فائز الزبيدي مقاتل أجبر على هدنة أبدية

رياض رمزي
dectar@hotmail.co.uk

2020 / 3 / 14

فائز الزبيدي مقاتلٌ أُجبر على هدنة أبدية. رياض رمزي
فلا ولدت بعد [فائزٍ] حرةٌ / ولا ذات بعلٍ من نفاس تعلّتِ
هو الوافد المجبور والراتق الثأي/ إذا النعل يوما بالعشيرةِ زلتِ
جرير يرثي الفرزدق

ما يجب على الإنسان عمله يتوقف كثيرا على ما يجب الأيمان به. معتقداتنا هي التي تنظم أفعالنا.
جان جاك روسو. أحلام يقظة جوال منفرد.

أرض ستقول بلسانٍ شاكر "في حضني ألقى فائز خضر الزبيدي رحْلَه".
خمسون عاما ستمر وأكثر ولن يبق أحد من الذينّ شاهدوا كيف أفلت الحبل صندوقا خشبيا استقر في قعر حفرة. سيمر الأحياء، ممّن لم يشهدوا ما حدث، مرور من يسير قرب أرضٍ نمت عليها أعشاب مسحت آثار معركة؟. هذا النص تنبيه لمن يمر بتلك الأرض: إياك أن تنظر إلى العشب وتنسى من يقطنها، فبرغم أن أرض تلك المعركة تصلح الآن لإنبات العوسج، لكن من سفح دمه هنا في ساعات الغسق عند احتدام المعركة وكان يقاتل بحماسة لا سبيل لضبطها، وبشجاعته هي ضربٌ من محال،يعجب كيف لم تصبح محجّا. لو مر مرشدٌ آثاري وقال من طال مقامهم تحت هذه الأرض ماتوا بلا أي سبب معقول لردته طيوف الموتى بكل حزم لأن آلام أرواحهم وهم في الفردوس ما زالت مستقرة فيهم تمنعهم من التقاعس عن الرد. السواقي التي جف مائها بالغت في تفانيها لسقي الأرض، كل سهل خضرته شديدة، كانت في منجى، بفضلها، من التصحر. الأراضي الخضر التي نسلت خضرتها من المياه الأولى لا يكاد يمر مساء دون أن تتذكر المياه الأولى. تلك هي الخضرة التي جعلت كل سائر يعرف تأثير المياه الأولى. القبر ليس فيه علوٌّ على بقية القبور ولم يشذ شكله أو يحمل تنوعا لكنه أصاب الجدث مجدا من ساكنه. هناك شذوذ لما هو حكرٌ للقبر على بقية القبور. فتحت قصيدة أبي تمام عقلي على كامل مداه وأنا أستعيد ما قاله بحق جندي عظيم:
" مضى طاهر الأثواب لم تبق روضةٌ/ غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبرُ.
ثوى في الثرى من كان يحيا به الثرى/ ويغمر صروف الدهر نائله الغمرُ
عليك سلام الله وقفا فأنني/ رأيت الكريم الحر ليس له عمرُ.
نعم أبو تمام يؤكد لكل موتٍ مقدس مقاسٌ ثابت: من يتقدم بإيقاع ثابت نحو الحِمام، حتى ليقال بحقه يهون الردى عليه.
إذن هناك افتراء على الموت مفاده افتقاره لشذوذ يكسر قانونه. حسب معايير الموت هناك استثناءات يقال عنها أمثلة تُحتذى. أنا أتكلم هنا عن رفعة ميت كانت مشاركته في الحياة كثيرة على آخرين. ما كان ضرورة له لم تكن ضرورة لآخرين.
ما يتعين فهمه بشأن الخلود والموت: هي الطريقة التي زرع بها طائر الموت عشه في الدار.
هناك اسمان لصيقان بالخلود والخمود: يستخدم الأول مع كلمة ارتقاء وهي كلمة ترقى لجلال الحدث، أما الثاني فهو ثواء لمن مصيره بعد الموت أقل تشريفا. من يستقر عمره على سنة موته، من يبقى مدفونا بيدين متربعتين على الصدر، يظل ثاويا بهيئة واحدة ترافقه حتى موعد النشور، يوم يكون منع التجول في الدنيا ساري المفعول، يتخّذ طوال الوقت هيئة طير مُستبرد يضع رأسه بين كتفيه، مزاجه شتائي لم يكن اقتراب الربيع البادية تباشيره على مرابع الفردوس ليستثيره.
حين يجيء الملاك الحارس يحل اليقين لدى ساكن القبر. وقت قرارات يحين أوان الإعلان عنها.
عندما يُخلي الحي مكانه وسط الأحياء، يفرَّغ المرشّح من مهماته الأرضية ويبدّل سكناه إلى منطقة ما تحت الأرض. ينقسم الراحلون إلى قسمين وفقا لنظرٍ مطوّل من الخالق حيث يقسم الراحلين إلى قسمين: الثواء أو الارتقاء. يُترك البعض متعفنين في وحدة القبر: الثواء. ويرسل الآخرون على سحاب له هيئة مخلوقات إلهية تنقلهم إلى أمكنة يستقر بهم مقامٌ تُخلع عليهم فضائل تلبيسهم بخلود كامل يطلق عليهم تسمية ذوي الطالع السعيد. يخلص الرب إلى قراره تبعا لتقرير الملاك الحارس، فلا يكون عسيرا عليه تحديد أين يستقر المقام بالراحل.
بعد سبعة أيام يسمع الراحل طرقا على جدران جدثه، يتم إيقاظه ويُتلى عليه نص تقرير الملاك المراقب الذي وافق عليه الجالس على العرش ومهره بتوقيعه: إلى مجموعة الخلود أو الخمود، الثاوي أو المرتقي، ذلك بعد أسبوع واحد من نفاذ مخزونه من الأيام الدنيوية. يظل ساكن القبر جالسا تحت سقيفة القبر مركزا بصره على اتجاه وحيد ينتظر قدوم المبلّغ. لم يكن فائز ساعتها نائما عند وصول ملاكه الحارس ولم يكن يائسا أو مرتعش القلب من فكرة البقاء أو المغادرة. ليس من عرفه في دنياه أن يرتعش قلبه من خوف يسْلب سكينة روحه، فهو الذي كانت عيناه تبقى مفتوحتين عندما كانت حياته تُحشر في موضع صعب، أو حين تجازى استقامته بالنكران. كل ما آمن به قاله بصوت عال. كما كان في دنياه: الأحلام التي تمناها لوطنه كانت تسحبه كلما شدّه بؤسُ واقعِ بلاده حين يكون بعيدا عنها.
كانت الشمس تميل نحو المغيب، فواح الطلع يشتد من جهة غير معلومة، رائحة كأنها من سلال من زهور تصل إليه. وصل القادم إلى الجدث راكبا حصان على هيئة غيمة خرافية ما أن وصل حتى أرخى عنان غيمته ثم ترجل. استنار وجه فائز، مدّ نظره نحو الأفق. ابتسم ابتسامة ظفر. قال له القادم أعرف ليس الموت ما تخشاه، بل أن تُعامل بدون توقير، بدون وجه حق. لم يكن في كلام الواصل حديثا، ما يشي بوجود نوايا مستترة، بل كانت هناك بهجة تخالط صوته. سلّمه رسالة قرأ فائز فيها لمحاً عدة عبارات مثل" كفى حصل على نصيبه من الأذى وزيادة، ما حدث له كان كثيرا عليه، إن كانت هناك من سمة فيه تستحق الإشارة إليها...." انقطعت الجمل وبدأت عبارات غير مفهومة غلبت عليها لطخات سود وأوراق أخرى تهرأت حوافها، كأن ألسنة لهب صفراء توافدت عليها غير مستبقية من الحروف شيئا.
أسعى، وأنا استظل بشجرتي سرو، أختارهما يمام لوالده كي تظلله في الفردوس، أديم النظر في الأوراق كي أفض مغاليقها وأعيد تشكيل ما كتبه الملاك الحارس في تقريره، خاصة تلك المواضع التي سقط عليها الطين الذي كان الرب مشغولا، ساعتها، بخلق وافدين جدد إلى الدنيا، قرب الموقد المسعّر المخصص لتحويله إلى بشر بعد عجنه وقولبته إلى أشكال آدمية. أحاول إعادة كتابة التقرير ثانية، استجلاء كنهه، استعادة ما توارى منه من كلمات سقط عليها طين الخلق، بعد ساعات مضنية من عمل الرب. نقاط ارتكازي لفك مغاليق النص وتذليل صعابه، عشرةٌ طويلة طاردتني، لم استطع تنحيتها عن قلبي. حان الوقت الآن لأقولها بصوت مرتفع. سمحتُ لنفسي بالتورّط فيه بعد أن حوّلتُه خلال تلك السنين إلى طريدة في مرمى تصويبي. قامت أمامي صعاب لم يجد عقلي سبيلا لتذليلها حين تثاقلت الكلمات في فمي. ران على عقلي الارتياح حينما أمسكتْ ذاكرتي بصور أبقت عيناي مفتوحتين بمسامير من نار محفورة فيها، سعّرتها ريحُ سنين طوال تمتعت فيها بوجبات فكرية وأخلاقية بقربه. كل من كان بقربه سيفهم كلامي. استعدت كل كلمات نص التقرير التي كنت أظن أنها ذهبت ضياعا. حين ألقيت نظرة على الأوراق التي تآكلت تأرجح عقلي بين الفرح والحماس، لأن استعادتي السريعة للنص جاءت من حنينٍ لحقبة عشتُها بقربه، استمتاعي بها جعلني أراها حية بفضل حالة عقلية انزلق الزمن فيها إلى الوراء، فامتلأ رأسي بها إلى حد الفيض، حتى إنني تصورتُ طريقة تفكير الملاك الحارس الذي لم يفلت من شرك من كان يراقبه لسنين، فخضعتُ لطريقة رؤيته لفائز الشبيهة بطريقة رؤيتي. لم أكن أتبارى مع الملاك الحارس لأن من خضعنا له كان يُلاحظ وجوده، من النوع الذي يأخذ نفسه على محمل الجد، وقْع صوته ومضمون كلامه يدلّان على مكانه ومكانته، فهو من ضاقت قبضة سلطته علينا مثل كتاب من خلال استخدامه لتهوية وجوهنا، وجدنا أنفسنا نردّد ما جاء فيه، نحاججه بمضامين وردت في كتابه.
استعدتُ الرجل الذي يُسمى فائز خضر الزبيدي. كيف ومن أين أستعيد جملا مفقودة من نصٍ كتبه ملاكه الحارس، من كان يلازمه، من تكلم عنه بإسهاب ولم يترك واحدة من خصال روحية ألا وكتب عنها، حتى وصول فائز لنهايته؟.
الجمل المقروءة التي لم يوغل التآكل في التعتيم عليها، التي سلمت من التدمير هي كل ما تمكنتُ من رؤيته. العناوين التي سلمت من التلف ولم يحسن السواد ولا الصفار إخفائها سوف أعرضها. أما تلك المواضع التي اهترأت وصارت بسمك غلاف البصلة فما عدت قادرا على قراءتها، فكانت حكايتي معها على الشكل التالي: يقول هرمان ملفل في موبي ديك ما يلي: هناك حوت أصابه الصياد برماح. جر الحوت القارب وراءه. حكم القاضي برد الزورق لأصحابه، أما الرماح فبقيت ملكا للصياد. من هو مالك الزورق؟ ومن هو الصياد مالك الرماح؟. الزورق هو جسد فائز وملكيته لمالك الأجساد والأرواح، أما الرماح فهي ملك لي أنا الصياد.
سأستعرض في هذه المقالة المواقع التي رَمَحَتْها الرماح. عندما تقوّس الرياحُ الشجرة وتطرحها أرضا تعود الشجرة إلى ألأرض، ما يتبقى منها، رائحة أغصانها وثمارها الطيبة فهي تظل باقية لمن يحاول الاهتداء إلى الشجرة مما تثيره من ذكرياتِ رائحةٍ وطعم. تذهب الرياح على رسلها ولا تظل الشجرة مطوّحةً على الأرض. ما أن يُسحب ترخيص بقائها حتى تختفي، يبقى صوت الطير الذي غرد على أفنائها، الشمس التي أشرقت عليها كل صباح، الأزرق البنفسجي الذي خيم عليها وقت الغروب وامتد إلى المرج، الصباح وما حملته الشجرة من توت أبيض يتحول إلى عسل، الليلة الغارقة في السكون التي يقال عنها أنها فخر الليالي في شهور الربيع. للتكي المحلي رفقة خاصة مع النحل بما يدسانه في الأيدي من عسل كما تدسه يدي الأم لحنونة لأولادها من سكاكر.... ذكرى الفناءات الظليلة لتلك الشجرة التي تبقي الذكريات يقظة لدى شيوعيين تشكل تجمعاتهم خطرا، فلم يكن الأعداء رحيمين بهم.
عناوين وردت، في بداية نص الملاك الحارس، لم تتعرض للتلف، عمّقت معرفتي بفائز، قامت بتسريب معلومات أطلقت سيلا من الأفكار عنه.
ما ثبته الملاك الحارس في مقدمته " ملاحظات عن خصال، أخذتُها على محمل الجد، ألقت في خاطري هوى فراقت لي أكثر من المعتاد. بداية ما زلت أذكر تلك الزفرة عندما قدّمتُ له آخر كأس وشربها شربه شربة ظامئ، ثم لتلك الصرخة التي أطلقها وحفرت مسارا في عقلي" أفعلها، ما عاد ثمة شيء يخيفني".
" جندي من كتيبة لا يرغب أفرادها في ترك مواقعهم والعودة إلى أهليهم.
شخصٌ عندما لا يقتنع يرفع دائما يده ليعترض.
أفكاره تتخذ شكل عدوى تنتقل إلى السامع.
عندما يصمت يجعل المحفل بائسا.
يستظهر أقوال أساتذته الذين كان يقول عنهم أن عقولهم لا يُسبر غورها.
لديه استعداد فطري للخصام دون الوصول لمرحلة العداء.
له مزاج من يقف على خطوط المواجهة.
شيء نابضٌ يربض فيه شبيه بضربة سكين نبت عليها شعر، لكنها موجودة تذكّر بوجودها.
يقطع على نفسه طريق الفرار مثل فارس يقول ستتكلم السيوف غدا.
ليس غزالا عندما تخور قواه يستبدل اسمه بسرعة إلى فريسة.
دائما ما يردد قول أحد العظماء: هنا أقف لا أستطيع فعل شيء آخر.
إدمانه ليس له علاج."

لأقوال الملاك الحارس أثر السحر عليّ ما جعلني أضيف: عنادٌ سور به نفسه فباتت في داخله منطقة يصعب الوصول إليها.. ولأنه لا يعاني من افتقار لمفردات شعرية، فقد اتخذت قناعاته شكل بناءٍ محكم بعيد عن التسويات. لكي يحافظ على عنصر الجذب ويزيد التشويق في حكايته راح يمتح ماءً مصادره شتّى. يتخذ أيمانه شكل جرح لا يطيب، مثل اسمنت كان ذرورا، ما أن نزل عليه ماء من كثرة قراءاته حتى تحول إلى الحالة الصلبة. أهلكه عقلٌ لا يعرف الاسترخاء، مأساته أكبر مما بوسعه الإقرار بها جهارا، مثل مصاب لا يفكر بمجيء النوم، بل يستعجل مجيء الصباح ليطلق سراح مخاوف مكبوتة تشربت بمغالاة غير مألوفة من الواقع القاسي.
تنويعات أطبق عقلي عليها اعتمادا على عناوين أشار إليها الملاك الحارس.
أنظر إلى سنوات معرفتي بفائز وأنا أتراجع إلى الخلف كي أعيد النظر مرارا إلى لوحة أنارت ذاكرتي، أشاهد فيها بوضوح ذكريات سنينا جمعتني به. أول ما يرد إلى ذاكرتي سطوة معارفه التي يحسب أمرها لدي السامعين متكلا على قراءات تمثلت في عادة اعتادها في شبابه: فتح نافذة على بستان من معرفة وكأنه يفرد منديله يعب من ثماره. كان يناقش بإطلالة آمرة مستهديا بمفكرين قرأ لهم وعنهم فبات يستهدي بهم. عندما يواجه خطلا في التفكير، وحتى الأخطاء القواعدية تنتصب حواسه مستجمعا ذخيرة من قراءات شتى تجعله يشتبك في جدال يُسقط فيه الحجج بعينين مفتوحتين على أتساعهما. أشاهد الآن طريقته في القراءة حيث يمسك الكتاب من أسفل منتصفه وجسمه ينفرط متباعدا عن ظهر الأريكة ونظارته تنزلق مستقرة على أرنبة أنفه، ينظر إلى الصفحة بوجه عابس كأنما خوفا من فرار جملة يمنعها من الخروج من أجواء نظره، مُجريا يده السائبة على شعره كي تكون الأفكار مشدودة إلى عقله، لا يمسسها سهو أو تحيطها غمامة من عدم تركيز. يقرأ الأخفش، المبرّد، أليوت، باختين... بنفس القدر من التركيز. كان يبحث في النص عما يعتقد هو وليس ما يعتقده الكاتب نفسه، مطبقا فكرة موت المؤلف من خلال تطوير وتوسيع وحتى تأويل النصّ.
حين أحاط بمعارف متنوعة، اندمجت ثم تأججت فيه، بدلت من خط سير حياته فانصرف لها كليا. كصاحب صوت جميل امتثل عقله لأوامر سماوية لا تسمح له بغناءٍ استعراضي مرح. ولأن طبعه يتسم بالعناد ولأنه مؤمنٌ عريق، فقد ورّط نفسه بابتلاءات جعلته غير قادر على التكيّف لنشاط آخر، كأنه أفرغ كأسا ساخنة من الأيمان في رأسه، ظل بخارها يمور في رأسه. لم يعد يشعر ببهجة بعد شد بصره نحو مشاهد معينة. راح يجد راحة في النظر إليها وحدها، فقام بتحويل أشعاره، رواياته، قصصه القصير، شعره الشعبي، فنه، نحو أفكار اليسار التي انصرف لها كليا. كان أشبه ببستاني تعلم استنبات نوع من الزهور جعلها مجالا حصريا لجنينته.
عندما قرأ كثيرا سمحت له معارفه بإقامة براهين على ما يقول، فزاد اهتمامه بأفكار كل ما فيها يشع مشرقا. راح يوشّح كلامه بفصاحة وبلاغة كانتا كافيتين لإثارة دهشة مستمعين، معارفه بعيدة عن متناولهم. أعجبه ما ران على وجوههم من ومضة اكتشافهم لأفكار جديدة، فغمره سرور بث دفئا فيه جعله يجد نفسه في تأثر رصَدَه في نظرات من كان يستمع له... لم يدفعه ذلك إلى غطرسة أو تصنع وجاهة.
ما أن انتسب إلى الحزب الشيوعي حتى تحول ذلك الانتساب إلى ولَه، ثم ورطة عزّزتها اعتبارات عقائدية. لم يعد ينتمي إلى نفسه بل لمن أنتسب ولما قرأ. طريقته في التوقف عند التفاصيل جعلته غير مكتف بالظاهر بل بالحقائق التي جعلته يطرد أفكارا دخيلة كأنه فرض طوقا أمنيا على تدخل استنتاجات غير سليمة. كان في تقييمه للتجربة السوفيتية- على سبيل المثال- يسلك سبيل العالم الذي برغم هبّات الحب نحو المنظومة، كان يحسب أن أفضل ما يقدمها لتلك المنظومة أن يلفت الانتباه لما يعتريها من هنات. راحت ميوله، عواطفه، صداقاته، دنياه كلها، تسكن في كنف قناعاته. بدا له النظر إلى مشاهد غير أرياض حديقته غير مجد، برغم وجود دغل فيها يؤذي العين. كان يستحضر كل ذكائه لنقده للمساوئ نقدا مترافقا مع تعبيسة من يُظهر رفقا بها. كان يجد أسبابا معقولة يفوّضها لحصار الأعداء ولأنها أول تجربة إنسانية. أجل تؤذيه المساوئ، تظهر عليه إمارات من عدم رضا، لا يستصوبها، لكنه يغفر لها النقائص، لا يعدها خطيئة تنشط الرغبة في الخروج على التجربة. عندما قرأ وعمل حزبيا وصحفيا وأكاديميا بدت له خياراته أشبه بأقدار أومأت إليه بسبابتها، فّآمن بها حتى وإن لم تلتزم الرقة معه. ولأنه يعيش منتظرا فردوس العصر الذهبي، فقد وجّه كل مواهبه الأدبية والأكاديمية ليؤرخ ويشهد حلول اليوم الموعود.
مثل غواص ما أن غار بعيدا في البحر ليستخرج أجود أللآلي، حتى بدأت تهاجمه قناديل البحر ذات اللسعات الحادة وحتى المميتة. رويدا رويدا تحول الوله إلى وجدٍ قاتل يثقل الكاهل، يوقع الأذى إن مورس عقوقٌ بحقه. بما أنه ليس من ذلك القبيل الذي يناشد إلهه ضارعا" ترفق بحالتي يا خالقي" تحوّل إلى شخص شواه القيظ فلم يجد جدارا يلتجأ إليه ليشعل لفافة تبغ. من فرط سيره في طريق طويل بدون زمزمية ماء، قرر أن يعتزل جانبا بعد أن تعذر عليه السير، من كثرة كمائن منصوبة طوال طريقه. لكنه برغم تقرح أقدامه كان يقيس الآخرين بمقدار تقرح أقدامهم. كان أشبه براهب يأخذ قضية الخلق على محمل الجد، إذ برغم فقدانه القدرة على الكلام، كان يشير إلى شروق الشمس بإصبع واحدة كدليل على وجود صانع للكون.
هل تعرف يا فائز لماذا باشرت الكآبة وليمتها في رأسك فتعرض لجلطتين؟، لأنه لم يعد ملكا لك. أتعرف لماذا ؟.
ما أن حصلت الأفكار على موقع قدم في رأسك حتى تحوّلت إلى ابتلاءات تورط العقل بها، فلم تأخذها رحمة بمالك الرأس. عندما حلت فيه تحولت الشكوك إلى يقين لم يتمكن العقل من التحرر من سطوتها. لكل فكرة إيقاع من الأيمان يناسبه، خاصة لمن أحاط بمعارف كثيرة. إن كان في الأيمان الكثير من الالتزام الأخلاقي، فأنه يتخذ نوعا من ضراوة تتناسب مع تلك الأفكار، ضراوة تبقي العقل متأهبا، كأن مالك الرأس يظل ممتنا لها لوجودها فيه. لم يأخذك الإشفاق على نفسك، حين لم تعط رأسك مزيدا من الوقت كي توجه خطاه نحو الاحتراس من أبقائه متأهبا، كي تحرره من أغلال التزام مقيم تأمل عن طريقه الحصول على مكافأة من السماء. لأنك تردد: بأي وجه سأرفع يداي نحوها؟ ومن سيدعوني للصعود؟. في أزمنة الهزائم يظل ذلك الأيمان شبيها بماسات تبرق وحيدةً في الظلمة، لكنها ماسات سعرها زهيد، فيعمر قلب مالكها غضب من ثمن ماسات آخذة أسعارها في الهبوط، فتغمر مالكها الرغبة في الصراخ صرخة مالك يطالب بالعدل، وهو يرى تراجع قيمة ملكيته تراجعا أشعره بدرجة هزيمته. مالك الدجاجة التي لم يعد أحد يشتري بيضها لا يكره دجاجته ، بل سيبدي حنوا على دجاجته، ويبلغ من تأثره عليها، أنه سينسحب بقلب كسير، من وسط لا يقدر ما تدره الدجاجة من ذهب، متفاديا أي كلام عن كساد بضاعته. باشرت الكآبة وليمتها من الرأس الذي تعرض لجلطتين متتاليتين، انتقلتا إلى اللسان فلم يعد رأسه ينتمي إليه بل بات ملكا حصريا لوافد غريب هو المرض.
شاهد الجنود يحتلون عاصمة البلاد. صعد الحزن فيه على شكل ضربة سوط هبطت من قمة رأسه واستقرت في سويداء القلب. ضيّق عينيه ليستجلي ما حدث، وجد الجنود يحتلون عاصمة البلاد.
يا فائز: هل نبا إلى علمك أن اللين، التراجع وحتى الانحناءة حاجات خلقها الرب، في وقت البلاء، لنحصل عن طريقها على مددٍ عاطفي نكسب عن طريقه الرأفة بأنفسنا حرصا على طرد مكائد تُلحق العلل بعقولنا. لماذا لا نبدي خفوتا في الصوت؟، لماذا نأخذ الأشياء بمعانيها الحرفية؟ لماذا لا نعد التراجع مزية؟ لماذا لا نلجأ للمسايرة؟. لماذا لا نبدي قدرا حتى ضئيلا من لا مبالاة؟ لماذا لا نحصل على مربح من إثقال ورقة العناد بحجر؟ لماذا نبقي عقلنا مستيقظا حتى لا يجد سبيلا إلى الرقاد؟. لماذا ننام على وسائد محشوة بالأسى على وطننا؟. لماذا لا نتناول دواء يسمح لنا بالتقاعس عن حب وطن نستعرض كل يوم خيبتنا فيه ونستوحش وضعه؟. لماذا لا نغض الطرف عن آلامه بمقادير معقولة كي نكون بمنجى من شدة تفانينا له؟. لماذا لا نطوي ملف هذا الوطن كي تجنح أمورنا إلى يسر؟. الهروب ليس جريمة لا تغتفر، أنه سلوك يضرب جذوره في هروب النبي من المشركين. أخيرا لماذا سفحتَ دموعا فيها أوجاع تجذّرت في روحك من فرط أسى على النفس أكثر مما على الفقيد/ الوطن؟. كان فائز نفسه يقول" هذي الأيام مر العكربة مرّهن/ كل مر جرعته لكن هذنّي مرّهن/ كون أنته يفلان صاحبهن دشو مرهن/...". من هم هؤلاء: فلان وفلان، وفلان... ؟.
كان( كما حدثتني سميرة) يرى فلان وفلان وفلان، يدخلون عليه، زملاء المهنة الذين يعرف إيماءاتهم بعقله، يناديهم، بشوق لا يُغالب، بأسمائهم، يشير لهم بيده للجلوس، ينظر من الشباك خوفا من أن تعتم الدنيا ويطلبون الخروج، فكان يوالي الكلام كي يموّه على الوقت، على نحو ما يفعل العشاق عندما يصبح الأحباب في قبضتهم. كان في حالتي مرح وحداد تتناوبان عليه لأنه لم يكن يتجاسر على إطالة أمد بقائهم. ثم يغلبه الرقاد فينام. هكذا حين كان يعيش بدون بدائل، يدير رأسه نحو زمن مطمور في ذاكرته، ليجد عقله منقادا للعيش فيه. تلك هي مشكلة العقول التي تتشرّب بقناعات يستحيل تفريغها منها، لّأنها هي من أعطته تميّزا في حياته. لبنائها المحكم ولغتها المسبوكة سطوةٌ تشبه تراتيل تقرأ في لحظات التعبد، لا يمكن ترك رحابها والذهاب إلى قفار يستحيل مضاهاتها بمحراب المؤمنين.
لدى الثوري بخاصة إن كان أديبا؟، تفردٌ في الطبع لا يمكن أن يحل فيه رشدٌ متأخر، تتملكه فيه شفقة على نفسه، فيقوم بتقليص حدود عالم عليه تناسيه وإيصاله إلى حدوده الدنيا، عن طريق فرض حجْرٍ صحي على أفكاره، يقوم بتقليص نفقاته على شراء الكتب، الإقلاع عن ارتياد دور السينما، أن يتنكر لتراث سلالته من الشعراء والثوريين، أن لا يستدعي لنجدته مفكرين كانوا يشدون من أزره عندما يواجه معضلة، أن يصم أذنيه عن سماع الموسيقى...باختصار يشطب التعقيد من عقله، وما حصل عليه نتيجة جهدٍ شاق من عمل مواظب مع البراهين التي يقول عنها: هي كل ما أملك في دنياي. بماذا يُشغل عقله عندما يتعرض لّإغفاءات قصيرة يعيد فيها تشكيل العالم؟، هل يرضى أن يمد شحٌ لسانه في خياله؟ هل يتنكر لآمال ترتبت لها عليه حقوق؟. حين تقرأ كتابا يحفل بفيض من المعاني يغدو عقل القارئ أشبه بمسلك تغمره المياه وتحرره من الضغط التعيس لجاذبية الواقع. يجب استبدال الشغف بالأفكار بتدبير خيانة لها وراء ظهرها.

الذكريات رياحٌ تنفذ من ثقوب الباب، لا يوجد جدار في العقل يصمد أمامها. تخادع العقل مثل نشالين رأسمالهم خفة أيديهم. من أين جاءت رياح ذكريات جعلت عقله في حالة غليان لا يتلطف على مالكه ويدعه يأخذ قسطا من راحة؟. يُقال يومٌ واحد كل سبعة شهور يتم لقاء يُسمح لساكني البسيطة الاختلاط بساكني الفردوس والحديث معهم تحت مرأى ومراقبة الملائكة كي لا يتعلق القلب بهم. في الفترة المتبقية يُطبق النسيان على ذكراهم. تعلّم أهل الموتى ألا يتحرك فضولهم سوى يوم واحد في سبعة شهور، وما يتبقى لهم ينفقونه على مشاغل يومية، معتبرين غياب كائنات انتهت فترة صلاحيتهم أمرا مقدّرا ليس في قدرتهم منع حدوثه. كيف عالج فائز علاقته مع الراحلين؟. هل استوحش حياته بغيابهم؟ هل فتح عقله بكامل مداه عليهم؟. مثل عسكري متقاعد لم يبق له غير ذكرى أزمنة معاركه ورفاق السلاح، وهي ذكريات منعته من التقاعس في حياة التي أضحت حكرا لماضيها. لم يكن من الممكن معالجة فقدانهم إلا بالبقاء معهم لتحمّل أوجاع رحيلهم. سنين السجون وذكرى الأصدقاء ( هاشم الطعان، مصطفى عبود... ) ليست غير مياه يتحول العقل إلى ساقية جافة إن مر يوم بدون تذكرهم. ذكريات، حين يشغله حدثٌ طارئ، يعود إليها بعجالة، فكانت تسرح في رأسه حرة طليقة وساخنة. كلما توارى في عزلته كلما رآها بسطوع أكثر. رؤيا انتزعت منه حياته العادية، وألحقته بمملكة الغائبين زمانا ومكانا. كان عيشا سلَب رشده مثل بستاني صودرت حديقته فراح تذكرها عندما تهيج وتصل إليه رائحة الورود. كذلك هي أيام السجن بخاصة السجن الصحراوي في نكرة السلمان. قلت له يوما حسبتك نسيتها بتبدل الأحوال؟. قال لي أنه يستدعيها في أوقات بؤسه، فهي – كما قال- لم تكن محنة ينتظر مرورها. مثل رفاق مجموعة آمنت بدين جديد تسعى كل يوم لممارسة طقوسه في دير صحراوي كي تحظى بثناءٍ إلهي. وهو في السجن انجلت أمامه حقيقة وجود مجتمع شيوعي عندما تراءت أمام ناظريه قرائن دامغة على أمكانية تحقق مجتمع سعيد لأفراد يحظون برغد العيش وسط الكفاف، لأنهم يتذوّقون شهد الفكر والإخاء والمساواة، يغتنون بسلوك طبع حياتهم بطابعه: طعام موحد للجميع، قناعة صرفت نظرهم عن طلب المزيد على حساب الآخرين غالبا ما يُنزل الغيظ في النفوس، كدُ يبدأ من بكور الصباح مثل طليعة تعرف أنها تلبي نداء تحقيق انجاز مهما بلغت عظمته فقد ترسخ في ذهنهم أنه قريب لا ينأى عن منالهم. كانت أشعار عظماء الفكر البشري تتطاير محلقة في سماء السجن، مسرحيات، نقاشات، دورات تعليم اللغة، تحليلات في الاجتماع والاقتصاد... يبرع فيها البارعون، أفكار تضيف إليها القراءات جزلا من حطب. لم يكن يلحقهم الهرم بل يزدادون فتوة. من كان يحسب أن صحراء بلقعا تبعث أحساسا بامتلاك فكر واثق من صوابه، يغير خط سير العالم البرجوازي الذي بدأت شمسه بالغروب؟. كان الكل يردد مقولة لويس ألتوسر" مستقبلنا سيستمر طويلا".
من بوسعه أن يجيب على الأسئلة التالية: هل كان فائز مهزوما؟ خاسرا؟ هاربا؟، هل كان اختياره سيئا؟ هل أوقعت الأقدار به سوءً حين اصطفته؟. هل كان عصفورا أصر على مواجهة عاصفة مدارية؟ هل توسّل بعد أن طوحت به العاصفة؟ وإن توسل فلمن يتوجه؟. هل خدعته النصوص عندما استقوى بها؟ هل لأنه كان شاعرا وكاتبا وفنانا ما كان ممكنا له أن ينزل من مجثمه العالي ويروح مستمتعا بالخرائب؟. صمت فائز تأدبا في عزلة، ليس لنفاذ قواه، ولكن ما تحمله بصبر جعله غير قادر على تحمل المزيد. على من ينحي باللائمة؟ وهل يبرز لسانه استهزاء بلائميه وسلوك سبيل ليس من شيمته؟. مع ثقل هذه الأسئلة مضى متلمسا طريقه. من عاش نبض زمانه كفائز لا يتخيل شكلا آخر لموته غير ذلك الذي تأهب له مسبقا. من شدة تمرسه بتلك الأفكار فقد أسلم قياده لها.
لم يباغته الموت بل جاءه على شكل ذئب ظل طوال ثلاث سنين ونصف مختبئا بين الحشائش يراقب تحركات قرن الغزال، يستمع لنفث زفيره الحار مؤجلا إنهاء ترخيص وجوده ليس ليجهز نفسه للحدثّ، أو لخلق موت أسطوري، بل ربما لجعله مثالا( كما يقول ملفل) لحوتٍ يذبح في الكنيسة يبعث الضياء في أماكن تبشر بالدين، لكي يجعل مصّلي الدير يدركون عبث تراتيلهم وصلواتهم.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن