المثقفون المصريون ومناهضة التطبيع فى عهد السادات - 4

سعيد العليمى
memosat1945@yahoo.com

2020 / 4 / 12

الإذلال الاسرائيلي وكرامة مصر القومية

لا يمل الرئيس السادات من ان يكرر في احاديثه وخطبه ومقالاته انه يرفض الوصاية على مصر . وهو يعانى في الواقع من محاولات الكثيرين لفرضها ، حتى زين له ذلك في كثير من الأحيان ان مجرد التعبير عن فكره يشكل وصاية .. فالمعارضة تريد فرض وصايتها على مصر ... وكذلك المحامون والطلاب والعمال والموظفون..باختصار : الجميع ،عدا بطانته واعوانه الكبار ، وحزبه الوطنى الديمقراطي ، واسرائيل ، والولايات المتحدة الامريكية .
من ناحية اخري اعتاد السادات ان يذكر مواطنية بالباشوات القدامى الذين كانوا يركعون امام المعتمد البريطانى زمن الاحتلال ، فما هو موقفه يا تري من المعتمد الاسرائيلى الجديد اسحاق شامير !
لقد بعث وزير الخارجية الاسرائيلي رسالة حادة تلقاها السيد كمال حسين على نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية ، تضمنت احتجاجا على مواقف الصحافة المصرية التى دأبت مؤخرا على انتقاد السياسة الاسرائيلية .فهل تجاوز وزير الخارجية الاسرائيلية حدوده وانتقص من السيادة المصرية وحاول فرض الوصاية !
فى الواقع كل ما يطلبه المعتمد الجديد يستند إلى ((الوصاية المقننة)) اى الى ما ورد في معاهد السلام بملحقها الثالث بشأن علاقات الطرفين في المادة الخامسة ، الفقرة الثالثة حيث تنص :
((يعمل الطرفان على تشجيع التفاهم المتبادل والتسامح ويمتنع كل طرف عن الدعاية المعادية للطرف الآخر )) وقد كان مفهوما حين عقدت المعاهدة ان هذا يعني انتهاء عصر الحملات الاعلامية ، والأعمال الدعائية المضادة ثقافية كانت او فكرية .
فما الذى حمل حكومة السادات على ان تعطي ضوء اخضر لبعض الاصوات النقدية في حملة (( محدودة ومحسوبة))؟
حين قايض السادات ارض سيناء مقابل التغلغل الاقتصادي والسياسي والثقافى الاسرائيلي ، كان يعتقد ان مبادرته الخيانيه ستكون موضع تقدير يفوق مالاقاه بالفعل . فمناجم بيجن ليس لديه ادنى استعداد للتخلى عن مصالح اسرائيل الجوهرية مقابل تجميل وجه السادات فى المنطقة ، حتى لو كانت وظيفة الاخير جر البلدان العربية لتوقيع معاهدة سلام شاملة عربية مع اسرائيل .
وبيجن لا يرحم ضعف السادات فهو ليس اكثر استعداد لمراعاة الضغوط الداخلية التى يعانيها من قوى المعارضة التى ما تنفك تتزايد ، ولا يضع فى حسابه امكانية تغيير الاتجاه داخل مصر بتزايد القوى المناهضة لاتفاقية السلام ، ومد المناوئين برافد جديد.
من ثم يواجه السادات موقفا حرجا وإن لم يكن لا اولها ولا اخرها بالطبع . فمنذ توقيع معاهدة السلام وتتوالى خطوات اسرائيل ، باقامة مستعمرات جديدة ، بضم القدس ، بالاعتداء على لبنان ، بالهجوم على المقاومة ، بتهديد سورية – وصولا الى قصف المفاعل النووى العراقي .
وقد كان للأغارة على المفاعل صدى شعبيا واسعا – فقد خيم الذهول على الشعب اولا ، حين افاق تبددت اوهام السلام ، واستعاد مشاعر التضامن العربي التى زيفها السادات لبعض الوقت . ففضلا عن المواقف القومية التى اتخذتها احزاب المعارضه فى مؤتمراتها والقرارات التى اتخذتها ، قدمت نقابات المحامين والمهندسين والاطباء وبعض النقابات العمالية احتجاجها على العدوان ، كما شاطرت المعارضة في المؤتمر الذى عقدته للتنديد بالعدوان الذى رات فيه احدى الثمار المرة لكامب ديفيد . وشاركت جموع الشعب فى المظاهرات الجماهيرية التى قادها طلاب وطنيون ديمقراطيون في مدينة الاسكندرية .
لقد رأى البعض فى الحملة الاعلامية المحدودة وأيضا فى الجلسة غير العادية لمجلس الشعب – التى عقدت خصيصا لشجب العدوان الاسرائيلي- ((ظاهرة جديدة)) تخالف المسار السياسي العام لنهج السادات .
وفى الواقع فان من يقولون هذا الرأى ليسوا اكثر من مروجى أوهام ، مثلهم مثل من ينتظرون عودة مصر الى الصف العربى في ظل حكم السادات .
كا ما فى الأمر هو أن سلطة السادات التى اعتادت منطق الممانعة القولية والاذعان الفعلى ارادت ان تبدد السخط الشعبى الذى ظهر بعد ضرب المفاعل ، لانها تخشي ان تستثمر المعارضة هذا السخط فتمد جذورها الى قطاعات جديدة . فحفزت الصحافة ((القومية)) وعبأت مجلس الشعب الذى يحفل بالثرثارين جاهزي الاصوات من اجل مظاهرة شكلية ، فالمجلس في النهاية لا يملك صنع القرار السياسي ودوره هو الموافقة على القرارات التى يضعها اب العائلة المصرية .
لذا فإن هذه المظاهرة الحكومية التى جرت على المستويين الاعلامى والنيابي لم تكن اكثر من محاولة لتبديد السخط على اسرائيل والنظام الحاكم فى مصر ، ودفعه تجاه القنوات الرسمية .
اضافة الى ذلك روج الحزب الوطنى الديمقراطي شائعات مفادها ان الرئيس السادات يرفض السلوك الاسرائيلي لكنه حالما يسترجع بقية الاراضي المصرية المحتلة فسوف يكون فى وضع اقوى يمكنه من التصرف على نحو مغاير . وهى اشاعة مغرضة لا يختلف هدفها عن هدف المظاهرة الحكومية .
وفى الحقيقة فان السلطة فى مصر تمثلها حمائم وادعة ، فقد تفضل السادات نفسه بنفى هذه الشائعة اكثر من مرة ، كما ان نائبة حسنى مبارك قد صرح بورع الصالحين بان اعمال اسرائيل لم تنل من عزيمة مصر على المضي فى طريق السلام . وهذا الخنوع الرسمي يؤكد انه لا توجد اية ظواهر جديدة ، فضلا عن ان الامر لا يتوقف على استرداد بقية الاراضي المصرية ، فالمعاهدة واضحة فى كل ما ترتبه من التزامات .
ان الرئيس المصري الحريص على رفض الوصاية والذى يشترط على من يريد اعادة العلاقات مع مصر من البلدان العربية الا تتدخل طبقا للقانون الدولى في شؤون مصر الداخلية ويعتبر المعاهدة شأنا مصريا – داخليا ...
الرئيس الذى يندد بركوع الباشوات القدامى امام المعتمد البريطانى هاهو يذل للمعتمد الاسرائيلي الجديد الذي يفرض وصايته .. لكن هذه المرة ..فى اطار "الشرعية الدولية "التى تقوم عليها معاهد السلام .
ان صحافة المعارضة ( وصحافة منتصف الليل) – فى مصر هى التى تعبر عن وجه مصر الحقيقي فهى لا تلتزم بالمعاهدة ، كما انها لا تخضع لأى معتمد ..وهى تواصل تقاليد المقاومة الوطنية . فمصر الشعب تأبى ان تحكم من اسرائيل.
ط.ش - القاهرة - نشر فى جريدة الخليج - الشارقة - صيف 1981



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن