الدولة في الفكر القومي والديني: عبد الإله بلقزيز

محمد علي مقلد
moukaled47@hotmail.com

2020 / 5 / 5

2 ــ الدولة في الفكر الديني والقومي: عبد الإله بلقزيز
الموقف من الدولة ومن الكيان اللبناني عبر عنه السيد حسن نصرالله جواباً على سؤال عن شكل النظام الذي يريده حزب اللّه في لبنان بقوله: «مشروعنا الذي لا خيار لنا أن نتبنى غيره كوننا مؤمنين عقائديين هو مشروع الدولة الإسلامية وحكم الإسلام، وأن يكون لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة وإنما جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق الولي الفقيه الإمام الخميني» (ورد هذا النص في ص.101من كتاب فايز قزي الذي الذي لم نستند إلى ما فيه من تحليلات ومواقف لكونه كتاباً في السياسة لا في الممارسة النظرية، وذلك بصرف النظر عن موافقتنا أو عدمها على الأفكار الواردة فيه). الموقف ذاته أشارت إليه الباحثة المقربة من حزب الله، الدكتورة أمل سعد غريّب(حزب الله، م.س.) في أكثر من مكان، مقتبسة من تصريحات قيادية أو مقابلات صحافية أقوالاً تكرر «رفض حزب اللّه للكيان اللبناني الذي ينسبه الحزب إلى إطار معماري فرنسي»(ص90)، وذلك، نقلاً عن أمينه العام، آنذاك، صبحي الطفيلي، «أننا لا نعتبر أنفسنا حزباً لبنانياً بل حزباً إسلامياً»، أو نقلاً عن قيادي آخر، «إن أولوية الهوية الإسلامية على الهوية اللبنانية ليست مفروضة بالعقيدة الدينية فحسب، بل بالمنطق أيضاً. فاللبنانية لا تستطيع منافسة الإسلام على ولاء المسلم في لبنان لأنها ليست أكثر من تعبير جغرافي، بينما الإسلام تعبير ثقافي وفكري وسياسي يتخطى الجغرافيا»(ص90). وقد استنتجت الباحثة من نصوص موثقة في هوامش دراستها أن «حزب اللّه يردد صدى تصور الإمام الخميني لإقامة دولة إسلامية كواجب ديني... وأن على جميع الدول في المنطقة أن تتوحد لتشكيل دولة إسلامية شاملة كلياً يكون لبنان جزءاً أصيلاً فيها، وإذا لم يحدث، يجب إقامة جمهورية إسلامية ضمن الحدود اللبنانية استباقاً لظهور المهدي» (ص47)
غير أن غريّب انتهجت في بحثها المنهج الدائري ذاته، فاستندت إلى وثائق ومستندات تعود كلها إلى مصادر ومراجع حزبية، فهي تعود إلى قول لمسؤول حزبي لتثبت رأياً لمسؤول آخر، وتعود إلى مقابلة أجرتها بنفسها مع أحد قيادييه لتؤكد موقفاً لقيادي آخر، ولذلك ظهرت على البحث الأعراض ونقاط الضعف ذاتها، ولا سيما منها «الخلط المفاهيمي» وغياب الربط المنطقي بين المقدمات والنتائج. فهي تعتقد أن حجر الزاوية في بنية الحزب الفكرية هو مثال الدولة الإسلامية المستند، لا إلى الثنائية الماركسية، مستثمرين ومستثمرين (بفتح الراء وكسرها)، أو مستغلين ومستغلين(بفتح الغين وكسرها) بل إلى الثنائية الخمينية، مستكبرين ومستضعفين (ظالمين ومظلومين)، ولهذا فهي أقامت توليفة من هذه الثنائيات فرأت أن الخميني «يستمد تأويله من النظرية الماركسية ومن القرآن»(ص27)، واستبعدت ثنائية، دينية هي الأخرى، يتم بموجبها تقيسم العالم إلى دار الإسلام ودار الحرب، لأن هذه الثنائية، برأيها، محسوبة على أهل السنة، ومنها تحدرت مصطلحات الحرب والجهاد والإرهاب، ولاسيما الإرهاب الداعشي، التي تضع المسلمين في مواجهة غير المسلمين، في حين تتشكل الجبهة المقترحة من جانب الفكر الشيعي، من ظالمين ومظلومين، على الجانبين، من مختلف الانتماءات. وبذلك تكون قد جازفت، من البداية، من خلال انحيازها المذهبي، بموضوعية البحث وقللت من قيمته العلمية. فكيف تفسر لنا الباحثة مصطلح الظلم؟
مفهوم الظلم مستمد، برأي الباحثة من الآية الخامسة من سورة القصص [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ]. لقد أجمع المفسرون، ومنهم الطبري الذي رأى «أن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها، من بني إسرائيل، فِرَقًا يستضعِف طائفة منهم (وَ) نَحْنُ [نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ] استضعفهم فرعون من بني إسرائيل [وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً]»، بدليل استكمال الآية بقوله تعالى في الآية السادسة: [وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ]. لكن الباحثة تجاوزت الإجماع وقفزت فوق أسباب النزول وظروفه، فبدا لها أن مفهوم الظلم الوارد في الآية، (ورد في الآية مفهوم الاستضعاف وليس مفهوم الظلم) لا يلمح إلى المسلمين في حد ذاتهم (وهو في الحقيقة يلمح إلى اليهود لا إلى المسلمين) بل إلى جميع الذين يستضعفون في الأرض، كما رأت «أن هذه الإشارة الدينية تتصل بالتسمية العلمانية للمظلومين مثل «المعذبون في الأرض» لفرانز فانون. هؤلاء المظلومون الذين يضيف وضعهم الاجتماعي المستغَل كشعوب العالم الثالث بعداً تحليلياً طبقياً علمانياً» (ص27-28). ما كان أسهل على الباحثة أن تشطب كل ما له علاقة باليهود، وأن تشحن الآية، عن طريق التعسف في التأويل، بمدلولات جديدة منها تلميح الآية إلى المسلمين وإلى سائر المستضعفين، مع أنها خلو من أي تلميح ولو ضمني، ومنها العلمانية والتحليل الطبقي والاستغلال، ربما لأن من يشرفون على الدراسات الجامعية في أوروبا قد لا يكونون من المستشرقين ولا ممن يتقنون العربية، وقد لا يهمهم من الدراسة إلا المعلومة في حد ذاتها، على أن يتولوا هم تحليلها، ذلك أنهم يتوخون جمع ما تيسر من معلومات أمنية يعتقدون أنها تفيدهم في معالجة ظاهرة الأصوليات الدينية التي راحت تتمدد نحو إوروبا بعد ظهورها في الشرق الإسلامي.
تأكيداً على اعتمادها المنهج الدائري تستند الباحثة في تأويلها التعسفي هذا إلى مرجع وحيد، هو عبارة عن مقابلة أجرتها مع أحد كادرات الحزب، الذي قد يكون ذا باع طويل في شؤون التنظيم الحزبي، من غير أن يؤهله ذلك ليصير في عداد الفقهاء والمرجعيات الدينية، فضلاً عن أنه ليس من الأسماء المشهود لها في عالم البحث العلمي. كما يمكن لأي متتبع أن يقرأ الأسماء ذاتها في قائمة المراجع، مقابلات أجرتها الباحثة مع قادة لحزب اللّه أو تسجيلات ونصوصاً من مؤسساته الإعلامية المرئية والمكتوبة والمسموعة، ولا نسوق هذه الملاحظة تقليلاً من أهمية هذه المراجع والمرجعيات بل لنثبت أن اعتماد الدراسة على المنهج الدائري يحوّلها إلى تكرار، من غير إضافات ولا إضاءات، للخطب والتصريحات والمقابلات الصادرة عن شخصيات قيادية، يستعير منها لغة السياسي بديلاً من لغة الباحث. غير أن غريّب تتناول الفكرة، أي فكرة، كممارسة نظرية في البداية، لكنها سرعان ما تتحول إلى ممارسة سياسية، فينتقل الظلم، على سبيل المثل، من منشئه القرآني، كمصطلح ديني فلسفي فقهي إلى مصطلح ذي مدلول سياسي ويصبح الظلم اللاحق بالشيعة «ناجماً عن الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان وعن التقسيم الثقافي للعمل الذي يمثل المجتمع اللبناني تمثيلاً نمطياً حيت تتداخل الطبقة والطائفة» (ص.29)، وعن «الفقر الذي يصبح مرادفاً للظلم حين تمارس الدولة سياسة تمييز وإهمال وسوء معاملة»(م. ن)، بحيث أن «ما يميز الظالمين من المظلومين سياسياً وثقافياً هو الموقف من الصهيونية والغرب وأميركا بالتحديد»(ص.30). مثل هذا الانزياح يحوّل البحث من دراسة أكاديمية إلى تقرير سياسي.
لقد اعتمدت الباحثة على المنهج الدائري في تناولها المفاهيم المتعلقة بالدولة الإسلامية والديمقراطية وولاية الفقيه. كما استخدمت، متأثرة بالفكر القومي، مفهوم «الغرب» والصراع مع الغرب عند كلامها عن العلاقة بالحضارة الرأسمالية. وعند وصولها إلى موضوع الصراع مع الصهيونية وإسرائيل والدور السياسي والعسكري لحزب اللّه اعتمدت في سرد الأحداث، من غير تدقيق، على مرجع وحيد هو المصادر الحزبية، كما اعتمدت على قراءة للآيات القرآنية المتعلقة باليهود تراعي فيها المناخ الأكاديمي في بريطانيا وترضي حزب الله، قراءة إيديولوجية ترجّح التحليل السياسي على التأويلات الفقهية. لقد بات من البديهيات أن القراءة الإيديولوجية تشكل عائقاً معرفياً وأن تحديد النتائج والخلاصات رهن بطبيعة المنهج الذي يعتمده الباحث، بحيث يمكن أن يفضي تحليل المعطيات ذاتها إلى نتائج مختلفة باختلاف المناهج وزوايا النظر، فتتراجع القيمة المعرفية للبحث ويرتفع المنسوب الإيديولوجي، وهو ما بدا جلياً حين استبعدت الباحثة صدور أي موقف سلبي حيال الديمقراطية على لسان السيد محمد حسين فضل الله، وحجتها الوحيدة في رفضها الكلام الذي ينسبه الكاتب مارتان كريمر إلى السيد فضل اللّه هو أنها تشك شكاً كبيراً «في أن يحمل مفكر ديني لا يشوبه تناقض فكري مثل السيد فضل اللّه مثل هذا الاقتناع بأن الأحزاب والمنظمات غير الإسلامية لا تستطيع القيام بدور في المجتمع الإسلامي أو الدولة الإسلامية لأن مثل هذا الدور سيمكنها من قلب النظام الإسلامي»(ص55). رأت الباحثة أن ما نسب إلى السيد فضل اللّه هو من مصدر منحول (م.ن)، في حين كان يمكن لها، بقليل من الجهد أن تتأكد من أن أقوال السيد موثقة في الصفحة 18 من العدد 65 من مجلة المنطلق، حيث يعبر عن الموقف ذاته من الديمقراطية بقوله: «إذا كانت القضية المطروحة هي الخيار بين النظام الديمقراطي وبين النظام الاستبدادي، ليختاروا (المسلمون) الانسجام مع النظام الديمقراطي ويرفضوا النظام الدكتاتوري، لأن الإسلاميين يستطيعون ممارسة حريتهم... على أن ذلك لا يعني اعتراف الإسلاميين بالنظام الديمقراطي من ناحية فكرية وعملية»، ليلتقي بذلك مع الشيخ نعيم قاسم الذي وافق على الدخول في الندوة البرلمانية، لا ليندمج في الدولة بل ليوظف هذا الموقع في صالح مشروعه السياسي.
سنحاول أن نثبت دور المنهج والقراءة الإيديولوجية من خلال قراءة نقدية لدراسة ذات علاقة بأحزاب اللّه وضعها برهان غليون عن علاقة الدين بالدولة في كتابه الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، عام 1991، ومن خلال المقارنة بين بحث في الممارسة السياسية وآخر في الممارسة النظرية للمفكر عبد الإله بلقزيز يتناول فيهما الموضوع ذاته ويتوصل إلى خلاصات متناقضة ومتعاكسة تماماً.
يعرض برهان غليون نظريته عن الدين والدولة من زاوية الفكر القومي والمنهج المثالي. فهو لم يلحظ فارقاً جوهرياً بين الحضارة الرأسمالية والحضارات السابقة عليها، ويرى أن التاريخ يكرر نفسه وأن ما حصل للثقافة العربية مع صعود المدنية الغربية هو نفسه ما حصل للثقافة الغربية أمام «صعود هيمنة وسيادة الإسلام ومدنيته في القرون الوسطى»(الدولة والدين،ص218)؛ كما يرى أن الغرب يخوض الحرب العلنية ضد المدنية الإسلامية (م.ن.ص219). استخدام مصطلح الغرب بدل الرأسمالية يعكس موقف الأصوليات الدينية واليسارية والقومية من الحضارة الرأسمالية بما هي استعمار أو نهب متوحش لثروات الشعوب أو بما هي، بحسب تعبيره، «غزو منظم دام عدة قرون... منذ الحروب الصليبية ... بهدف السيطرة مادياً وجغرافياً على مصدر الهيمنة الروحية أي أرض المسيح» (ص219). وهو يرى أيضاً أن «انهيار مواقع وجاذبية العقائد والقيم المستمدة من الثقافة الغربية يؤلف عنصراً رئيسياً من العناصر التي تفسر زياة الطلب على الإسلام»(ص225)، وأن المجتمعات البشرية لم تشهد علاقة متوترة بين الدين والدولة إلا في حقبة محدودة من تاريخ القارة الأوروبية(ص285)، وأن الإسلام هو منبع قيم النظام والسياسة مثلما هو ملهم قيم المقاومات الشعبية(ص289)، وأن المجتمعات الشرقية عموماً والعربية على وجه الخصوص،هي الأكثر علمانية في عالم اليوم (ص337)، وأن المجتمع العربي الإسلامي لم يكن قبل الدخول في عصر الحداثة، مجتمع اضطهاد ديني، كما أنه لم يعرف نظام العبودية(ص463)، وأن الأخلاق والقيم الروحية كانت في أساس تحول الحرية إلى قيمة مطلقة حفزت على الكفاح ضد ظلم المجتمعات الإقطاعية الكنسية(ص462).
وراء هذه القراءة للوقائع والمعطيات التاريخية منهج مثالي يتغذى بالفكر القومي وينحاز للعروبة والإسلام ضد الحضارة الغربية، مستنداً إلى مفاهيم لا تجاري التطور ولا سيما في علم المصطلح. فالحضارة الحديثة، مع أنها نشأت في الغرب، ليست غربية ولا أوروبية ولا مسيحية، وليست عدواناً على الشرق ولا هي استمرار للحروب الصليبية، ولا تتحدد خصائصها بهويتها الجغرافية ولا الدينية، بل بكونها أحدثت انقلاباً على حضارة إقطاعية سادت في الغرب كما في الشرق، وثورة على قيمها الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن بينها نظام العبودية الذي لم تنجح التعاليم الدينية بإلغائه عملياً رغم دعوتها إلى ذلك نظرياً. كما أن العلمنة ظاهرة سياسية لم تعرف إلا مع الرأسمالية ويستحيل تطبيقها في مجتمعات غير ديمقراطية؛ والحرية لم تنشأ كحاجة للكفاح ضد الكنيسة بل كضرورة لتبديد الوهم بعجز العقل البشري؛ والدولة القطرية-الوطنية لم تنشأ كبديل عن الدولة الإسلامية، على ما يقول غليون (م.ن.ص208)، بل لترسيم حدود الأنظمة السياسية-الاقتصادية الجديدة.
المنهج المثالي والمنهج الدائري يتوصلان إلى الخلاصات ذاتها، فهما لا يعترفان بأن الرأسمالية حضارة، ولا يستخدمان المفاهيم والمصطلحات الخاصة بها، ويطلقان عليها تسميات ونعوتاً لا تصلح إلا لتصنيفها كائناً معادياً للأمة العربية في نظر الأول وللأمة الإسلامية في نظر الثاني. مع أن الرأسمالية وحدت العالم بالاقتصاد والعلوم واللغة ووسائل الاتصال والتواصل والمواصلات وجعلت الكرة الأرضية بمثابة قرية كونية(راجع المقدمة)، فما زالت التيارات المتشددة دينياً وقومياً ويسارياً تلتقي على الاعتراض على منجزات الثورة الرأسمالية، يحدوها حنين إلى ماضٍ مضى، وترفض على نحو خاص، البنية السياسية الجديدة التي اختارتها الرأسمالية لأنظمة الحكم، أي الدولة الدستورية. غير أن غليون الذي لا يشارك هذه التيارات موقفها من الدولة ومن الديمقراطية، بل ويتعارض معها في ما يتعلق بالعلمنة والمجتمع المدني، يصر على طرح مشكلة الهوية القومية في مواجهة «الغرب» الاستعماري. باختصار، إن التعارض بين انحيازه للديمقراطية والحداثة، وهو كاتب «بيان من أجل الديمقراطية» عام 1986، واختياره المواجهة مع الغرب الاستعماري إلا التعبير عن تعارض في المنهج وآليات التفكير بين الممارسة النظرية المنحازة إلى الحداثة والممارسة السياسية من داخل الانخراط في معركة التحرر الوطني.
الأمر ذاته ينطبق على عبد الإله بلقزيز، مع فوارق ربما تتعلق بالنشأة الأكاديمية أو تكون تعبيراً عن فوارق بين المشرق والمغرب. لقد شكل كتابه الدولة والمجتمع، جدليات التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر، الصادر عام 2008، عن دار منتدى المعارف في بيروت، مرجعاً أساسياً في دراستنا هذه، عند كلامنا عن الدولة في مقدمة هذه الدراسة، ولن أتردد في القول أن الكتاب هو من أهم ما نشر في اللغة العربية عن الدولة عموماً وعن الدولة في العالم العربي على وجه التحديد، فضلاً عن كتاب آخر، على المستوى ذاته من الأهمية، عنوانه، في نقد الخطاب القومي، أصدره عام 2010 عن مركز دراسات الوحدة العربية، وأن كتبه الأخرى، وهي كلها تتناول قضايا في الفكر السياسي والحداثة والنهضة والدين، هي قيمة مضافة على صعيد منهجية البحث، وأنها تبحر في ميدان الممارسة النظرية. غير أن الكتاب الذي نشره في عام 2000، غداة تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الاسرائيلي، وهو بعنوان، المقاومة وتحرير جنوب لبنان: حزب اللّه من الحوزة العلمية إلى الجبهة، ثم أعاد نشره مع إضافة عليه عام 2006 في طبعة جديدة صدرت عن مركز دراسات الوحدة العربية تحت عنوان، حزب اللّه من التحرير إلى الردع، بدا كأنه تغريد خارج السرب لأنه اختار مادته، خلافاً لكل كتبه الأخرى، من حقل الممارسة السياسية لا من حقل الممارسة النظرية.
في كتابه عن الدولة، يقول بلقزيز، بعبارات متفرقة اقتبسناها بنصها الحرفي: «لا سبيل إلى أن يعيش مجتمع من دون دولة... ولد المجتمع مرتين، مرة كمجتمع، ومرة ثانية حين قامت فيه الدولة... وربما كانت الدولة أهم اختراع إنساني في التاريخ... ولولا الدولة لكانت الحياة الاجتماعية جحيماً لا يطاق...ولا مكان لشيء اسمه الحرية(حرية الإنسان الفرد) خارج نطاق الدولة.. وعلى الدولة أن تحتكر ممارسة العنف، بأخلاقيته الإنسانية والاجتماعية، العنف الذي ليس أكثر من فرض احترام القانون...والدولة إذ تحتكر العنف فلأنها تحتكر تطبيق القانون... وإذا ما بدأت الدولة في فقدان سلطانها السياسي تتذرر في صورة ميليشيات تنتزع سلطة الدولة وبقايا أجهزتها... وتتحول معها الجماعات إلى كيانات ذات طبيعة مؤسسية: إلى كيانات طائفية مغلقة ... أي إلى دولة صغرى داخل الدولة، وهي حالة يمتنع معها قيام مجتمع وطني ودولة وطنية جامعة... فيبنى النظام السياسي (عندئذ) على مقتضى المحاصصة الطائفية والمذهبية والعشائرية والعائلية والإثنية... يحصل ذلك باسم «المشاركة»، وهي حقاً مشاركة، ولكن ليس في بناء وطن ودولة وإنما في تدميرهما... في حال فتنة داخلية وفي حال عدوان خارجي تبدو الدولة خشبة الإنقاذ الوحيدة للمجتمع والجماعة... (ولكن) ما زال القومي يقرن شرعية الدولة بالوحدة والماركسي ببقايا حلم الاشتراكية والاسلامي بطوبى الخلافة». في بداية تسعينات القرن الماضي توصلنا، من خلال نقدنا تجربة الحرب الأهلية، إلى استنتاج مفاده أن خارطة الطريق لخروج لبنان من أزمته، وكذلك كل بلد من بلدان العالم العربي، تبدأ بإعادة بناء الدولة، دولة القانون والمؤسسات والكفاءة وتكافؤ الفرص والديمقراطية وتداول السلطة. لكن الفرضية كانت أقرب إلى حدس أشار إلى الخلل، من غير يشرح أعراضه، فكان كتاب بلقزيز من بين أهم المراجع التي ساعدتنا على الانتقال من الحدس إلى تعميق البحث. صحيح أن الفرضية لم تكن ابتكاراً غير مسبوق، لكنها بدت، في توقيت طرحها، كأنها مغامرة طائشة في مواجهة صريحة مع الجميع، مع السلطة ومع المعارضة، مع الحكام المتنافسين على «المحاصصة الطائفية والمشاركة»، ومع القوى القومية واليسارية والإسلامية التي لا تزال «تقرن شرعية الدولة بالوحدة أو ببقايا حلم الاشتراكية أو بطوبى الخلافة»، لأن فكرة الدولة تصغر، في نظرهم، إزاء المواجهات الكبرى مع «الإمبريالية والصهيونية والاستعمار»، ولأن النضال ضد المخاطر الخارجية يحتل الأولوية لديهم، ويشكل لدى الحكام ذريعة مثلى وغطاء لتأبيد سلطاتهم.
في كتابه عن حزب اللّه لم يخلع بلقزيز ثوب الباحث، لكنه اختار لبحثه حقل الممارسة السياسية بدل الممارسة النظرية، مع ما يناسب هذا الحقل من المصطلحات والأسلوب واللغة، ما جعل بحثه ينحو منحى الكتابة الصحافية التي تتردد فيها مواقف القوى السياسية ونبرة الصوت الخطابي، وتنحاز، مهما تظاهرت بالحيادية، لتعبر عن وجهة نظر وموقف وبرنامج عمل وخطة، كأنما يطبق على نفسه كلاماً قاله عن المثقف والباحث، ثم يسوغ لنفسه هذا التردد بين الممارستين، فهو يقول: «سيظل أمراً إشكالياً هذا التجاذب في فكر المرء، الباحث أو المثقف، بين نشدان المعرفة الموضوعية وبين التزام موقف إيديولوجي في مسألة اجتماعية أو سياسية» (نقد الخطاب القومي، مركز دراسات الوحدة العربية، 2010، ص18)، كما يقول «إن العلاقة بالسياسة قد تكون إيديولوجية وقد تكون علمية... ومن الخفة وقصر النظر حسبان ما هو إيديولوجي بعيداً دائماً عن ضفاف الفكر»(م. ن. ص19). لهذا بدا كتابه، بنسختيه الأصلية والمعدّلة، بمثابة منبر إعلامي «لحزب اللّه ومعسكر المقاومة والممانعة والرافضين العرب»(ص101) في مواجهة «معسكر المذعنين المدعوم من أميركا والمؤتمر بإمرتها»(ص102).
لئن كان واضحاً من وضعنا الكتابين موضع المقارنة أننا تناولنا الأول، عن الدولة، بكثير من الإشادة، واتخذناه مرجعاً، فليس يعني ذلك أننا سنقرأ الثاني، عن حزب الله، بعين النقد، اعتراضاً على مضمونه، مع أن بعض أفكاره هي موضع اعتراض حقاً، خصوصاً تلك المتعلقة بتجربتنا المشتركة في النضال ضد أعداء الخارج، الإمبريالية والصهيونية، والتي أشبعناها نقداً وتحليلاً في كتابات سابقة وفي المقدمة، بل سنحاول أن نبيّن أن البحث في حقل الممارسة النظرية ربما يكون أكثر جدوى لاستخلاص الحقائق، فيما حقل الممارسة السياسية محفوف بمخاطر الابتعاد عن الموضوعية والبحث العلمي، لأن السياسة، بالتعريف، انحياز لموقف أو لبرنامج أو لإيديولوجيا، وسنقدم الدليل على ذلك من خلال وجود تعارضات بين الممارسة التطبيقية(السياسية) في كتابه عن حزب اللّه والممارسة النظرية في كتابه عن الدولة.
أولا: مما لا شك فيه أن لبنان قدم نموذجاً يحتذى في مواجهة جيش الاحتلال الصهيوني، إذ سطر حزب اللّه ملحمة بطولية فريدة لم تشهد الساحة العربية مثيلاً لها على مختلف الجبهات والحروب والنضالات في مواجهة إسرائيل وفي سبيل القضية القومية. وإذا كانت المقاومة الفلسطينية قد أرست الأسس للكفاح المسلح فإن المقاومة اللبنانية التي نشأت في كنف الأحزاب اليسارية والتنظيمات الإسلامية عموماً وحزب اللّه على وجه الخصوص، طورت التجربة وتوجتها بانتصار جلي واضح يوم أنجزت تحرير الأرض ودحرت المحتل بلا قيد ولا شرط. في هذا السياق نشارك الباحث رأيه في أن التجربة اللبنانية شكلت درساً ثميناً للعرب فحررتهم من «خوفهم ومن ثقل الشعور القاتل بالدونية والصغار وزراية النفس أمام الوحش الكاسر و«جيشه الذي لا يقهر»»(ص98-99)
ثانياً: تولّد في وعي الإنسان العربي وضميره من المحيط إلى الخليج شعور مميز حيال لبنان، لكن ذلك لم يحصل غداة تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرئيلي عام 2000 فحسب، بل إن هذا الشعور قديم منذ استقلاله ومرتبط بأسباب عديدة أهمها خصوصية نظامه السياسي الذي حافظ على التنوع والتعدد فيه، وعلى مستوى مقبول من الديمقراطية والحريات السياسية والإعلامية لم يعرفه أي نظام عربي آخر، وفي مناخ الحريات هذا نهضت ونشطت مؤسسات المجتمع المدني والنقابات والأحزاب، وتحول هذا الوطن الصغير إلى متنفس لكل حركات المعارضة وإلى سند لحركة التحرر في العالم العربي، وفي القلب منها منظمة التحرير الفلسطينية التي شكلت الأحزاب اليسارية بيئتها الحاضنة، وفي كنفها نشأت المقاومة الوطنية اللبنانية، وبذلك تكون ولادة حزب اللّه ومقاومته الباسلة قد حصلت في سياق كتابة الصفحات الناصعة لتاريخ لبنان أو تتويجاً لها.
ثالثا: إذا كانت الحرية من خصوصيات هذا الوطن الصغير، فالحريات فيه كانت مغلفة بقشرة سميكة من الاستبداد في نظام ما زال السجال حوله مستمراً لتشخيص أمراضه وتحديد أعراضه. وليس من البديهيات تحميل الطائفية فيه مسؤولية عيوبه (راجع الفصل المتعلق بنقاش مسألة الطائفية في مؤلفات مهدي عامل). وفي المقابل هناك بلدان أخرى عمل قادتها على تجميل نظامها الاستبدادي بحد أدنى من الحريات في مجال الفن وقطاع التعليم، على غرار ما كانت عليه الحال في مصر وتونس أيام الناصرية والبورقيبية، أو في المغرب في ذروة النهوض الثقافي الذي ترعرع في كنفه مفكرنا الكبير عبد الإله بلقزيز، مع دور ريادي لمحمد عابد الجابري استاذ هذا الجيل من المفكرين. غير أن مبدأ احتكار العنف من قبل الدولة لم ينتهك إلا في لبنان، وهذا ليس عائداً إلى هامش الحرية وحده الذي نعمت به الأحزاب السياسية بقدر ما يعود إلى حاجة الأنظمة العربية إلى إبعاد كأس التغيير، كل عن أرضه، وتوفير كل المتطلبات والموجبات لحصر هذا «الخطر» قدر المستطاع داخل حدود الأراضي اللبنانية ولو على حساب وحدة الوطن والدولة. غير أن «حساب الحقل لم يطابق حساب البيدر»، إذ سرعان ما انتشرت مفاعيل التجربة اللبنانية الرائدة في كل أنحاء الوطن العربي وأطلقت شرارة الربيع من تونس بوعزيزي، بحثاً عن الحرية والديمقراطية.
رابعاً: الممانعة والمقاومة معسكر واحد على صعيد الممارسة السياسية، إلا أنهما متناقضان على صعيد الممارسة النظرية. لقد حاولنا أن نوضح دلالة هذا المصطلح في كتابنا، الشيعية السياسية (الدار العربية للعلوم، ناشرون، 2012،ص137-138)، ورأينا أنه ينطوي على معنى الموافقة المؤجّلة من جانب النظام السوري، على التسوية مع الكيان الصهيوني بانتظار تحسين شروطها، من غير المبادرة إلى العمل على تحسينها، والاكتفاء بتضحيات يقدمها الشعب اللبناني أو الشعب الفلسطيني. وهي، بحسب تعبير ياسين الحج صالح، امتناع عن مواجهة العدو(مادة ممانعة، نقلاً عن غوغل)؛ وهي بحسب لؤي حسين(صفحته على التواصل بتاريخ 10-4-2019) ليست أكثر من رفض ما يطرحه الآخرون، وهي لا تكون فعلاً بل ردة فعل. أما المقاومة فهي تعبير عن رفض مطلق لكل أشكال التسويات معه. ومن سوء حظ المقاومة بكل أطيافها أن نهوضها كان رهناً بدعم الأنظمة العربية وإيران، وأنها تحولت، بعد الاتفاقات الثنائية التي عقدتها مصر والأردن مع إسرائيل، إلى رهينة لدى «دول الطوق» في البداية ثم لدى جبهة الصمود والتصدي، ولاحقاً عند نظام الممانعة الوحيد، نظام البعث السوري، الذي احتكر شرايين تمويلها وتسليحها حتى باتت علاقتها به علاقة موت أو حياة، فأذعنت لشروطه وارتضت أن يفاوض بقوة تضحياتها وانتصاراتها من أجل تأجيل التسوية لا من أجل تحرير الأرض.
خامساً: بسبب من موقف الممانعة هذا لم يكن النظام السوري، وبالتالي معسكره أيضاً، سعيداً بانسحاب الجيش الإسرائيلي ذليلاً من لبنان، بعد أن كان قد «مانع» لسنوات أي انسحاب جزئي، وحجته في ذلك إما أن يكون انسحاباً كلياً أو لا يكون. وهذا تناقض آخر بين ممارسة نظرية تفترض الاحتفال بالنصر وتقديمه هدية للوحدة الوطنية واستعادة السيادة، فيما اتجهت الممارسة السياسية إلى ربط مصير المقاومة لا بنتائج نصرها الباهر بل بمتطلبات ومستلزمات نظام الممانعة الذي لم يكن يعمل لتحرير الأرض، والذي لو أدرج تحرير الجولان على جدول عمله لكان بذل في سوريا ما بذله في لبنان لبناء مقاومة يوجهها وجهة التحرير بدل استخدامها من بين أوراق تفاوض مسدود الأفق، أو ذي أفق وحيد هو الموافقة على تسوية بشروط أكثر سوءاً.
سادساً: في الممارسة النظرية، تبدو الدولة، في نظر بلقزيز، هي المعيار، ويحكم على سلوك القوى السياسية والأحزاب، كما الأفراد، بالقياس إلى دورها في تعزيز دور الدولة واحترام قوانينها. أما في الممارسة السياسية فالنظام السوري، في نظره، هو المعيار. في الممارسة النظرية، المهمة الأساسية أمام بلداننا هي الخروج من التخلف والدخول في الحداثة وخارطة الطريق لتحقيق هذه المهمة تبدأ ببناء الدولة. أما في الممارسة السياسية فالأولوية هي للصراع مع الإمبريالية والصهيونية والاستعمار. ففي كتابه عن الدولة، يقول بلقزيز «إن افتراض وجود دولة لا تمارس العنف هو ضرب من الطوبى ويتعارض مع فكرة الدولة، وافتراض دولة من دون عنف هو افتراض اللادولة، والدولة لا تستطيع أن توجد وأن تقوم وأن تنهض بأدوارها من دون حيازتها أسباب القوة وممارسة العنف المشروع والشرعي عند الاقتضاء، وفي غياب الدولة يتخذ العنف شكل الحروب الأهلية... والعنف بمعناه السياسي ليس أكثر من فرض احترام القانون... والدولة لا تمارس العنف فقط بل عليها أن تحتكر العنف...»(ص64-67). أما في كتابه عن حزب اللّه فهو يشكك بما يضمره قرار مجلس الأمن الداعي إلى خروج جميع القوات الأجنبية من لبنان وإلى حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها، مع أن القرار يطالب بأن «تحتكر الدولة اللبنانية أجهزة العنف العسكرية والأمنية»، ويعود سبب التشكيك إلى أن تنفيذ القرار «سيصب في رصيد إسرائيل وأمنها وفي رصيد السياسة الأميركية»(ص62) وسيساعد القوى السياسية اللبنانية «التي تقف ضد الوجود السوري وتطالب بالسيادة والاستقلال» (هامش الصفحة ذاتها). وفي السياق ذاته يمكن أن نقارن بين الموقف المبدئي(الممارسة النظرية) من احتكار الدولة العنف وقرار قوى الممانعة(الممارسة السياسية) بعدم الموافقة على دخول الجيش اللبناني إلى الجنوب بعد التحرير. وهكذا يظهر بوضوح أن ما تعتبره الممارسة النظرية موقفاً وطنياً تراه الممارسة السياسية خيانة قومية.
سابعاً: في كتابه عن الدولة، يبتكر بلقزيز مصطلحاً جديداً هو «فقه الفتنة»، ليفسر النزاعات الدائرة بين من يكفّرون بعضهم بعضاً، ويدّعي كل منهم أنه هو الذي يمثل الإسلام «الصحيح» وأنه يمثل الفرقة الناجية وأن الآخرين على ضلال،(ص.238)، إذ لم يحصل، برأيه، في تاريخ المسلمين، انقسام حاد كالذي عليه الحال في لبنان أو العراق، على سبيل المثل، إلا «حين انتقل عقل المسلمين إلى إنتاج فقه جديد هو فقه الفتنة، وهو فقه لا يقوم على أي مقدمات عقلية تبنى عليها معرفة، بمقدار ما يصمم نفسه على مقتضى مطالب سياسية تركب مركب الدين والفقه وتجد في بعض رجال الدين ألسِنَةً تجذف بها للوصول إلى الضفاف (السياسية) التي تروم بلوغها»(ص.239). وحين تعمق في البحث وجد أن هذا «الصراع المذهبي الجاري هذه الأيام ليس صدى لما قبله في القرون الوسطى وإن كان يشبهه في البشاعة ويتفوق عليه، وإنما صراع معاصر وأسبابه معاصرة وموضوعه سياسي(الصراع على السلطة) وإن اتخذ شكل صراع مذهبي قديم»(ص243)، فأعاد أسبابه الثقافية إلى أزمة الديمقراطية وغياب الشرعية الدستورية وانعدام وجود حداثة سياسية ترسي فكرة المواطنة وهشاشة البنى الاجتماعية الداخلية وغياب المشروع المجتمعي وإخفاق المشروع الثقافي العربي(ص244-249)، وهي كلها عوامل داخلية. وفي حين يرى أن «الأثر الخارجي عديم المفعول إن لم يجد البيئة الداخلية المستقبلة والحاضنة: أعني تلك العوامل الداخلية نفسها»(ص244)، فهو سرعان ما يعود إلى تحميل السياسة الكولونيالية الأميركية الجديدة والتدخل الاستعماري-الصهيوني مسؤولية توظيف «الانقسام المذهبي لإلقاء القبض على المصير الكياني للمجتمعات العربية وإعادة تكوينها على قوام عصبوي طائفي وقبلي ومذهبي»(ص240- 241).
تفادى بلقزيز، في كتابه عن حزب الله، تطبيق استنتاجاته النظرية، في ما يتعلق بالصراع المذهبي، على الشيعة والواقع اللبناني، فتقدمت إلى الواجهة صورة حزب اللّه المكافح ضد العدو القومي وتراجعت صورته كحزب يمثل جزءاً من الشيعة الإثني عشرية تحت راية الولي الفقيه الإيراني، ويحارب التكفيريين المحصور وجودهم، برأي حزب الله، بين أهل السنة. كما تجاهل كل استنتاجاته عن الدولة في ما يتعلق بدور النظام السوري في لبنان وبموقعه من الصراع على القضية الفلسطينية ومن أجلها وبموقفه من أحداث الربيع العربي، فتراجعت صورة النظام الاستبدادية في الداخل لتتقدم صورته كنظام ممانعة.
هل يمكن لعقل واحد أن يفكر بطريقتين أي بمنهجين؟ أو هل يمكن للعقل ذاته أن يتوصل، في تحليله الظاهرة ذاتها، إلى نتيجتين متغايرتين، إحداهما علمية وأخرى إيديولوجية؟ موضوع العلاقة بين العلم والإيديولوجيا تناوله الفيلسوف المغربي محمد الوقيدي في كتابه، العلوم الإنسانية والإيديولوجيا، ورأى أن الإيديولوجيا قد تشكل واحداً من العوائق المعرفية، إلى جانب عوائق أخرى، منها التعميم والتجربة الأولى وغياب النظرية والمكبوتات العقلية والتداخل بين المعرفة العامة(الرأي العام) والمعرفة العلمية، ذلك «أن الرأي خاطئ دائماً لأنه يفكر بصورة سيئة، بل لا يفكر أبداً» (ص. 129-141). أما بلقزيز فقد قام بجولة واسعة على من تناول هذا الموضوع من المفكرين والفلاسفة وعلماء الاجتماع، وتوصل إلى نتيجة مختلفة جزئياً، قوامها أنه قد تم شحن هذين المصطلحين بدلالات جديدة «...وأن علوماً إنسانية جديدة سدّدت ضربة موجعة للعلموية ويقينياتها في مجال دراسة الظواهر الاجتماعية والإنسانية... ما جعل المعرفة العلمية في العلوم الإنسانية تفقد صفة الحتمية والموضوعية الصارمة وتهبط إلى معنى الفهم الأمثل للظاهرة...»(المعرفي والإيديولوجي في الفكر العربي المعاصر، أعمال ندوة فكرية، مركز دراسات الوحدة العربية، 2010،ص8-9). وفي ظننا أن بلقزيز بنى بحثه النظري على معيار، وخطابه الصحافي على معيار آخر. ينطلق الأول من أولية العوامل الداخلية في تطور الأوطان، وعلى رأسها بناء الدولة الحديثة، دولة الحق والقانون، فيما ينطلق الثاني من أولية القضية القومية والصراع مع أعداء الخارج، الاستعمار والصهيونية؛ أو لنقل، بتعبير آخر، إنه ينطلق من موقع واحد هو الحرص على الوطن والدولة والنهوض بهما ومواجهة المخاطر التي تواجههما في الداخل أو في الخارج. غير أن من سوء حظ التحليل النظري أن مجال تطبيقه(الممارسة السياسية) هو المشرق العربي، حيث يتجسد الخطر الخارجي، في أوضح صوره، بالكيان الصهيوني الذي يشكل حالة فريدة من نوعها في تاريخ الرأسمالية الحديث، لأنه يمثل أفظع أنواع الاحتلال والاستعمار بشاعة ووحشية، ما جعل القضية الفلسطينية القضية الأولى بحجم تعقيداتها العربية والدولية وما تحدر منها، وعلى ضوئها، من خيارات فكرية وسياسية مثيرة للجدل والسجال لا بين الخصوم فحسب بل بين المتشابهين والحلفاء الافتراضيين من أبناء الخندق الواحد.
في هذا السياق يمكن النظر إلى ما حسبناه تعارضاً بين الممارسة النظرية والممارسة السياسية. فقد رأى بلقزيز، عن حق، بمنظاره القومي، أن حزب اللّه واجه جيش الاحتلال ببطولة غير مسبوقة في تاريخ الحروب مع إسرائيل، محققاً أول انتصار عربي لا لبس فيه في العام 2000. غير أن بلقزيز لم يطرح سؤالين يمكن، بل ينبغي، طرحهما على كل مقاومة للاحتلال، الأول حول مشروع المقاومة لما بعد التحرير، والثاني حول احتمال توظيف هذا الانتصار في غير صالح بناء الدولة في لبنان. لا تخطر مثل هذه الأسئلة حين يكون التركيز على مواجهة الخطر الخارجي، حتى لو انطوى ذلك على آثار جانبية قد يكون من بينها ما يهدد الدولة في كيانها وسيادتها، خصوصاً أن العاملين السوري والإيراني، في معادلة الصراع القومي مع إسرائيل، لا يحسبان، في نظر بلقزيز، من العوامل الخارجية. مع أن ذلك لم يكن موضع إجماع لا لبنانياً ولا عربياً، بحسب قوله: «لأن تقدير «الخطر الشيعي» ... والموقف من المقاومة «الشيعية» لم يكن عاماً سائر دول العرب، فبعضها لا يعنيه كثيراً التفكير في الخطر الإيراني لأسباب ثقافية وأجتماعية، وهذه حال بلدان المغرب العربي والسودان واليمن رسمياً وشعبيا ما يفسر انقسام النظام العربي بين معسكرين، معسكر المقاومة والممانعة ومعسكر التغطية على العدوان... الأول يضم سورية وبعض النظام اللبناني وبعض السلطة الفلسطينية...» (بلقزيز، حزب الله، م.س.ص101-102)، إلا أن إشارته إلى الانقسام اللبناني أو الفلسطيني لم تبلغ حد الإنذار من «خطورة الفراغ الذي يخلفه غياب الدولة». ومع أنه كرر، على امتداد صفحات كتابه، الإشارة إلى «أن استبداد سلطات الأمر الواقع الأهلية والعصبوية يقترف من المعاصي ما يأتي على الدولة والمجتمع معاً بمعاول الهدم، ولا يترك للمجتمع الإنساني مكاناً وأن صيغة الدولة المولدة من جوف الفتن والحروب الأهلية أكثر تشوهاً وفظاعة من طبعتها الأولى الساقطة تحت سنابك خيل المحاربين الساخطين على دولتهم»(مقدمة الطبعة الثانية من كتابه عن الدولة)، إلا أنه لم يدرج الانقسام اللبناني أو الفلسطيني أو العربي ضمن احتمالات تحوله إلى حروب أهلية.
* فصل من كتاب أحزاب الله الصادر عن دار غوايات في بيروت 2020



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن