رأس المال: الفصل الثامن/ يوم العمل - ثانياً – الجوع الشره إلى العمل الفائض. الصناعي والنبيل (*)

كارل ماركس
Jasim_737@yahoo.com

2020 / 2 / 6


ثانياً – الجوع الشره إلى العمل الفائض. الصناعي والنبيل (*)
إن رأس المال لم يخترع العمل الفائض. فحيثما يحتكر جزء من المجتمع ملكية وسائل الإنتاج، فإن على العامل، حراً كان أم غير حر، أن يضيف إلى وقت العمل الضروري لإعالته، وقت عمل إضافية بغية إنتاج وسائل العيش لمالك وسائل الإنتاج (1)، سواء كان هذا المالك أرستقراطياً أثينياً، أو ثيوقراطياً أتروسكياً، أو مواطنا رومانيا، أو بارونا نورمندياً، أو مالك عبيد أميركياً، أو نبيلاً من فالاشيا، أو مالكاً عقارياً معاصراً أو رأسمالياً (2). ومن الواضح أنه حيثما لا تسود القيمة التبادلية بل تسود القيمة الاستعمالية للمنتوج في تشكيلة اقتصادية – اجتماعية ما، فإن العمل الفائض ينحصر ضمن دائرة من الحاجات على هذا المقدار أو ذاك من السعة، فطبيعة الإنتاج نفسه لا تولد أي تعطش منفلت للعمل الفائض. لهذا السبب نجد أن العمل المفرط، في العصور الغابرة، لا يصبح مريعاً إلا عندما تكون غايته الحصول على القيمة التبادلية في شكلها الخاص المستقل أي: النقد، وذلك في إنتاج الذهب والفضة.
هنا، يصبح العمل القسري حتى الموت هو الشكل السائد للعمل المفرط. حسبنا قراءة دیودورس الصقلي (3). ولكن ذلك كان استثناء في العالم القديم. فما أن تُجرّ شعوب، ما يزال إنتاجها يتحرك بنطاق الأشكال الدنيا، من أعمال العبودية والسخرة، إلى سوق عالمية يسودها نمط الإنتاج الرأسمالي، سوق تجعل بيع منتوجات هذه الشعوب إلى الخارج المصلحة الأساسية، حتى تتطعم الفظائع الحضارية للعمل المفرط بالفظائع البربرية للعبودية والقنانة، إلخ. ولذلك حافظ عمل الزنوج في الولايات الجنوبية من الاتحاد الأميركي على شيء من طابعه البطريركي طالما كان الإنتاج يتوخى، بالدرجة الأولى، إشباع الحاجات الذاتية المباشرة. ولكن منذ أن صار تصدير القطن المصلحة الحيوية لهذه الولايات، بات إجهاد الزنجي بالعمل المفرط، وفي بعض الأحيان استهلاك حياته في سبع سنوات، عنصراً في نظام محسوب يقوم على الحساب. فلم تعد المسالة اعتصار كمية معينة من المنتوجات النافعة منه؛ بل باتت الآن تتعلق بإنتاج فائض القيمة نفسه. وكذلك حال عمل السخرة، على سبيل المثال، في الإمارات الدانوبية (*1).
إن إجراء مقارنة بين الجشع لانتزاع العمل الفائض في الإمارات الدانوبية ونظيره في المصانع الإنكليزية، أمر يتسم بأهمية خاصة، نظرا لأن العمل الفائض في ظل عمل السخرة يكتسب شكلا حسّياً مستقلا.
هَبْ أن يوم العمل يتألف من 6 ساعات من العمل الضروري، و6 ساعات من العمل الفائض. في هذه الحالة يقدم العامل الحر إلى الرأسمالي 6X6=36 ساعة من العمل الفائض كل أسبوع، كما لو أنه عمل 3 أيام في الأسبوع لنفسه، و3 أيام في الأسبوع للرأسمالي دون مقابل. لكن هذا الواقع غير ظاهر للعيان. فالعمل الفائض والعمل الضروري متداخلان. وأستطيع، لذلك أن أعبر عن العلاقة نفسها بالقول مثلا، إن العامل، في كل دقيقة، يعمل 30 ثانية لنفسه و30 ثانية للرأسمالي، إلخ. والأمر على خلاف ذلك في عمل السخرة. إن العمل الضروري الذي يؤديه الفلاح في مقاطعة فالاشيا لإعالة نفسه منفصل مکانياً عن العمل الذي يؤديه للنبيل. فهو يؤدي الأول على حقله الخاص، فيما يؤدي الثاني على أراضي النيل. وهكذا فإن جزءي وقت العمل موجودان بصورة مستقلة، أحدهما إلى جانب الآخر. إن العمل الفائض في ظل السخرة متميز بدقة عن العمل الضروري. ولا ريب في أن شكل تجلي الظاهرة على نحو مختلف لا يغير شيئا من العلاقة الكمية بين العمل الفائض والعمل الضروري. فثلاثة أيام من العمل الفائض في الأسبوع تظل ثلاثة أيام من العمل الذي لا يتلقى العامل مقابله أي مُعادل، سواء سُمّي هذا العمل عمل سخرة ام عملا مأجوراً. لكن الشراهة لانتزاع العمل الفائض إنما تظهر عند الرأسمالي في اندفاعه إلى تمديد يوم العمل من دون قيد، أما عند النبيل فتظهر ببساطة في اقتناصه المباشر لأيام عمل السخرة (4).
كان عمل السخرة في الإمارات الدانوبية مقروناً بأشكال من الريع العيني وسواها من ملحقات نظام القنانة، ولكن عمل السخرة كان يؤلف الجزية الأكثر أهمية التي تدفع إلى الطبقة الحاكمة. وحيثما كان الوضع على هذا النحو، كانت السخرة (*2) نادرا ما تنشأ عن القنانة، لكن القنانة من ناحية أخرى غالبا ما كانت تتولد عن السخرة (5). وهذا ما جرى في مقاطعات رومانيا. لقد كان نمط الإنتاج فيها يرتكز، في الأصل، على الملكية المشاعة للأرض، ولكن ليس في الشكل السلافي أو الهندي من المشاعية. كان أفراد الجماعة يزرعون جزءا من الأرض بصورة منفردة باعتباره ملكية خاصة حرة، وجزء آخر يسمى بالملكية العامة (ager publicus)، تزرعه الجماعة بصورة مشتركة. وكان جزء من إنتاج هذا العمل المشترك يستخدم، كصندوق احتياطي في مواسم القحط وغيرها من الحوادث الطارئة، ويستخدم، جزء آخر، كخزينة عامة لتغطية تكاليف الحرب وطقوس العبادة، وغير ذلك من النفقات الجماعية. وبمضي الزمن اغتصب أصحاب المقامات الرفيعة من الجيش والكنيسة الأراضي المشاعة ومعها فروض العمل المبذول فيها. وتحول عمل الفلاحين الأحرار في أرض المشاعية إلى عمل سخرة لسراق هذه الأرض المشاعة. وبذا تطور عمل السخرة هذا إلى علاقة قنانة ماثلة في الواقع وإن لم تكن مكرسة بقانون، إلى أن جاءت روسيا، محررة العالم، وأسبغت عليها شرعية قانونية بذريعة إلغاء القنانة.
إن النبلاء هم الذين أملوا قانون السخرة الذي أعلنه الجنرال الروسي کیسيليف في عام 1831، وهكذا ربحت روسيا، بضربة واحدة، أعيان المقاطعات الدانوبية وتصفيق أقزام الليبرالية في أرجاء أوروبا كافة.
وحسب “القانون العضوي” (*3) (Reglement Organique)، وهكذا تُسمى مدونة القانون الخاص بالسخرة، فإن كل فلاح من فالاشيا مدين لسيد الأرض المزعوم، علاوة على جملة من المدفوعات العينية المحددة بالتفصيل، بما يلي: (1) 12 يوما من العمل بصورة عامة (2) يوم عمل في الحقل (3) يوم عمل في نقل الحطب. وهي بمجموعها 14 يوما في السنة. ولكن ببصيرة نفاذة في الاقتصاد السياسي، لم يؤخذ يوم العمل بمعناه الاعتيادي، بل بوصفه يوم عمل ضروري لإنتاج منتوج يومي وسطي، وقد جرى تحديد المنتوج اليومي الوسطي هذا على نحو ماكر بحيث لا يستطيع مارد جبار (*4) أن ينجزه في 24 ساعة. وبكلمات جافة يعلن “القانون العضوي” نفسه، بتهكم روسي أصيل، أن على المرء أن يفهم أن الاثني عشر يوما تعني نتاج عمل يدوي يستغرق 36 يوما، ويوم عمل واحد في الحقل يعني 3 أيام، وأن يوم عمل في نقل الحطب يساوي، على النسق نفسه، ثلاثة أمثاله. وهكذا يصل المجموع إلى 42 يوم عمل سخرة. وينبغي أن يضاف إلى ذلك ما يسمى بالجوباجية (Jobagie)، وهي خدمة يستحقها النبيل في ظروف إنتاج استثنائية. فيتعين على كل قرية، أن تقدم، كل عام، فرقة عمل معينة تتناسب مع حجم سكانها. ويقدر عمل السخرة الإضافي هذا ب 14 يوما لكل فلاح من فالاشيا. وهكذا تصل السخرة المقررة إلى 56 يوم عمل في السنة. غير أن السنة الزراعية في فالاشيا لا تزيد عن 210 أيام بفعل سوء المناخ، منها 40 يوما للآحاد والأعياد، و30 يوما من التعطل بصورة وسطية من جراء سوء الطقس، تؤلف بمجموعها 70 يوما لا تحسب من هذه السنة. يبقى 140 يوم عمل. وعلى هذا فإن نسبة عمل السخرة إلى العمل الضروري تساوي 56/84 وتساوي 2/3، 66%، وهو معدل فائض قيمة أدنى بكثير من المعدل الذي ينظم عمل العامل الزراعي والصناعي في إنكلترا. وما هذه سوى السخرة المُقرّة قانونا.
“فالقانون العضوي” قد عرف، بروح أكثر “ليبرالية”، من لائحة قانون المصانع الإنكليزية، كيف يسهل خرق نفسه. فبعد أن جعل من ال 12 يوما 56 يوما، عمد إلى ترتيب العمل اليومي الاسمي في كل يوم من أيام السخرة إلى 56، بحيث لا بد أن يتبقى جزء منه يُضاف إلى اليوم التالي. ففي يوم واحد مثلا ينبغي اجتثاث الدغل من مساحة معينة من الأرض، في حين أن عملا كهذا يتطلب ضعف المدة، خصوصا في مزارع الذرة. وفي بعض أنواع العمل الزراعي يخضع يوم العمل القانوني إلى نمط من التفسير يجعل هذا اليوم يبدأ في أيار/ مايو وينتهي في تشرين الأول/ أكتوبر. أما في مولدافيا فإن التعريفات أشد قسوة.
وقد هتف نبيل في نشوة الظفر قائلا: “إن الأيام الاثني عشر التي يمنحها القانون العضوي تبلغ 365 يوما في السنة!” (6).
ولئن كان القانون العضوي للمقاطعات الدانوبية تعبيراً إيجابياً عن الشراهة إلى العمل الفائض التي أسبغ عليها الشرعية في كل بند من بنوده، فإن لائحة قوانين المصانع الإنكليزية (Factory-Acts) تعبر عن الشراهة نفسها، ولكن بصورة سلبية. فهذه القوانين تحد من ولع رأس المال في استنزاف قوة العمل بلا حدود، بأن تفرض عنوة تشريعا رسمياً يحدد يوم العمل، وهو تشريع تسنّه دولة يحكمها الرأسماليون وسادة الأرض.
وعدا عن حركة الطبقة العاملة التي تزداد مقاومتها خطراً كل يوم، فإن تحديد العمل في المصانع أملته الضرورة نفسها التي حتّمت نشر سماد الغوانو على حقول إنكلترا. إن شراهة النهب العمياء التي استنزفت التربة في الحالة الأولى، قد اجتثت جذور القوة الحية للأمة في الحالة الثانية. وتشهد الأوبئة الدورية على ذلك بصورة واضحة وضوح تناقص قامة الجندي في ألمانيا وفرنسا (7).
إن قانون المصانع الصادر عام 1850، والذي يسري مفعوله الآن (1867)، يسمح بيوم عمل وسطي يتألف من 10 ساعات، ونعني بذلك 12 ساعة عمل خلال الأيام الخمسة الأولى من الأسبوع تبدأ في السادسة صباحا وتنتهي في السادسة مساء، تقتطع منها نصف ساعة للفطور وساعة للغداء، فيبقى 1/2، 10 ساعة عمل؛ و8 ساعات عمل في يوم السبت من السادسة صباحا إلى الثانية بعد الظهر، وتقتطع منها نصف ساعة للفطور.
يبقى إذن 60 ساعة عمل، موزعة إلى 1/2، 10 ساعة في كل من الأيام الخمسة الأولى، و1/2، 7 ساعة في اليوم الأخير من الأسبوع (8). وقد عين موظفون خاصون، لمراقبة سير تطبيق هذه القوانين، هم مفتشو المصانع التابعون مباشرة لوزارة الداخلية، والذين تنشر تقاريرهم كل 6 أشهر بأمر من البرلمان. وتقدم هذه التقارير إحصائيات رسمية منتظمة عن شراهة الرأسمالين إلى العمل الفائض.
دعونا نستمع، لحظة، إلى مفتشي المصانع (9):

“إن صاحب المصنع المخادع يباشر العمل قبل 15 دقيقة من السادسة صباحا (أحيانا أكثر وأحيانا أقل من ذلك)، وينهيه بعد 15 دقيقة من السادسة مساء (أحيانا أكثر وأحيانا أقل من ذلك). ويسرق 5 دقائق من بداية نصف الساعة المخصصة رسمياً للفطور، و5 أخرى من نهايتها، كما يسرق 10 دقائق من بداية الساعة المخصصة اسمياً للغداء و10 دقائق من نهايتها؛ وفي يوم السبت يطيل العمل ربع ساعة بعد الثانية ظهراً (أحيانا أكثر وأحيانا أقل). وهكذا يكسب:

قبل السادسة صباحا 15 دقيقة

بعد السادسة مساء 15 دقيقة

من فترة الفطور 10 دقائق

من فترة الغداء 20 دقيقة
__________

60 دقيقة في اليوم

إذن فهو يكسب 300 دقيقة في خمسة أيام.

يوم السبت

قبل السادسة صباحا 15 دقيقة

من فترة الفطور 10 دقائق

بعد الثانية ظهراً 15 دقيقة
_________

40 دقيقة في اليوم
المجموع خلال الأسبوع = 340 دقيقة.
هذا يعني 5 ساعات و40 دقيقة في الأسبوع، وإذا ضربنا الرقم بـ 50 اسبوع عمل في السنة (بعد حسم أسبوعين للعطل والتوقفات الطارئة) نجد أنه يساوي 27 يوم عمل (10).
“إن تمديد العمل 5 دقائق كل يوم، مضروبة بالأسابيع، تساوي 2,5 يوم من الإنتاج في السنة(11). إن كسب ساعة إضافية تُسرق بأقساط صغيرة من الزمن قبل السادسة صباحا وبعد السادسة مساء، وعند بداية ونهاية الأوقات المثبتة اسمياً لتناول وجبات الطعام، يضارع، على وجه التقريب، جعل العمل يستغرق 13 شهرة في السنة” (12).
إن الأزمات التي يتوقف في أثنائها الإنتاج ولا تشتغل المصانع إلا “لوقت قصير”، أي خلال جزء من الأسبوع لا أكثر، لا تغير بالطبع النزوع إلى تمديد يوم العمل. وكلما تقلصت الأعمال، توجب زيادة الربح المستمد من هذه الأعمال. وكلما قلت الأوقات التي يمكن فيها العمل، توجب تحويل أكبر قدر من وقت العمل إلى وقت عمل فائض.
وهذا ما يدونه مفتشو المصانع في تقاريرهم عن فترة الأزمة الممتدة من عام 1857 حتى عام 1858:
“قد يبدو ضرباً من التناقض قولنا إن هناك إفراط في العمل بينما التجارة في وضع سيء تماما، غير أن هذا الوضع السيء بالذات هو الذي يدفع أناسا مجردين من الضمير إلى الانتهاكات بغية جني ربح إضافي (Extraprofit) عن هذا الطريق…” ويقول ليونارد هورنر:
“خلال النصف الأخير من السنة ثمة 122 معملا (*5) قد هجر في منطقتي، فيما توقف عن العمل 143 معملا. مع ذلك استمر تمديد العمل إلى ما بعد الساعات المنصوص عليها قانونا (13). ويقول السيد هوویل:
“بسبب كساد التجارة كان العديد من المصانع يغلق أبوابه خلال الشطر الأعظم من الوقت، بينما كان عدد أكبر من المصانع لا يعمل الا بصورة جزئية. مع ذلك فما زلت أتلقى العدد المألوف من الشكاوى حول انتزاع (snatched) نصف ساعة، أو ثلاثة أرباع الساعة أو ساعة في اليوم، سرق خلسة من الأوقات المخصصة قانونا للراحة وتناول وجبات الطعام” (14).
وتجددت الظاهرة نفسها، ولكن على نطاق أضيق، خلال أزمة القطن المريعة التي استمرت من 1861 وحتى عام 1865(15).
“حين يضبط العمال في المصنع وهم يزاولون العمل، إما في ساعة وجبات الطعام أو في أي فترة أخرى غير قانونية، كان أرباب العمل يبررون ذلك بحجة أن العمال لا يريدون مغادرة المصنع في الوقت المقرر، وأنهم يضطرون إلى إرغامهم على الكف عن العمل”، (تنظيف الآلات، إلخ.) خاصة عصر أيام السبت. ولكن إذا كانت “الأيدي” تمكث في المصنع بعد أن تتوقف الآلات عن الهدير … فما كان لها أن تنهمك في أشغال كهذه لو كان ثمة وقت كان مخصص لتنظيف الآلات وما إلى ذلك، إما قبل السادسة صباحا أو قبل الثانية ظهر السبت (16).
“إن الربح المستمد من ذلك”، (تمديد العمل خلافا للقانون) “يبدو للكثيرين إغراء أقوى من أن يقاوم، وهم يبنون حسابهم على الحظ آملين في أن لا يضبطوا متلبسين بالجرم، وحين يرون ضالة الغرامة وتكاليف الدعوى التي اضطر إلى تحملها أرباب العمل الذين أدانهم القضاء، فإنهم يجدون كفة الربح هي الراجحة لو ضبطوا بالجرم” (17). “وفي الحالات التي يجني فيها أرباب العمل الوقت الإضافي بتكرار السرقات الصغيرة (a multiplication of small thefts) خلال النهار، يجد مفتشو المصانع صعوبات جمة لا يمكن تذليلها في إثبات الخروقات” (18). ويصف المفتشون هذه “السرقات الصغيرة”، التي ينهبها رأس المال من وقت طعام وراحة العمال، بأنها “أعمال سلب صغيرة للدقائق”، (petty pilferings of minutes)(19) “وانتزاع بضع دقائق”، (snatching a few minutes)(20)، أو حسب التسمية الفنية عند العمال “قضم وقرض أوقات الطعام” (21) .(nibbling and cribbling at meal times) ومن الواضح، في مثل هذا الجو، أن نشوء فائض القيمة بواسطة العمل الفائض ليس سرّاً.
“لقد قال لي رب عمل صناعي ذو منزلة رفيعة: لو سمحت لي بأن أمدد العمل 10 دقائق في اليوم لا أكثر، فستضع في جيبي ألف جنيه كل عام” (22). “ما لحظات الزمن إلا عناصر الربح” (23).
ومن وجهة النظر هذه، ليس ثمة ما هو أبلغ دلالة من تسمية العمال الذين يعملون يوما كاملا بطائفة «الوقت التام” (full-times)، وتسمية الأولاد الذين هم دون سن الثالثة عشرة والذين لا يجيز لهم القانون العمل إلا 6 ساعات فقط بطائفة “نصف الوقت” (half-times) (24). فلم يعد العامل، هنا، سوى وقت عمل متجسّد في إهاب شخص.
وباتت جميع الفروق الفردية تمحى وتتلاشي في هاتين الصفتين: “طائفة الوقت التام” وطائفة “نصف الوقت”.

_________________

(*) – حرفياً (Bojar) و(Boyard) في النصين الألماني والإنكليزي، وهي رتبة اجتماعية تأتي في المرتبة الثانية بعد لقب أمير، وهي رتبة النبيل، التي الغاها بطرس الأكبر. [ن. ع].

(1) – “إن أولئك الذين يعملون… يطعمون، في الواقع، القاعدين عن العمل… الذين نسميهم أغنياء… ويطعمون أنفسهم في آن معا”، (إدموند بورك، المرجع المذكور نفسه، ص 2-3).

(2) – يقول نيبور في مؤلفه التاريخ الروماني Romischen Geschichte بسذاجة كبيرة: “من الواضح أن اعمالا كأعمال الأتروسكيين، التي تدهشنا أطلالها، تفترض، في صغریات (!) الدول وجود سادة وأقنان”. في حين يقول سیسموندي، على نحو أعمق، إن “مخرمات بروکسیل”، تفترض وجود سادة الأجور والخدم المأجورين.
(3) – “لا يمكن للمرء أن يرى هؤلاء التعساء” (العاملين في مناجم الذهب الواقعة بين مصر واثيوبيا والجزيرة العربية) الذين لا يستطيعون حتى العناية بنظافة أجسادهم او ستر عريهم، من دون أن يشفق على مصيرهم البائس. فليس ثمة عناية أو رفق بالمرضى والضعفاء والمسنّين، أو مراعاة لضعف النساء، فعلى الجميع أن يعملوا تحت ضربات السياط، حتى يضع الموت حداً لآلامهم ومحنتهم”. (دیودورس الصقلي، المكتبة التاريخية، الكتاب الثالث، الفصل الثالث عشر، ص [260]).
(*1) – هي الآن في رومانيا. [ن. ع].
(4) – إن الفقرات التي تلي ذلك تتعلق بالوضع في مقاطعات رومانيا قبل التحولات التي وقعت منذ حرب القرم.
[المقصود بالتحولات هنا الإصلاحات الزراعية خلال ستينات القرن التاسع عشر، التي ألغت القنانة. وقد سبقت الإشارة إلى ذلك. ن.ع].

(*2) – السخرة (Corvee,Fronarbeit) شكل من أشكال استيلاء الطبقة الإقطاعية على العمل الفائض في ظل العلاقات الإقطاعية من خلال العمل الإلزامي المجاني في أراضي السادة، ويطلق عليه اسم: ريع العمل. وقد اتخذ هذا الاستيلاء في ظل الإقطاع اشکالا أخری کالريع العيني والريع النقدي، وهذا الأخير يميز آخر أطوار الإقطاع. أما القنانة (Serfdom,Leibeigenschaft) فهي وضع يكون فيه الفلاح في حالة تبعية للإقطاعي ولا يحق له مغادرة أرض السيد. وكان السادة الإقطاعيون إذا باعوا الأرض فإنهم موضوعياً يبيعون الأقنان ويتصرفون بهم أحيانا كممتلكات خاصة. ولا حاجة للقول إن القنانة لم تكن الشكل الوحيد في جميع أطوار نمط الإنتاج الإقطاعي. من هنا الحديث عن نشوء القنانة من أعمال السخرة وليس العكس. [ن. ع].
(5) – حاشية للطبعة الثالثة: ينطبق هذا الأمر على المانيا، وخصوصا بروسيا في جزئها الواقع شرق الألب. وعلى حين كان الفلاح الألماني في القرن الخامس عشر، في كل مكان على وجه التقريب، إنساناً مرغماً على تقديم التزامات معينة بشكل منتوجات وعمل، فقد كان ما عدا ذلك إنسانا حرّاً، على الأقل من الناحية العملية. وكان المعمرون الألمان في براندبورغ وبوميرانيا وسيليزيا وبروسيا الشرقية معترف بهم، قانوناً، كفلاحين أحرار. ثم جاء انتصار النبلاء في حرب الفلاحين ليضع نهاية لذلك. ولم يقتصر الأمر على إرجاع فلاحي المانيا الجنوبية الذين هزموا في الحرب إلى أقنان من جديد. فابتداء من منتصف القرن السادس عشر، أعيد الفلاحون الأحرار إلى القنانة في بروسيا الشرقية وبراندبورغ وبوميرانيا وسيليزيا ومن بعدهم فلاحو شلسفيغ – هولشتاین.
(غ. ل. فون ماورر، تاريخ القنائة، المجلد الرابع – مايتسن، ملكية الأرض في الدولة البروسية – هانسن، الفنانة في شلسفيغ – هولشتاین).
(*3) – القانون العفوي لعام 1831، هو الدستور الأول للإمارات الدانوبية (مولدافيا وفالاشيا) التي احتلتها القوات الروسية وفق معاهدة صلح ادریانوبل الموقعة في 14 ايلول/ سبتمبر 1829، والتي أنهت الحرب الروسية التركية 1828-1829. وكان ب. د. کیسیلیف، رئيس إدارة هذه الإمارات قد أعد مشروع هذا الدستور، الذي أوكل السلطة التشريعية في كل إمارة إلى مجلس ينتخبه ملاکو الأرض، أما السلطة التنفيذية فقد أوكلها إلى الهوزبوداريين، الذين ينتخبون مدى الحياة، من جانب ممثلي الملاكين والكنيسة والمدن. وقد حافظ الدستور على النظام الإقطاعي السابق، بما في ذلك السخرة. أما السلطة السياسية، فتمركزت بأيدي الملاكين. وفي الوقت نفسه أدخل القانون عددا من الإصلاحات البورجوازية: إلغاء القيود الجمركية الداخلية، إطلاق حرية التجارة، فصل القضاء عن الإدارة، السماح للفلاحين بالانتقال من ملاك إلى آخر، وإلغاء التعذيب. وقد أُلغي هذا الدستور أثناء ثورة 1848. [ن. برلین].
(*4) – حرفياً سيکلوب ( Cyclop-Zyklope )، وهو مارد اسطوري بعين واحدة من طراز المارد الذي يرد ذكره في الأوديسه. [ن. ع].
(6) – ثمة المزيد من التفاصيل في مؤلف إي. رينو المعنون، التاريخ السياسي والاجتماعي للإمارات الدانوبية، باريس، 1855، [ص 304 وما يليها].
(7) – إن تجاوز الكائنات العضوية المتوسط حجم جنسها يدل، بوجه عام، وفي حدود معينة، على ازدهار هذه الكائنات. أما الإنسان، فإن قامته تقصر إذا اعترضت نموه الطبيعي ظروف جسمية أو اجتماعية. وفي جميع البلدان الأوروبية التي يسود فيها التجنيد العسكري الإلزامي نرى أن القامة الوسطية للبالغين من الذكور قد قصرت وصلاحيتهم للخدمة العسكرية قد ضعفت منذ إدخال التجنيد. وقبل الثورة (1789) كان الحد الأدنى لقامة جندي المشاة في فرنسا 165 سنتمترا، ثم خفض في عام 1818 (بموجب قانون العاشر من آذار / مارس) إلى 157 سنتمترا، وجاء قانون 21 آذار/ مارس 1832 لينزل به إلى 156 سنتمترا، وبصورة وسطية في نصف المجندين في فرنسا بسبب قصر القامة أو ضعف البنية الجسدية. وكانت القامة العسكرية في سكسونيا عام 1780 تبلغ178 سنتمترا. أما الآن فهي 155 سنتمترا. وهي في بروسيا 157 سنتمترا. وحسب قول الدكتور ماير في المجلة البافارية Bayrischen Zeitung في 9 أيار/ مايو 1862، فإنه استنادا إلى المعدل الوسطي لأرقام تسع سنوات، كان 716 مجنداً من كل الف مجند غير صالحين للخدمة العسكرية في بروسيا، بينهم 317 بسبب قصر القامة، و399 بسبب عيوب جسدية … ولم يكن بوسع برلين في عام 1858 أن تقدم حصتها من المجندين، فقد كان ينقصها 156 رجلا. (ي. فون ليبش، تطبيق الكيمياء في الزراعة والفسلجة، 1862، الطبعة السابعة، المجلد الأول، ص 117-118).
(8) – يجد القارئ، تاريخ قانون المصانع الصادر عام 1850 في مجرى هذا الفصل
(9) – لا أتطرق، إلا بين الحين والآخر، إلى الفترة الممتدة من بداية الصناعة الحديثة في إنكلترا حتى عام 1845. وبالنسبة لهذه الحقبة أُحيل القارىء إلى كتاب فريدريك إنجلز المعنون: وضع الطبقة العاملة في إنكلترا، لايبزيغ، 1845. إن التقارير عن العمل في المصانع والتقارير المتعلقة بالمناجم، وغيرها، والتي بدأت بالظهور منذ عام 1845 تشهد على كمال فهم إنجلز لطبيعة نمط الإنتاج الرأسمالي، أما مدى الروعة التي صور بها إنجلز تلك الأوضاع في كل تفاصيلها، فتتجلى ساطعة عند إجراء أية مقارنة، حتى لو كانت موغلة في السطحية، بين مؤلفه هذا والتقارير الرسمية للجنة استخدام الأطفال التي نشرت بعد 18 او عشرين عاماً من ذلك (1863-1867). وتعالج هذه التقارير بوجه خاص فروع الصناعة التي لم تشملها لائحة قوانين المصانع حتى عام 1862. والحق أن القوانين لم تشملها حتى الآن. وها نحن نرى أن قوة القانون لم تدخل أدنى تغيير، أو لم تدخل سوى تغيير طفيف على الظروف التي صورها إنجلز. إنني أستعير أمثلتي، بدرجة رئيسة من فترة التجارة الحرة التي أعقبت عام 1848، وهي عصر النعيم الذي ما انفك الباعة الجوالون، وكلاء المؤسسة الكبيرة للتجارة الحرة، والذين هم جهلة بقدر ما هم ثرثارون، يروون عنه للألمان مثل هذه الحكاية الخرافية. وما عدا ذلك فإن إنكلترا تتبوأ هنا مركز الصدارة، لأنها الممثل الكلاسيكي للإنتاج الرأسمالي، وهي البلد الوحيد الذي يمتلك مجموعة متصلة من الإحصائيات الرسمية عن المواضيع التي ندرسها.
(10) – مقترحات، إلخ، بقلم السيد ل. هورنر، مفتش المصانع، في، لوائح قانون تنظيم المصانع، طبعت بأمر من مجلس العموم، في التاسع من آب/ أغسطس 1859، ص 4-5.
(11) – تقارير مفتشي المصانع لنصف عام، والصادرة في تشرين الأول/ أكتوبر 1856، ص 35.
(12) – تقارير مفتشي المصانع، 30 نيسان/ أبريل 1858، ص 9.

(*5) – النص الألماني للمقتبس يختلف عن نصه الإنكليزي بوجود عبارة إضافية في هذا الموضع: “أما بقية المعامل فكانت تعمل بوقت جزئي”. [ن. ع].
(13) – المرجع السابق، ص 10.
(14) – المرجع السابق، ص 25.

(15) – تقارير مفتشي المصانع لنصف السنة المنتهية في 30 نيسان/إبريل 1861، راجع الملحق الثاني من التقارير المؤرخة في ا3 تشرين الأول/ أكتوبر 1862، ص 7-52-53. وازدادت خروقات القانون خلال النصف الثاني من عام 1863. راجع: تقارير مفتشي المصانع، إلخ، المنتهية في 31 تشرين الأول أكتوبر 1863، ص 7.

(16) – تقارير، إلخ، 31 تشرين الأول – أكتوبر 1860، ص 23. أما بأي تعصّب، حسب شهادة أرباب المصانع أمام القضاء، تعارض “الأيدي” المستخدمة وقف العمل في المصنع، فذلك ما تشهد عليه الواقعة الغريبة التالية، في مستهل حزيران/ يونيو 1836 رُفعت شكوى إلى قضاء ديوز بيري (مقاطعة يورکشایر) تفيد أن مالكي ثمانية مصانع كبيرة في نواحي باتلي قد خرقوا لائحة قانون المصانع. واتهم بعض من هؤلاء السادة بتشغيل خمسة أولاد تتراوح أعمارهم بين 12 إلى 15 سنة، منذ السادسة من صباح الجمعة حتى الرابعة عصر السبت، دون أن يسمحوا لهم بلحظة راحة، عدا أوقات تناول وجبات الطعام وساعة واحدة للنوم عند منتصف الليل. وكان على هؤلاء الأطفال أن يؤدوا هذا العمل المتواصل على مدى 30 ساعة من دون انقطاع في حفرة الخرق (shoddy-hole) حسبما تُسمى الحفرة التي تقع فيها مزق الصوف، حيث يسود جو كثيف من الغبار ونسل الصوف، وغير ذلك، مما يرغم حتى العامل الراشد على تغطية فمه، باستمرار، بالمناديل لحماية رئتيه! وأكد السادة المتهمون، عوضا عن القسم باليمين القانوني – بوصفهم من طائفة الكویکرز (الصاحبيين) فقد رفضوا أداء اليمين من شدة التقيد بأحكام الدين – أكدوا أنهم في حنوهم الرقيق على الأطفال التعساء سمحوا لهم بالخلود إلى النوم 4 ساعات، لكن هؤلاء العنيدين رفضوا الهجوع في الفراش رفضا قاطعة. وحُكم على السادة الكويکرز بغرامة قدرها 20 جنيهاً.
ولربما كان درايدن يحدس ظهور أمثال هؤلاء الأفاضل إذ قال:
“ثعلب يلبس رداء التقوى
يخشى أداء اليمين، ولكنه يكذب كالشيطان،
تبدو عليه سيماء الصائم ويجيل نظراته الماكرة في ورع…
لا يجرؤ على ارتكاب خطيئة (!) قبل أن يتلو صلاته!”
[درايدن، الديك والثعلب، أو حكاية كاهن الراهبات، 1713، الأبيات 480_488]. [ن. برلین].
(Dryden, The cock and the fox, or, the tale of the nun’s priest; 1713, Lines 480-488).
(17) – تقارير مفتشي المصانع، 31 تشرين الأول/ أكتوبر، 1856، ص 34
(18) – المرجع نفسه، ص 35.
(19) – المرجع نفسه، ص 48.
(20) – المرجع نفسه.
(21) – المرجع نفسه.
(22) – المرجع نفسه، ص 48.

(23) – .Moments are the elements of profit، تقاریر مفتشي المصانع، 30 نیسان/ إبريل، 186، ص 56.
(24) – وهذا هو التعبير الرسمي في المصانع وفي تقارير المفتشين على حد سواء.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن