الصّلاةُ في زَمَنِ الكورونا

راني صيداوي
ran_saidawi@hotmail.com

2020 / 3 / 19

في ظِلّ هذه الأوقاتِ العصيبَةِ التي تَمُرُّ بها البشريّةُ جمعاء، يُصِرُّ عدَدٌ لا بأسَ بهِ من إخوَتِنا المؤمنينَ (على اختلافِ دياناتِهِم) بممارسةِ طقوسِهِمُ الدّينيّةِ في دورِ عبادَاتِهِمُ المختلفةِ، غيرَ آبِهينَ بتحذيراتِ وتعليماتِ الدّولِ والحكوماتِ من خطورةِ تَفَشّي الفيروسِ المُستجدِّ كورونا، الذي أطلقوا عليه اسم (كوفيد 19). هذا الفيروس الذي أثبَتَ جدارتَهُ بالفَتكِ بالبَشَرِ، خصوصًا الطّاعنينَ في السّنّ منهُم، ومَن يعانونَ من ضَعفِ جهاز المناعةِ،على مُختَلَفِ الأعراقِ، والجنسيّاتِ، واللغاتِ، والدّياناتْ. ولَن أدخُلَ في الحديثِ عمّا إذا كان هذا الفيروس سلاحًا بيولوجيًّا، أم غازَ سارين مطوّرٍ، لَم يستطع مطوّروهُ السّيطرةَ عليهِ، وبالتالي انتَشَر. أم إذا كانت الولايات المتّحدة مصدَرَهُ أم الصّين. كما لَن أدخُلّ في حقيقةِ كيفَ ولماذا تَعمَلُ وسائلَ الإعلامِ العالميّةِ -دونَ استثناءٍ بعِلمٍ منها أو دونَ عِلمٍ- على زيادَةِ انتشارِ هذا الفيروس، عن طريق إمّا التّهويلِ والمُبالَغةِ، وإمّا الإنكارِ، والإصرارِ على عَدَمِ وجودٍ أيّ خَطَرٍ في بلادٍ معيّنةٍ دونَ غَيرها.

ما يهمّني إلقاءُ الضّوءِ عليهِ وبشَكلِ مقتضبٍ هنا، هو موضوعُ إصرارِ الكثيرِ مِن إخوَتِنا المؤمنينَ في بِلادِنا، كما في شتّى بقاعِ الأرضِ، على أداءِ طقوسِهِم الدّينيّةِ في دورِ العبادةِ، رَغَم الخَطَر المُحدِقِ بِهِم وبغيرِهِم هذي الأيّام. فالمسلمونَ مِنهُم يتمسّكونَ بالآية 51 من سورة التّوبة ونَصّها:"قُل لَن يُصيبَنا إلا ما كَتَبَ اللهُ لنا هوَ مَولانا وعلى اللهِ فليتوكّلِ المؤمنون". فيذهبونَ للصلاةِ في المساجِدِ التي قَد تتمّ المصافحةُ والعناقُ أحيانًا فيما بينَ المُصَليّن قبل أو بعد الصّلاةِ فيها، وتتلامَسُ الأكتافُ، وتختلِطُ الأنفاسُ، وتُلامِسُ الجِبهاتِ عندّ الرّكوعِ سَجّادًا قَد يَحمِلُ هذا الفيروس (الذي أقَرَت منظّمة الصّحّة العالميّة أنّه يطوّرُ نفسّهُ ومن الممكن أن يعيشَ على أسطحٍ كتلكَ لمدّةِ ساعات) نتيجَةَ تنفّسِ مَن رَكَع وصلّى في تلكَ البقعةِ من قَبل، وهو يحمِلُ الفيروس، وتَرَك أثرهُ هناكَ دونَ أن يَعلَم. ولا تتمّ مراعاةُ إبقاءِ مسافةِ مترٍ ما بينَ الشّخصِ والآخَرِ (وهي المسافة التي حدّدتها منظّمة الصّحّة العالميّة للحدّ من انتشار هذا الفيروس)، ولا ارتداء الكمّاماتِ (على الأغلب). مُعتَقِدينَ أنّهُم بذلكَ يُثبتونَ عُمقَ إيمانِهِم باللهِ وقَدَرِهِ، مُتناسينَ الآية 195 من سورة البقرة ونَصُّها:"وأنفِقوا في سبيلِ اللهِ ولا تُلقوا بأيديكُم إلى التّهلُكَةِ وأحسِنوا إنّ اللهَ يُحبُّ المُحسنين". ولَن أخوضَ في أسباب ِ نزولِها، وتفسيرِ أنّها نَزَلَت لتحُثّ على الإنفاقِ في سبيلِ اللهِ، لأنّ علماءَ المسلمينَ فسّروها أيضًا حرفيًّا بعمومِ اللفظِ لا بخصوصِ سَبَبِ النَزولِ، حيثُ اللهُ يأمرُ المسلمينَ بألّا يلقوا بأنفُسِهِم إلى ما من شأنِهِ أن يؤذيَهُم. وهذا الفيروس لا يؤذي الفَردَ نفسَهُ فقط إذاما أصابَه، بل ويؤذي الكثيرَ ممّن حَولَه خصوصًا في عائلَتِهِ والمحيطينَ بِهِ وحتى المارَينَ بجوارِهِ في الشّارِعْ.

أمّا المسيحِيّونَ مِنهُم، فَلَستُ ألومُ مَن يُصِرّونَ على الذّهابِ للقُدّاسِ من بينِهِم، على قَدرِ لَومي للقِسِّيسينَ الذينَ يَدعونَهُم لذلكَ ضاربينَ عَرضَ الحائِطِ كُلّ عِلمٍ، ومُعتَبِرينَ أنّ الإيمانَ لا يتّفقُ مَعَ العِلمْ. وأنّ مَن يؤمِنُ إيمانًا غيرَ مَشوبٍ بحقيقَةِ أنّهُ عندَ التّناوُلِ أثناءَ القُدّاسِ يتجسّدُ المسيحُ بالمُتناوِلِ، ويجعَلهُ مُحَصّنًا مِن كُلّ عِلّةٍ أو مَرَضٍ قَد يُصيبانِه. هؤلاءِ يتناسَونَ ما ذُكِرَ على لسانِ المسيحِ في الآية 31 من الإصحاح 5 من إنجيلِ لوقا حينَ قالَ:"ليسَ الأصِحّاءُ بمحتاجينَ إلى طبيبٍ بَل المَرضى" وأنا هنا لَن أخوضَ في حقيقَةِ معنى الآيةِ بل ما يهمّني من ذِكرِها هوَ أنّ المسيحَ بقولِهِ ذلكَ قَد اعتَرَفَ بأنّ المريضَ يحتاجُ إلى طبيبٍ وبالتالي لَم يُنفِ وجودَ العِلمِ وحاجةَ البشرِ له.
رَغمَ أنّهُ كانَ هو نفسَهُ طبيبًا فِعليًّا للبَشَر آنذاكَ، فقد كانَ المرضى بالأمراضِ المستعصيةِ كالبَرَصِ، والنَزيفِ، والعَمى، وحتى الجنون، يلجأونَ إليهِ هم وَذَويهِم، بعدَ استنزافِ جميعِ المحاولاتِ في العلاجِ لدى الأطبّاءِ الذين كانوا في ذلكَ الوَقتِ، ليَعمَلَ هوَ على شفاءِهِم بقُدرَتِه بعدَ ذلك.
إخوَتَنا هؤلاءِ يتناسَونَ أيضًا الآيَةَ 7 من الإصحاح 12 من إنجيل متّى ونَصّها:"وَلَو فَهِمتُم معنى هذه الآيةِ: إنّما أريدُ الرّحمَةَ لا الذّبيحَة". هذه الآية هي خيرُ مثالٍ على حقيقةِ أنّ اللهُ يفضّلُ أعمالَ الرّحمَةِ على كلّ طَقسٍ دينيٍّ وعادة.
ولَن أدخُلَ في ذاتِ الحديث عن الاختلاطِ في الأماكِنِ المغلَقَةِ، والاكتظاظِ، والتلامُسِ أثناءَ القدّاسِ، وحقيقَةِ شأنِهِ المُخيفِ في نَقلِ هذا الفيروس ما بينَ المُصَلّينَ وذَويهِم. فمِنَ الرّحمَةِ إذاً (والتي فَضّلَها اللهُ على الطّقوسِ) أن نلزَمَ بيوتَنا في هذه الفترة. وفي هذا السّياقِ لَدَيّ تساؤلينِ أطرَحُهُما على إخوَتي وأخواتي من الذينَ مازالوا يداومونَ على حضورِ القُدّاسِ والدّعوَةِ إليه. إن كُنتَ تعتَقِدُ أنّ الفيروس لَن يُصيبَكَ أثناءَ وجودِكَ في الكنيسَةِ لأداءِ القدّاسِ كَونَكَ تناوَلتَ جَسَدَ المسيحِ وتحصّنتَ بِهِ نَظَرًا لقوَةِ إيمانِك، فبماذا تُفَسّرُ مَرَضَكَ في الايَامِ العاديّةِ قَبلَ ظهورِ هذا الفيروس رغمَ مثابرتِكَ أيضًا على حضورِ القدّاس في تِلكَ الأيّام؟ وبماذا تُفَسّرُ إصابَةَ بعضِ القساوِسَةِ أو ذَويهِم بالأمراضِ وحتى بهذا الفيروس القاتل (كوفيد 19)؟

هؤلاءِ الإخوة والأخوات من المُسلمينَ والمسيحيّينَ الذين لا يكترثونَ للفاجعةِ المُلحِقَةِ بالبشريّةِ هذه الأيّام، ويعتقدونَ أنّنا نوليها أكثرَ من حقّها، وأنّهُم كمؤمنونَ لَن يصابوا بها، (وبرأيي) يتصرّفونَ بأنانيّةٍ بحتَةٍ دونَ درايةٍ منهم بذلك، فهُم لا يعرّضونَ حياتَهُم فقط للخَطَرِ بإصرارِهِم على أداءِ طقوسِهِمُ الدّينيّةِ في دورِ العبادةِ فحسب، إنّما يعرّضونَ حياةَ الآخرينَ ممّن حَولَهُم من الذين قد ينقلونَ إليهم هذا الفيروس الذي قد يودي بحياتِهِم. والذي وكما أُثبِتَ مازالَ ينتشرُ بينَ البَشَرِ كالنَارِ في الهَشيمْ.
السّلطات والحكومات طَلَبت من الشَعوبِ أن تُساهِمِ في أخمادِ انتشارِ هذا الفيروس عن طريقِ التزامِها بيوتَها، وعَدَم تعاطيها اجتماعيًّا مع الآخرينَ إلاّ من وراءِ حجابٍ. سواءً كان إلكترونيّا من خلف شاشاتِ الحواسيب وغيرِها، أم فِعليًّا عند الاضطرار للخروج، كالالتزامِ بمسافةِ مترٍ بين الفردِ والآخر في الطرقاتِ، وارتداءِ الكمّامات. كما طَلَبت من الشّعوبِ المزاولةَ على غَسلِ الأيدي بشكلٍ صحيحٍ وكامِلٍ، وتعقيمِ ما من شأنِهِ أن يحمِلَ الجراثيمَ والفيروساتِ بشكلٍ دوريّ. ولَم تطلُب الحكومات من الشعوبِ هذا الأمرَ لأنّها ترغبُ في رؤية الشّعوبِ محبوسةً ومحجورةً في بيوتِها كما يظنّ البَعض. بل للحفاظِ على سلامتهم وسلامةِ الآخرين. وكما إغلاقُ بابِ الفُرنِ في منزِلِكَ مِن شأنِهِ أن يُساعِدَ في إخمادِ حريقٍ قد اشتَعَلَ بهِ (لا سمَحَ الله) لأنّهُ يحدّ من وجودَ الأكسجين الذي يعتبرُ أساسيًّا في إشعالِ الحريق. وجودَكَ لأطولِ مدّةٍ ممكنةٍ داخلَ منزِلِكَ لَمن شأنِهِ أيضًا أن يساعِدَ في موتِ ذلك الفيروس على أسطح الأشياءِ، وفي الهواءِ، حينَ لا يجدُ ذلك الفيروس لهُ شخصًا يلتقطهُ بأنفاسِهِ، أو عن طريقِ لمسِهِ من على سطحِ الأشياءِ ونَقلِهِ للآخرين. وكما فتحُكَ لبابِ الغرفةِ التي تشتَعلُ فيها الحريقُ ليعملُ على نشرِ الحريقِ في جميعِ أرجاءِ البيتِ وبالتّالي تَشتيتِكَ وأنتَ تركُضُ من جهةٍ لأخرى حتى تسيطرَ على هذا الحريقِ بماءٍ أو طفّايةِ حريق. فإنّ عَدَمَ التزامِكَ منزلَكَ لمن شأنِهِ أن يُساعِدَ على انتشارِ هذا الفيروس، ويشتّتَ السّلطاتِ والحكوماتِ في مهمّتها الصّعبةِ في السيطرةِ عليهِ.
أرجوكُم إخوَتي وأخواتي أن تُحكّموا عقولَكُم وقلوبَكُم وتفكّروا بغيرِكُم قبل أن تُخالفوا قوانينَ الحجر الصّحّي فاللهُ ينهى عن أذيّةِ المرءِ لنفسِهِ وللآخرين.
وفي النّهايةِ أدعو لكُم وللبشريّة جمعاءَ بدوامِ الصّحّةِ والعافية.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن