذ العمل تستهلك المحرك الآلي الواحد عينه مع قسم آلية نقل الحركة استهلاكاً مشتركاً.

وفي ظل الفرق المعطى بين قيمة الآلات وذلك الجزء من القيمة الذي تنقله يومياً إلى منتوجها، فإن تلك الدرجة التي يزيد بها هذا الجزء من القيمة غلاء المنتوج تتوقف بالدرجة الأولى على حجم المنتوج، أو مساحته. ويقول باینز من بلاكبورن في إحدى المحاضرات المنشورة له عام 1857 إن «كل حصان بخاري میکانیکی فعلي (3) يحرك 450 مغزلاً ذاتي الحركة (selfacting) مع التحضيرات، أو 200 مغزل مائي، أو 15 نولا لإنتاج 40 إنش قماش (inch cloth) مع تجهيزات لف السداة والتغطية بالغراء وإلخ» (*). إن تكاليف حصان بخاري واحد ليوم واحد واهتراء الآلات التي يحركها تتوزع في الحالة الأولى على منتوج يوم واحد ل 450 مغزلاً ذاتي الحركة، وفي الحالة الثانية على منتوج 200 مغزل يُدار بالطاقة المائية، وفي الحالة الثالثة على منتوج 15 نولاً آلياً، بحيث لا ينقل إلى الأونصة الواحدة من الغزول أو إلى الياردة الواحدة من النسيج سوى جزء ضئيل تماما من القيمة. وهذا ينطبق أيضا على مثال المطرقة البخارية الذي أوردناه آنفاً. فلما كان الاهتراء اليومي، واستهلاك الفحم وإلخ يتوزعان على كتل هائلة مما تطرقه من حديد يومياً، فلن ينتقل إلى كل قنطار من الحديد سوى جزء ضئيل من القيمة؛ إلا أن هذا الجزء سيكون ضخماً لو جرى دق مسامير صغيرة بهذه الأداة العملاقة.

وإذا كان نطاق فعل آلة تنفيذ العمل معيناً، أي إذا كان عدد أدواتها معيناً، أو كان حجم هذه الأدوات معيناً، أو قوتها معينة، فإن كتلة المنتوج تتوقف على سرعة دوران الآلة، أي سرعة دوران المغازل مثلا، أو عدد الضربات التي تقوم بها المطرقة في دقيقة واحدة. وتقوم بعض المطارق الضخمة ب 70 ضربة في الدقيقة، وأن آلة حدادة رایدر المسجلة، والتي تستخدم مطرقة بخارية صغيرة لطرق المغازل، تقوم ب 700 ضربة في الدقيقة.

وإذا كانت النسبة التي تنتقل بها قيمة الآلات إلى المنتوج معلومة، فإن مقدار هذا الجزء من القيمة يتوقف على مقدار قيمة الآلات نفسها (4). وكلما صغر العمل الذي تتضمنه هي نفسها تدنت القيمة التي تضيفها إلى المنتوج. وكلما صغُرت القيمة التي تنقلها إلى المنتوج ازدادت إنتاجيتها، واقتربت من خدمات قوى الطبيعة. أما إنتاج الآلات بواسطة الآلات فإنه يخفض قيمتها بالمقارنة مع أبعادها ومفعولها.

إن التحليل المقارن لأسعار السلع في الإنتاج اليدوي أو المانيفاکتوري بالسلع المماثلة التي تنتجها الآلات، يبين بوجه عام أن ذلك الجزء من قيمة منتوج الآلات، الذي ينتقل من وسائل العمل يزداد بصورة نسبية، ولكنه ينخفض بصورة مطلقة. أي أن مقداره المطلق يتناقص، في حين يزداد مقداره بالنسبة إلى إجمالي قيمة المنتوج، كأن يكون باوناً من الغزول (5).

ومن الواضح أنه إذا كان إنتاج آلة معينة يكلف كمية عمل تساوي ما يوفره استخدامها، فلن يزيد الأمر عن حلول عمل محل عمل، نعني أن المقدار الكلي للعمل الضروري لإنتاج سلعة ما لن ينخفض، أو أن قوة إنتاجية العمل لن ترتفع. لكن الفرق بين العمل الذي تكلفه الآلة والعمل الذي تقتصده، أي درجة إنتاجيتها، ليس مرهوناً، بداهة، بالفرق بين قيمتها الذاتية وقيمة أدوات العمل التي تحل هي محلها. فالفرق الأول يستمر بالوجود طالما بقي العمل المنفق على الآلة، وبالتالي ذلك الجزء من القيمة الذي ينتقل منها إلى المنتوج، أقل من تلك القيمة التي يمكن للعامل أن يضيفها بأداته إلى موضوع العمل. لذا قاس إنتاجية الآلة بتلك الدرجة التي تغني بها عن قوة العمل البشرية. ووفقا للسيد باينز فثمة عاملان ونصف العامل لكل 450 مغزلاً ذاتي الحركة مع ملحقاتها الآلية، والتي يحركها جميعا حصان بخاري واحد (6)، علما أن كل مغزل آلي يغزل في يوم العمل المؤلف من 10 ساعات 13 أونصة من الخيوط من (القياسات المتوسطة)، وهذا يوازي 5/8, 365 باونا من الغزول في الأسبوع لكل عاملين ونصف. وهكذا، فإن 366 باوناً من القطن تقريبا (وبغية التبسيط لا نحسب الفضلات) تمتص عند تحولها إلى خيوط ما مجموعه 150 ساعة عمل، أو 15 يوم عمل من 10 ساعات، أما في ظل العمل بالمغزل اليدوي، فإن الغازل ينتج 13 أونصة من الخيوط في 60 ساعة، وتمتص هذه الكمية المذكورة من القطن 2700 يوم عمل من 10 ساعات، أو 27,000 ساعة عمل (7). وحيثما حلت الطباعة الآلية محل الطريقة القديمة (block printing) أي الطباعة اليدوية للخام باتت آلة واحدة تطبع في الساعة بمساعدة عامل راشد أو حدث واحد مقداراً من الخام الملون بأربعة ألوان يعادل ما كان يطبعه 200 عامل راشد (8) في السابق. وقبل أن يخترع إيلي ويتني محلج القطن عام 1793، كان فصل باون من القطن عن البذور يكلف وسطياً يوم عمل واحد. وبفضل هذا الاختراع تستطيع زنجية واحدة أن تحلج 100 باون من القطن في اليوم، علما أن فاعلية المحلج ازدادت كثيراً منذ ذلك الوقت. وإن الباون من ألياف القطن، الذي كان إنتاجه يكلف سابقاً 50 سنت، بات يباع فيما بعد بـ 10 سنتات وبربح أكبر، أي أنه ينطوي على كمية من العمل غير مدفوع الأجر أكبر من ذي قبل. وتستخدم في الهند آلة بسيطة لفصل الألياف عن البذور تسمى تشورکا (Churka) تتيح لرجل وامرأة أن يحلجا بها 28 باوناً في اليوم. وبفضل آلة التشورکا هذه التي اخترعها الدكتور فوربز قبل عدة أعوام يحلج رجل واحد وحدث واحد 250 باوناً في اليوم، وإذا ما استخدمت الثيران أو البخار أو المياه بمثابة قوة محركة فلن يتطلب الأمر سوى عدة أحداث وفتيات يقومون بدور ملقمين (feeders) (أي الذين يغذّون الآلة بالمادة الأولية). وإن 16 آلة مثل هذه تحركها الثيران تستطيع أن تنفذ يوميا عملا يوازي ما كان يتطلب في السابق 750 شخصا بالمتوسط (9).

وكما أشرنا من قبل فإن الآلة البخارية التي تحرك المحراث البخاري تنفذ في ساعة واحدة بكلفة 3 بنسات أو 4 شلن مقدارا من العمل يعادل ما ينفذه 66 شخصا لقاء 15 شلنا في الساعة. وإنني أعود إلى هذا المثال لأزيل تصوراً خاطئاً، وأعني بالضبط: إن هذه الشلنات الـ 15 لا تعبّر إطلاقا عن العمل الذي يضيفه 66 عاملا في ساعة واحدة .

فإذا كانت نسبة العمل الفائض إلى العمل الضروري 100% فإن هؤلاء العمال الـ 66 ينتجون في الساعة الواحدة قيمة تبلغ 30 شلنا، مع أنه لا تتمثل في المُعادِل الذي يحصلون عليه، أي في أجورهم البالغة 15 شلنا، سوى 33 ساعة من أصل المقدار الكلي البالغ 66 ساعة. وهكذا، إذا افترضنا أن الآلة تكلف بالضبط ما يعادل الأجور السنوية لـ 150 عاملاً الذين تعوض عنهم، وليكن ذلك 3000 جنيه استرليني، فإن هذه الى 3000 جنيه استرليني لا تعتبر إطلاقاً تعبيراً نقدياً عن مجمل العمل الذي ينفذه ويضيفه هؤلاء العمال الـ 150 إلى موضوع العمل، فهي ليست سوى ذلك الجزء من عملهم السنوي الذي يتجلى بالنسبة لهم في شكل أجور. وعلى العكس، فالقيمة النقدية للآلة، أي 3000 جنيه استرليني، هي تعبير عن مجمل العمل المنفق في إنتاجها مهما تكن النسبة التي يخلق بها هذا العمل أجور العامل وفائض القيمة للرأسمالي. وعليه حتى لو كانت كلفة الآلة مساوية لكلفة قوة العمل التي تقضيها هي، فإن العمل المتشیئ في الآلة نفسها هو على الدوام أقل بكثير من العمل الحي الذي تعوض عنه (10).

وإذا نظرنا إلى الآلات بوصفها وسيلة لجعل المنتوج أرخص حصراً، فإن حدود استخدامها تتعين بواقع أن العمل الذي يكلفه إنتاجها يجب أن يكون أقل من ذلك العمل الذي يُستغنى عنه باستخدامها. لكن هناك حدوداً أضيق بالنسبة لرأس المال، فهو لا يدفع لقاء العمل المستخدم بل لقاء قيمة قوة العمل المستخدمة، وعليه فاستخدام الآلة يتقرر عنده بفعل الفرق بين قيمة الآلة وقيمة قوة العمل التي تحل هذه الآلة محلها. ونظرا لأن تقسيم يوم العمل إلى عمل ضروري وعمل فائض يختلف باختلاف البلدان، كما يختلف داخل البلد الواحد باختلاف الفترات، أو يختلف في فترة واحدة باختلاف فروع الإنتاج؛ ونظراً، من ثم، لأن أجور العامل الفعلية تهبط تارة دون، وترتفع تارة فوق، قيمة قوة عمله، فإن هذا الفارق بين سعر الآلة وسعر قوة العمل التي تحل هي محلها يتعرض لتقلبات كبيرة حتى لو ثبت الفارق بين مقدار العمل الضروري لإنتاج الآلة والمقدار العام للعمل الذي تحل محله (11). بيد أن الفارق الأول هو الذي يحدد للرأسمالي تكاليف إنتاج السلعة ويؤثر فيه بفعل القوانين القسرية للمنافسة. لذا تشهد إنكلترا حالياً اختراع آلات لا تستخدم إلا في أميركا الشمالية، تماما مثلما كانت ألمانيا تخترع في القرنين السادس عشر والسابع عشر آلات لم تستخدم إلا في هولندا، كما أن بعض الاختراعات الفرنسية في القرن الثامن عشر لم تستغل إلا في إنكلترا. وفي البلدان الأقدم من حيث التطور، فإن الآلة نفسها التي تستخدم في بعض فروع الأعمال تولد فائضاً للعمل (redundancy of labour) أو وفرة العمل كما يقول ریکاردو في فروع أخرى بحيث أن انخفاض الأجور في هذه الأخيرة دون قيمة قوة العمل يعرقل استخدام الآلات ويجعله زائداً عن اللزوم، بل في الغالب مستحيلا تماما من وجهة نظر رأس المال الذي يتأتى ربحه لا من تقليص العمل المستخدم بوجه عام، بل من تقليص العمل مدفوع الأجر. ولقد تقلص عمل الأطفال في بعض فروع صناعة الصوف الإنكليزية تقلصا كبيرة في السنوات الأخيرة، بل أزيل تماما في بعض الأماكن. فلماذا؟ لقد فرض قانون المصانع استخدام وجبتين من الأطفال، تعمل الأولى 6 ساعات والثانية 4 ساعات، أو أن كل وجبة تعمل 5 ساعات فقط. ولكن الأهل لا يرغبون ببيع «انصاف الوقت» (half – times) (العمال الذين يعملون نصف الوقت) بأرخص مما كانوا يبيعون به «الوقت الكامل» سابقا (full – times) (العمال الذين يعملون كامل الوقت). من هنا حلول الآلات محل «أنصاف الوقت» (12) half – times)). وقبل حظر عمل الإناث والأطفال (دون سن 10 سنوات) في المناجم كان رأس المال يجد أن إرغام الإناث والفتيات العاريات على العمل، مع الرجال في الغالب، في مناجم الفحم وغيرها، يتفق مع قانونه الأخلاقي، ولا سيما مع دفتر حساباته الجارية إلى درجة أنه لم يلجأ إلى الآلات إلا بعد هذا الحظر. لقد اخترع الأميركيون آلات تكسير الحجارة، أما الإنكليز فلا يستخدمونها، لأن «التعساء» (التعيس “wretch” اصطلاح خاص يستعمله الاقتصاد السياسي الإنكليزي للدلالة على العمال الزراعيين) الذين ينفذون هذا العمل يتلقون أجوراً متدنية عن جزء من عملهم هذا إلى حد أن استخدام الآلات سيزيد الإنتاج غلاء بالنسبة للرأسماليين (13). وفي إنكلترا، تُستخدم النساء حتى الآن بدل الخيول لجر المركب في القناة (14)، لأن العمل الضروري لإنتاج الخيول والآلات مقدار معلوم رياضياً، أما العمل الضروري للإبقاء على الإناث من السكان الفائضين (surplus population) فهو أدنى من أي حساب. لذا ليس ثمة مكان آخر تُبدّد فيه القوة البشرية تبديداً شائنا في الأعمال القذرة أكثر مما في إنكلترا، أرض الآلات.

____________

(1) إن العلم لا يكلف الرأسمالي شيئا، بوجه عام، لكن ذلك لا يمنعه من استغلاله أبداً. فرأس المال يستحوذ على علم “الغير” مثلما يستحوذ على عمل الغير، ولكن الاستحواذ الرأسمالي والاستحواذ الشخصي على العلم أو على الثروة المادية، هما شيئان مختلفان تماما. وكان الدكتور اور نفسه يتشكی من الجهل الفظيع بالميكانيك عند أعزائه أصحاب المصانع، مستثمري الآلات، أما ليبش فيتحدث عن الجهل المريع لأصحاب المصانع الكيميائية الإنكليزية بمسائل الكيمياء.

(2) يركز ریکاردو احيانا على هذا المفعول للآلات – رغم أنه لا يوليه انتباهاً كافياً، شأنه شأن الفارق العام بين عملية العمل وعملية إنماء القيمة – بحيث أنه ينسى ذلك الجزء من القيمة الذي تنقله الآلات إلى المنتوج، ويماثل تماما بين الآلات وقوى الطبيعة. فهو يقول مثلا: «إن آدم سميث لا يقلل أبدا من قيمة الخدمات التي تقدمها لنا قوى الطبيعة والآلات، ولكنه يميز بصواب طبيعة القيمة التي تضيفها إلى السلع… وبما أنها تنفذ هذا العمل مجانا فإن المساعدة التي تقدمها لنا لا تضيف شيئاً إلى القيمة التبادلية». (ریکاردو، مبادىء الاقتصاد السياسي). .( 336 – 337 .Ricardo , Principles of Political Economy , 3rd ed . London , 1821 , p) وبالطبع فإن ملاحظة ریکاردو، صائبة في معارضة ج. ب. ساي الذي يثرثر بأن الآلات تقدم “خدمة” تتمثل في أنها تخلق قيمة تؤلف جزءا من “الربح”.
(3) [حاشية للطبعة الثالثة. إن “الحصان البخاري” الواحد يعادل قوة 33,000 باون/ قدم في الدقيقة، أي القوة التي ترفع في دقيقة واحدة 33,000 باون إلى ارتفاع قدم (إنكليزي) واحد، أو باوناً واحداً بارتفاع 33,000 قدم. وهذا هو الحصان البخاري المشار إليه في النص. ولكن في اللغة التجارية العادية، وكذلك في بعض المقتطفات في هذا الكتاب يجري التمييز بين الأحصنة البخارية “الإسمية” و”التجارية”، أو “المؤشَّرة” في المحرك نفسه. وإن الحصان البخاري القديم، أو الإسمي، يحسب على وجه الحصر بموجب طول المكبس وقطر الأسطوانة ولا يؤخذ ضغط البخار وسرعة المكبس بالاعتبار إطلاقا. أي أن ذلك يعني عملياً ما يلي: يعتبر المحرك بقوة 50 حصاناً بخارياً إذا كان يدور بضغط بخار ضعيف وبسرعة مكبس بطيئة كما في أيام بولتون وواط، بيد أن العاملين الأخيرين ازدادا بدرجة كبيرة جدا منذ ذلك الوقت. وابتغاء قياس القوة الميكانيكية للمحرك هذه الأيام تم اختراع مؤشر يدل على ضغط البخار في المكبس. وبات من السهل تحديد السرعة. وهكذا يجري التعبير عن الحصان البخاري “المؤشَّر”، أو “التجاري”، بمعادلة رياضية يؤخذ فيها بالاعتبار وفي وقت واحد قطر الأسطوانة وطول المكبس وسرعة المكبس وضغط البخار، وهي معادلة تبين عدد المرات التي ينجز فيها المحرك 33,000 باون – قدم في الدقيقة فعلياً ولذلك يمكن لحصان بخاري إسمي واحد أن يقدم فعلياً ثلاثة أو أربعة أو حتى خمسة أحصنة بخارية مؤشَّرة أو فعلية. إن هذه الملاحظة مكرسة لتفسير مختلف المقتطفات الواردة فيما بعد. ف. إنجلز].
(*) ج. ب. باینز، صناعة القطن، محاضرتان في الموضوع أعلاه، ألقيتا على أعضاء مكتبة بلاكبورن، في معهد العلوم والميكانيك، بلاكبورن، لندن، 1857، ص 48. [ن. برلین].
(48 .J. B. Buynes, The Cotton Trade, Blackburn, London, 1857, p)
(4) إن القارئ المأسور بالتصورات الرأسمالية سيفتقد ذكر أي شيء عن الفائدة التي تضيفها الآلات إلى المنتوج بصورة تتناسب طرديا (pro rata) مع قيمتها كرأسمال. ولكن من السهل ملاحظة أن الآلة، شأنها شأن أي جزء آخر من مكونات رأس المال الثابت لا تنتج قيمة جديدة ولا تستطيع بالتالي، أن تضيف مثل هذه القيمة تحت اسم “الفائدة”. ولما كنا نعالج، هنا، إنتاج فائض القيمة، فليس بمقدورنا أن نفترض قبلياً (a priori) وجود أي جزء منها تحت اسم “الفائدة”.
ولسوف نشرح نمط الحساب الرأسمالي الذي يبدو للوهلة الأولى (prima facie) سخيفاً ومناقضاً لقوانين تكوين القيمة، وذلك في الكتاب الثالث من هذا المؤلف.
(5) إن هذا الجزء من مكونات القيمة، الذي تضيفه الآلة، يتقلص بصورة مطلقة ونسبية في تلك الحالات التي تحل فيها الآلات محل الخيول وغيرها من حيوانات الجر بشكل عام، التي تستخدم كقوة محركة تحديدا، وليس كآلة لمعالجة وتحويل المادة. ونشير هنا، عرضا، إلى أن دیکارت بتعريفه للحيوانات كآلات بسيطة كان ينظر إلى القضية بعين مرحلة المانيفاکتورة خلافاً للعصور الوسطى التي كانت تعتبر الحيوان – مساعداً للإنسان؛ وهذا هو ايضا رأي السيد هاللر فيما بعد في كتابه احياء الاقتصاد السياسي Restauration der Staatswissenschaften. أما أن دیکارت کان پری، شأن بيكون، أن تغير شكل الإنتاج والسيطرة العملية للإنسان على الطبيعة هما نتيجة للتغيرات في منهج التفكير فهذا ما يدل عليه كتابه مبحث في المنهج Discours de la Methode حيث يرد فيه ما نصه: “من الممكن، (باستخدام المنهج الذي أدخله دیکارت في الفلسفة) بلوغ معارف نافعة جدا في الحياة، وبدلا من الفلسفة التأملية التي تدرس في المدارس يمكن وضع فلسفة عملية نستطيع بفضلها، بعد أن نعرف طاقات وفاعلية النار والمياه والهواء والنجوم وسائر الأجسام الأخرى المحيطة بنا بنفس الدقة التي نعرف بها مختلف أشغال حرفيينا، أن نستخدم هذه القوي أيضا على غرار هؤلاء الأخيرين في جميع الإستخدامات المميزة لها وأن نصبح بذلك سادة الطبيعة ومالكيها”، وبالإضافة إلى ذلك أن نسهم في كمال الحياة البشرية. ويرد في مقدمة كتاب مبحث في التجارة Discourses upon Trade (عام 1691) للسیر دیودلي نورث أن منهج دیکارت المطبق على الاقتصاد السياسي أخذ يحرره من الحكايات القديمة والتصورات الخرافية عن النقود والتجارة وما إلى ذلك. ولكن الاقتصاديين الإنكليز المبكرين كانوا يتبنون على العموم فلسفة بيكون وهوبز، في حين أصبح جون لوك فيما بعد بامتياز فيلسوف الاقتصاد السياسي بالنسبة لإنكلترا وفرنسا وإيطاليا.
(6) يفيد التقرير السنوي لغرفة التجارة في إيسن (تشرين الأول/ أكتوبر 1863) أن مصانع كروب للفولاذ، والتي تحوي 161 فرنا للصهر والتحمية والاسمنت و32 محركاً بخارياً (في عام 1800 كان ذلك هو العدد العام تقريبا للمحركات البخارية المستخدمة في مانشستر) و14 مطرقة بخارية – تبلغ قوتها الإجمالي 1236 حصانة بخارياً – و49 كوراً للحدادة و 203 مخارط و2400 عامل تقريبا، قد أنتجت 13 مليون باون من الحديد الصلب المصهور في عام 1862. ونلاحظ أن ثمة أقل من عاملين لكل حصان بخاري.

(7) يقدر باباج أن عمل الغزل في جاوه يزيد لوحده قيمة القطن بنسبة 117%. وفي الوقت نفسه (عام 1832) كان إجمالي القيمة المضافة إلى القطن في الغزول الناعمة بواسطة الآلات والعمل في إنكلترا تبلغ حوالي 33% من قيمة المادة الأولية. (أنظر: في اقتصاد الآلات، ص 165-166).
(On the economy of machinery, London, 1832, p. 165-166).
(8) زد على ذلك أن الطباعة الآلية توفر في الأصباغ.
(9) قارن التقرير الذي ألقاه الدكتور واطسون: تقرير لحكومة الهند حول المنتوجات، ألقي في جمعية الفنون، 17 نيسان/ أبريل 1860.
(10) “إن هذه الوسائط الخرساء” (الآلات) “هي دوما نتاج عمل أقل كثيراً من ذاك العمل الذي تحل محله إذا كانت تحوز القيمة النقدية نفسها”. (ریکاردو، مبادىء الاقتصاد السياسي، 1821، ص 40).
(Ricardo, Principles of Political Economy, 3rd Ed., London, 1821, p. 40).
(11) حاشية للطبعة الثانية: لذلك سيكون للآلات في المجتمع الشيوعي مجال تطبيق رحب مغاير تماما لما في المجتمع البورجوازي.
(12) “لا يعمد أرباب العمل إلى تشغيل وجبتين من الأطفال دون سن الثالثة عشرة إلا اضطراراً … الواقع أن قسماً من أصحاب المصانع – غزول الصوف – نادرا ما يستخدمون حالياً عمل الأطفال دون سن الثالثة عشرة، أي انصاف الوقت (times half-). فلقد أدخلوا آلات متطورة جديدة من أنواع مختلفة تغني بالكامل عن عمل الأطفال، (أي الأطفال دون سن الثالثة عشرة). وعلى سبيل المثال أشير، توضيحا لهذا التقليص في عدد الأطفال، إلى عملية إنتاجية واحدة يمكن فيها لحدث واحد فقط، (أكبر من 13 سنة) بأن ينفذ عمل ستة أو أربعة أنصاف الوقت (times – half) – تبعاً الخصائص كل آلة – وذلك بعد إضافة جهاز يسمى آلة الفتل إلى الآلات المستخدمة سابقا”… “وإن نظام” أنصاف الوقت (half – times) قد حفز “على اختراع آلة الفتل”. (تقارير مفتشي المصانع، 31 تشرين الأول/ أكتوبر، 1858، [ص 42، 43]).

(13) “لا يمكن استخدام الآلات…. في الغالب إلا بعد ارتفاع العمل”، (يقصد بذلك ارتفاع الأجور). (ریکاردو، المرجع نفسه، ص 479).
(14) انظر: تقارير مؤتمر علم الاجتماع في إدنبره، تشرين الأول/ أكتوبر 1863.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن