ضدّ المنهج السّقراطي في التّعليم

بوناب كمال
bounab.kam@live.fr

2020 / 3 / 14

يرى ويليام سوكولوف بأن الطريقة السقراطية (المساءلة الجدلية وسيل الإجابات والفروض ومن ثمّ الدّحض) هي ممارسة تربوية محدودة، وربما سيئة، لأنها تكريس عملي للسلطوية والتسلسل الهرمي وديناميات القوة المرتبطة بالحوار.
بعد أكثر من ألفي عام على وفاته، لا زال سقراط يوصف على أنه الفيلسوف الأول لتقاليدنا العظيمة، وزعيم الأنوار ومخترع المواطنة المنشقة، لقد سأل الجميع، وحثّ الأثينيين على التفكير في معتقداتهم وممارساتهم والتوجّه نحو الفحص الذّاتي؛ حتّى مارتن لوثر كينغ وكورنل واست امتدحا سقراط. فكيف يمكن لأي شخص أن يعترض على الحوار والاستجواب والتعلم مدى الحياة؟، لكن ماذا لو كانت طريقة التعلّم النشط ،التي دافع عنها سقراط وأتباعه، تخفي وراء تباهيها بالانفتاح والشفافية أنماطا موازية من السيطرة والقوة؟
عندما كان سقراط يُسأل عن ما يعرفه، يجيب أنه لا يعرف شيئا؛ لقد كان بارعا في تقييد محاوريه بالكلمات، وإغضابهم وإذلالهم؛ استمرّ هذا لعقود؛ لم يكن يحظى بشعبية واسعة، وفي نهاية المطاف اُتّهم بارتكاب جرائم ضد الشعب الأثيني؛ على وجه التحديد اُتهم بجعل الحجة الأضعف تغلب الأقوى، وممارسة الإلحاد وإفساد شباب أثينا؛ كان لزاما عليه أن يدافع عن نفسه في المحكمة، لكنه لا يعرف شيئا !.
رفض سقراط حجج كريتو للهروب وتجنب الموت؛ قبل عقوبة الإعدام بهدوء؛ بعد ذلك تحوّل إلى مواطن نموذجي وفيلسوف معلّم، بل وشهيدا للحقيقة؛ لكن هناك ما يدفع إلى التشكيك في الطريقة السقراطية كممارسة تعليمية لعدّة أسباب:
أولا ـ سقراط هو المسؤول الأول في الحوارات؛ يسيطر على جلسات الأجوبة والاستفسارات، لتبدو الحوارات وكأنها أشبه بتدريبٍ للتوصل إلى إتفاق دائم على إسكات الآخر.
ثانيا ـ كثيرا ما كان سقراط محرجا ومحلّ سخرية من الآخرين، وعندما يفشل في الإقناع بعقلانية فإنه يلجأ إلى محاولة إخجال محاوريه؛ وذلك واضح في مقاطع من "اعتذار أفلاطون" وفي محاورة أفلاطون لـ جورجياس؛ قد تنتهي محاورة سقراط بلغز محيّر ( حالة أبوريا Aporia) كما يمكن أن تنتهي أيضا إلى الحرج والصمت؛ وإنه من غير الوارد أن يكون الطلاب مشاركين راغبين إذا أدركوا أن الهدف من التبادل السقراطي هو حلّ معتقداتهم التي تكشف جهلهم.
ثالثا ـ إن الحكم الصادر في حقّ سقراط يشير في حدّ ذاته إلى فشل منهجه في إقناع هيئة المحلفين، فلم يكن قادرا على الكلام بطريقة نموذجية في قاعة المحكمة واعتبر نفسه "غريبا كلية عن لغة هذا المكان"؛ ورغم وثوقيته في عدالة قضيته، إلا أن سقراط كان ،حسب دانا ريشارد فيا، "عدوّا لكل أصناف الاستقامة الذاتية". إن في هذا درسا للمعلمين، فإذا كان أداء غالبية الطلاب ضعيفا ومن الصعب إفهامهم (مثل ما فشل سقراط في إقناع هيئة المحلفين) سيكون من الخطأ إلقاء اللوم على الطلاب، يستدعي الأمر تدريسا فعالا ونقدا ذاتيا ومرونة واستعدادا للتغيير.
رابعا ـ إن نموذج الخصومة في المنهج السقراطي يعلي من الكلام العدواني ويقلل من أهمية الاستماع؛ لقد انخرط سقراط في صراع شرس مع الشعراء وعلماء الكلام وخلق جوّا تنافسيا مكثفا في الثقافة الأثينية؛ هذا النهج التنافسي ليس بالضرورة أن يكون مناسبا للفصل الدراسي، فمن شأن المنافسة الحادة أن تخلق جوا معاديا، وإذا كان العدوان لفظيا فحتما سيتألق الطلاب الذّكور، ببساطة يصنع هذا المنهج "قلة من الفائزين والعديد من الخاسرين"؛ لذلك لا يجب الانقياد إلى مقولة بيتر بوغوسيان المضلّلة "في الخطاب السقراطي الحقيقي لا يوجد فائز ولا خاسر". إن المنهج السقراطي يتجاهل الجوانب الجيدة في الناس، وينتهك ،بالتالي، مبدأ المساواة التواصلية، والمؤسسات التعليمية ستصبح مؤدلجة لأنها ستخدم أولئك الذين اعتادوا على التفاعل بألفاظ عدوانية
خامسا ـ هناك شكل خفي من العنف في الأسلوب السقراطي؛ وكأنّ سقراط يلقي الطعم للآخر ثم يسحق ضحاياه ويحاصرهم في كل الاتجاهات حتى يفقدون شجاعتهم الفكرية؛ لقد أشار سورين كيركجارد إلى هذا الجانب حين أشار إلى أن سقراط يعرف مسبقا الإجابة على الأسئلة التي يطرحها، ولكنه يتصرف كما أنه لا يعرف؛ من شأن هذا أن ينشئ علاقة قوة/ معرفة في الحوار؛ ومكمن الخطر في هذه الطريقة هو أن الطلاب سيتجنبون في الفصول الدراسية المحادثات الجادة مع معلمهم؛ إنه نوع من فك الارتباط، تماما مثل ما حدث لـ ثراسيماخوس في محاورته مع سقراط حول العدالة؛ إذًأ، في الفصول الدراسية سيعمل الأسلوب السقراطي على تمكين الأفراد الذين يسيطرون على المناقشات وسيتم تهميش الآخرين.
سادسا ـ ادّعاء سقراط بأنه لا يعرف شيئا أو كما يقول "ليس لي ادّعاء بالحكمة"هو مشكلة في حدّ ذاتها، إذْ أنه يضع سقراط في موقع ذا سيادة لا يمكن المساس به، وكأنه شخصية السلطة النهائية التي لا تعرف شيئا لكنها بالمقابل تدحض كل شيء؛ وما يحتاجه المعلمون هو أن يكونوا أكثر صدقا وشفافية مع طلابهم حول ما يدّعون معرفته، لأن ذلك من شأنه أن يساهم في مدّ جسور الثقة بينهم وبين طلبتهم.
طالما دافع سقراط عن منهجه في الحوار، واصفا نفسه بأنه هدية إلهية لـ أثينا، عاتبا على مواطني المدينة كسلهم وجهلهم، متباهيا بزهده وارتدائه الخرقة؛ إلا أنه وراء هذا التواضع والإيثار تخفي الطريقة السقراطية تطرفا ديالكتيكيا وتعيد إنتاج نظام اجتماعي غير عادل، وتنشر ثقافة حرمان هيكلي يتواطأ على ضوئها المعلمون في تكريس المظالم بحق الملونين والنساء والفقراء في الفصول الدراسية؛ فقط سيكون الأسلوب السقراطي مفيدا إذا ما تحطيم قيود السلطة والتسلسل الهرمي في التعليم.
نقلا بتصرف عن:
William S. Sokoloff, Political science pedagogy : A critical, radical and Utopian perspective, Palgrave macmillan, 2020.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن