فلنَمْنَع التهام ميناء بورتسودان ..!

فيصل عوض حسن
awadf28@gmail.com

2020 / 3 / 1

وفقاً لصحيفة الراكوبة وباج نيوز في 22 فبراير 2020، أعلنت حكومة حمدوك أنَّ لديها خِطَّة إسعافِيَّة لتشغيل ميناء بورتسودان، عبر (دولة أجنبِيَّة) بمبلغ 250 مليون دولار، وأنَّ هناك (5) دول تتنافس على تشغيل الميناء، وأنَّهم شَكَّلوا لجنةً من (4) وُزراء للنظر في هذا الأمر. واعتبرت الأمين العام للاستثمار وتنمية القطاع الخاص، أنَّ ميناء بورتسودان (أكبر) مُشكلة تواجه الاقتصاد حالياً، مع إقرارها بموقعه الاستراتيجي، مُشيرة لتَعَطُّل حاوية (شخصيَّة/تَخُصَّها) لـ5 أشهر بسبب إجراءات الميناء!
التصريحات أعلاه مُتناقضة ومُريبة، حيث أمَّنَتْ (السيدة) أمين عام الاستثمار وتنمية القطاع الخاص، على الموقع الاستراتيجي لميناء بورتسودان، وفي ذات الوقت وصفتها بـ(أكبر) مشاكل الاقتصاد، والأصح هو أن تُقِرْ بفشلهم في (إدارة/تسيير) الميناء، لأنَّ إتاحة الميناء للغير يعني (فَشلك) في هذا الأمر، والغريب/الطَّامع المُرتَقَب ليس غبياً ليرمي أمواله في المخاطر، أو (قدِّيساً) ينشُد الثواب الرَبَّاني ليَصرِف علينا وعلى ميناءنا، ولكنه يعلم تماماً الفوائد (المُضاعفة) التي سيجنيها من هذا الميناء. وأمَّا (الرِّيبة) تجاه التصريحات أعلاه، فتعكسها مجموعة التَساؤُلات المنطقِيَّة التي يجب الوقوف عندها وتَدَبُّرها، ومن أبرزها: متى وُضِعَت الخِطَّة الإسعافِيَّة المزعومة، والمُؤشرات التي استندت عليها؟ ومن وضعها ولماذا لم يُشركوا العاملين في هذا الأمر، لأنَّهم أكثرِ النَّاس معرفةً بأوضاع الميناء واحتياجاتها الفعليَّة؟ وهل مُجرَّد تَعَطُّل حَاوِية (شخصيَّة) تَخُص (السيدة) أمين عام الاستثمار، مُبررٌ كافٍ لاعتبار الميناء (أكبر) مشاكل الاقتصاد، ومن ثُمَّ التخلُّص من (رئة) البلاد ومنفذها الرئيسي للعالم الخارجي؟ ومن الذي حَدَّدَ مبلغ التشغيل المُشار إليه أعلاه، وبُناء على ماذا، ومن سيتكفَّل بدفعه؟ وما هي الدولة (الأجنبِيَّة) وكيف ومتى وعلى أي أساس أُخْتِيْرَت؟ وهل فُوْضِلَت مع دُوَل أُخرى، وما هي معايير المُفاضلة، وآجال الاتفاق (متى يبدأ وينتهي)، والمُقابل المادِّي/العَيني الذي ستُقدِّمه تلك الدولة؟ وما حدود/نِسَبْ مسئولياتها الاجتماعِيَّة؟ ولماذا (التعتيم) وأين الشفافِيَّة التي وَعَدَ بها الدكتور حمدوك، في أوَّل تصريحاته عقب أدائه القَسَم كرئيسٍ للوُزراء؟
الأهمَّ من كل هذا، أنَّ مبدأ إتاحة الميناء للغير (مرفوضٌ) من أساسه، سواء كانت الإتاحة بالبيع/الإيجار أو الإدارة/التشغيل (الكُلِّي أو الجُزئي)، لتَقَاطُع ذلك مع الثوابت السياديَّة/السياسيَّة والاقتصاديَّة المُتعلِّقة بالمنافذ البحريَّة، ويجب (مُعاقبة) من يسعى لذلك بأقصى العقوبات! وبجانب إقرارنا الكامل بحقوق العُمَّال والمُجتمع المحلي ببورتسودان والشرق عموماً، فإنَّ الميناء يَهِم (جميع) السُّودانيين، ويتجاوز النطاق الجُغرافي و(القَبَلي/الجَهَوِي) الضيق الذي (يَتَعمَّدون) حصره فيه، ومُحاوَلاتهم (الخبيثة) لتبسيط أخطار التَخَلُّص منه. فميناءُ بورتسودان ركيزة (حتميَّة) لاستقلالنا/سيادتنا الوطنيَّة، وبتأجيرها للغير تصبح معلومات وارداتنا وصادراتنا ومخزوناتنا الاستراتيجيَّة (مكشوفة)، وهذا خطرٌ أمنيٌ/استراتيجيٌ كبير. كما تُعدُّ الميناء مفتاحاً لتجارتنا الدوليَّة ورابطاً لاقتصادنا بالعالم، وتُساهم بـ(عوائدها من العُمْلاتِ الحُرَّة) في تحسين ميزان المدفوعات وزيادة النَّاتج المحلي، وتخفيض تكاليف الواردات وتدعم القُدرات التنافُسيَّة للصادرات، وترفع مُستوى الدخل وتُهيئ فرص العمل، بخلاف عوائد/رسوم عبور ورُسُو السُفُن الأجنبيَّة، وهذه مُعطياتٌ تتقاطع وإتاحة ميناء بورتسودان للغير مهما كانت المُبرِّرات.
لنتأمَّل قليلاً مُعاناة الدول الحبيسة/المُغلقة أو المعزولة بحرياً، وخضوعها (صَاغِرَة) للغير عن الاستيراد والتصدير، وتأثُّر نموها الاقتصادي بتكاليف النقل والمُنَاوَلة وغيرها، بخلاف الأبعاد السياسيَّة وهي الأخطر. وإنْ كانت مُعاناة الدول المعزولة/الحبيسة، أقلَّ حِدَّةً بأوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية، فهي أشدُّ أثراً بالدول الأفريقية، لأنَّنا بالأساس دول نامية أو أقلَّ نمواً، ونحتاجُ لـ(تنويع) و(تطوير) مصادر الدخل القومي وتقليل النفقات العامَّة. ولو أخذنا إثيوبيا كمثال، نلحظ تأثُّرها الكبير بوضعها الجُغرافي كدولةٍ حبيسة، ولُجُوئها للموانئ المُجاورة كجيبوتي والسُّودان (ميناء بورتسودان نفسه)، خاصَّةً عقب تَورُّط البشير وعصابته في مُحاولة اغتيال حسني مُبارك بأديس أبابا، وهي فرصةٌ انتهزتها إثيوبيا، ليس فقط لاستغلال ميناءنا ببلاش، وإنَّما لإشباع أطماعها المُتجَذِّرة في أراضينا الخصبة والمُسْتَوِيَة، وهي مزايا تفتقدها إثيوبيا لوقوعها في منطقةٍ مُرتفعة، ودخلت بسببها في مُشاحناتٍ تاريخيةٍ مع جيرانها بالقرن الأفريقي وحوض النيل والبحر الأحمر، والحديث يطول ولا يسع المجال لذكره. وهناك أيضاً، دولة جنوب السُّودان، التي عانت من الاختناق وعَجَزت عن تصدير البترول، لأسبابٍ سياسيَّةٍ أو لارتفاع تكاليف نقله، وهذا أيضاً لغياب المنفذ البحري، وهو حال جميع مناطق السُّودان الأُخرى، التي تُشكِّل بورتسودان منفذها الوحيد للعالم.
سينبري (القحتيُّون) وأزلامهم مُدافعين عن هذه الخيانة، بحجَّة (تَدَهْوُر) الميناء وحتميَّة تطوير آلياته والاستفادة من تكنولوجيا التشغيل، وغيرها من الحِجَجْ/المُبرِّرات الواهية. وفي هذا نقول، بأنَّ ميناء بورتسودان دَمَّره المُتأسلمون (عَمداً)، حينما تَخَلَّصوا من كوادره الكفوءة والنَّزيهة، واستبدلوهم بآخرين لا يُجيدون سوى النهب والتدمير، وأهملوا صيانة الميناء وتطويره ليجدوا الحِجَّة للتخلُّص منه. وبالنسبة لحِجَّة التكنولوجيا، فيُمكن (ابتعاث) نُخبة من شبابنا في دوراتٍ تدريبيَّةٍ مُتخصِّصة، وفق شروط واعتبارات فنِّيَّة/مِهَنِيَّة دقيقة، إلى الدول المُتقدِّمة في إدارة وتشغيل الموانئ، لرفع كفاءتهم وترقية قدراتهم في هذا المجال. أو يُمكن جَلب خُبراء من تلك الدول لتدريب كوادرنا الوطنيَّة بـ(الداخل) تقليلاً للتكاليف. أمَّا التكنولوجيا نفسها من آليات ومُعدَّات وأدوات مُناولة وغيرها، فيُمكن توفيرها عبر المُغتربين الذين أبدوا استعداداً كبيراً للمُساهمة في نهضة البلد، ويكون ذلك في شكل أسهم بأسعارٍ مُحدَّدة وفق الاحتياجات (الفعلِيَّة)، وتُطْرَح الأسهم للسُّودانيين (حصراً)، شريطة نشر خِطَّة التشغيل التي زعمت حكومة حمدوك إعدادها بشأن الميناء، وهذا اختبارٌ لصدقها وجدِّيتها.
يُؤسفني كثيراً القول بأنَّ حمدوك وحكومته لم يتركوا فرصة للثقة فيهم، تبعاً لمُمارساتهم الكارثِيَّة وتضليلاتهم المُتتالية ونقضهم المُتواصل للعهود، إذ لم يلتزم حمدوك بأيٍ من وعوده أو التزاماته التي أطلقها فور إعلانه رئيساً للوُزراء، وكأمثلةٍ وليس حصر، أدَّى (حمدوكٌ) القَسَمَ رئيساً للوُزراء في 22 أغسطس 2019، وبحلول 22 فبراير 2020 أكَملَ (180) يوماً في السُلطة بالتمام والكمال، فشل فيها في مُعالجة الاقتصاد في (100) يوم كما وعد، ولم يبلغ السلام الذي قال في (6) أشهر، ورَفَعَ الدعم الذي (التزم بشِدَّة) على عدم رفعه، رغم قناعتي بأنَّ ما فعلوه ليس رفع دعم وإنَّما (زيادة أسعار)، كما لم يرفع الحد الأدنى للرواتب إلى (8800 جنيه)، ولم يُوقِف تصدير موادنا الخام (وياريت لو كانت هناك فوائد عائدة للبلد)! ولم تتحقَّق الحُرِّيَّة والعدالة واستمرَّ القتل والنهب وتضييق وتكميم الأفواه، وتوقف الحديث عن الشهداء والجرحى والمفقودين، وتمَّت إزالة (الجداريات) الرَّائعة المُعبِّرة عن ملاحمهم/تضحياتهم الفريدة، حتَّى لجنة التحقيق التي شكَّلوها بَدَأت باللَّف والدوران، ولَاحَت نُذُر خيباتها في الأُفُق. وليت حمدوك اكتفى بالتضليل و(نقض) العهود/الالتزامات، إنَّما جَلَبَ لنا (بَلَاوي) من العَدم كتعويضات الضحايا الأمريكان البالغة 10 مليارات دولار، زاعماً أنَّها شرطٌ لإزالة اسم السُّودان من قائمة الإرهاب، وأنَّه (خَفَّضها) لملايين، وهذا قمة التضليل، حيث لم يشترط الأمريكان هذا الشرط من قبل، ولم نسمع به إلا خلال زيارة حمدوك لأمريكا، دون دعوةٍ رسميَّة أو تنسيقٍ مُسبق، حيث لم يستقبله أي وزير من وُزرائها. ثُمَّ خَتَم (الخيبات) بتسليم البلد (تسليم مفتاح) للأمم المتحدة..!
هذه جميعاً مُعطيات (مُوثَّقة)، عايشنا تفاصيلها كواقعٍ أمامنا، ولم آتِ بها من عندي، تجعل كل ذي عقل لا يثق بحمدوك وحكومته ومُمارساتهم، إذ لم يكتفوا بكَسْرِ خَواطِرِنا وسرقةِ ثورتنا (الوحيدة)، وإنَّما يمضون بـ(إصرار) لاستكمال أخطر مُخطَّطات المُتأسلمين وسادتهم بالخارج، مُمثَّلة في نهب وإهدار مُقدَّراتنا وتمزيق ما تَبَقَّى من بلادنا، ولقد (وَثَّقتُ) لهذه الوقائع المُعاشة في عددٍ من المقالات المُفصَّلة، كمقالة (إِلَى أَيْن يَقُوْدُنَا حَمْدوك) بتاريخ 24 سبتمبر 2019، و(المُتَلَاعِبون) بتاريخ 24 أكتوبر 2019 و(مَتَى يَنْتَبْهْ اَلْسُّوْدَانِيُّون لِعَمَالَةِ حَمدوك) بتاريخ 10 فبراير 2020. ولنثق تماماً بأنَّ حمدوك و(قحتيُّوه)، لن يتأثَّروا بفُقدان ميناء بورتسودان، فلو سارت الأمور بالنحو المُفزع الماثل ستحدث الفوضى لا مَحَالة، وحينها ولن نجد حمدوك لنقول له شكراً أو (تباً)، وسيكون السُّودانيُّون الضحايا الحصريين، مما يُحتِّم تعاملنا بجدية مع هذه الحقائق قبل فوات الأوان.
أُكرِّر ما قلته سابقاً، بأنَّ موانئنا البحريَّة حالة استثنائيَّة، لأبعادها السياديَّة والسياسيَّة/الاستراتيجيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، وميناء (بورتسودان) تحديداً تُعدُّ آخر مُقدَّراتنا الوطنيَّة/القوميَّة العاملة، والمُصيبة سَتَطَال (كل) السُّودان دون استثناء إقليم/منطقة. فلنتَّحد جميعاً للحفاظ عليها، ولنُنَاهِض هذه الجريمة بكل ما أوتينا من قدراتٍ وطاقات، ولتكن هَبَّة بورتسودان بدايتنا انطلاقة (قَوِيَّة)، لإيقاف مُخطَّطات نهب وتمزيق ما تبقَّى من بلادنا.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن