حياة واحدة لا تكفي !

حنان بديع
hananbadih@yahoo.com

2020 / 1 / 20

مع انتهاء فعاليات معرض الكتاب الذي نستقبله ونودعه كل عام ، ومع اتهامنا الدائم بأننا مجتمعات لا تقرأ حسب الدراسات والإحصائيات ..خطر لي أن أسال، الى أي مدى تبدو الحياة طبيعية دون قراءة ؟ وهل القراءة ضرورة حقا أم رفاهية ؟ وما الفرق في نوعية الحياة لدى انسان يقرأ وآخر لا يفعل ؟
نسبة كبيرة من الشعوب العربية تعيش ، تأكل ، تتوالد ، تشيخ وتموت ، دون أن تشعر أن هناك ما كان يمكن للقراءة أن تضيفه الى حياتها ؟
نحن أكثر الكائنات على هذا الكوكب ذكاء وتميزا بل وتكاثرا ، ترى ما النكهة التي يمكن للقراءة أن تضيفه على طبق حياتنا؟
الاجابة في الأغلب عند أولئك القلة منا التي تدمن القراءة ، أولئك الذين يتذوقون الفكرة والحبكة والنص والصورة ، أولئك الذين يشعرون بالفرق بين ما كانوا عليه وما أصبحوا علية بعد قراءة كتاب جذاب ومهم في آن ؟
واذا كان العقاد قد قال أنه يقرأ لأن عنده حياة واحدة في هذه الدنيا ، وحياة واحدة لا تكفيه !
فهو على حق لأن الحياة قصيرة جدا ولا تكفي لاستخلاص الحكمة والعبرة إلا من خلال تجاربنا وليس ما نتعلمه في نظمنا التعليمية ، وتجاربنا هذه حتما سندفع ثمنها من وقتنا وطاقتنا بل وصحتنا لاحقا ..
إنه اذن السر الكامن وراء رغبة المثقفين العميقة بالقراءة ووقوعهم في غرام هذا المسمى (كتابا) ، وكأنها يتلهفون الى الخلود وغرف المزيد من طبق الحياة بنهم الجائع الذي لا يشبع والطامع الذي لا يقنع.
في الحقيقة نحن نقرأ لا لنحشو عقولنا بمزيد من المعلومات فهي متوفرة على أية حال على رفوف الكتب وفي صفحات البحث الالكترونية متى شئنا وجدناها، لكننا نقرأ لأن لدينا ما يكفي من الفضول لنتجول في عقول الآخرين ونعيش تجاربهم التي عاشوها في زمننا أو في أزمان أخرى ، ونجد إجابات ربما لأسئلة قد طرحوها فيما بين السطور .. بل ونتطفل على بعض مشاعرهم وأفكارهم وهواجسهم الانسانية التي نتشارك فيها كبشر نحمل ذات الجينات والطبيعة الانسانية .
بالقراءة نعيش اكثر من حياة ، نحن عشاق الكتب أو أصحاب الأقلام نقرأ لنشعر بأننا أحياء فبالقراءة ندرك هذا الفارق بين الأحياء والأموات ، الفرق بين من يحيا الحياة التي أرادها له الآخرون ومن يحيا حياته الخاصة الفريدة .
القارئ النهم هو القارئ الذي يعاني الهرش في عقله والجوع والعطش في روحه والضجيج في أفكاره التي تتوالد وتكرج كمسبحة انفرطت للتو لتأخذه معها الى عالم الحرية والتحرر من القولبة والبرمجة التي نتعرض لها صغارا أبرياء وفارغين.
القارئ الحقيقي هو ذاك الذي يبحث عن الحقيقة المطلقة في بطن كتاب وبجدية بالغة ، يقرأ للمتعة وليس للترف ، هذا القارئ سيرتاد معرض الكتاب متذوقا وباحثا عن الجديد وليس متنزها أو باحثا عن كتاب الطبخ ليأكل أو التنجيم ليتسلى ، أو في أسوأ الأحوال ليشتري بثمن الكتاب الذي لا يهتم لأمره فنجان قهوة من المقهى المجاور ويعود مالئا معدته لا عقله ، ثم نسأل ببساطه .. لماذا لا نقرأ ؟
ترى لماذا ؟؟؟



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن