رأس المال: الفصل الخامس

كارل ماركس
Jasim_737@yahoo.com

2019 / 12 / 23


(ليشتري الرأسمالي قوة العمل بغية استعمالها) (*). واستعمال قوة العمل هو العمل ذاته. إن شاري قوة العمل يقوم باستهلاك هذه القوة بجعل بائعها يعمل. وبذلك يصبح هذا الأخير قوة عمل فاعلة، يصبح عامة بالفعل (actu) بعد أن كان ذلك كامناً فيه بالقوة (potentia) ليس إلا. ولكي يعاود عمله الظهور في سلعة من السلع، يتعين عليه أولا، أن ينفق هذا العمل على قيم استعمالية، أشياء كفيلة بإشباع حاجات من نوع ما. لذا فإن الرأسمالي يجعل العامل ينتج قيمة استعمالية معينة، سلعة من صنف محدد. إن إنتاج القيم الاستعمالية، أو الأشياء النافعة، يجري هنا بإشراف الرأسمالي ولحسابه، لكن هذه الحقيقة لا تغير من الطبيعة العامة للإنتاج. ولهذا يتوجب علينا، قبل كل شيء، أن ندرس سير عملية العمل بصورة مستقلة عن الشكل الخاص الذي تسبغه عليها أوضاع اجتماعية محددة.
العمل، هو قبل كل شيء، عملية بين الإنسان والطبيعة، عملية يفعل فيها الإنسان فعله الذاتي بإجراء وتنظيم وضبط التفاعل المادي (الأيض) بينه وبين الطبيعة. إنه يواجه مادة الطبيعة باعتباره قوة من قواها، فيحرك ما في جسده من قوى طبيعية: الذراعين، الساقين، الرأس، اليدين، بغية الاستحواذ على مادة الطبيعة في شكل يلائم ما يحتاجه في الحياة. وإذ يؤثر الإنسان بفعله على الطبيعة الواقعة خارجه ويغيرها على هذا النحو، فإنه يغير، في الوقت نفسه، طبيعته بالذات. فينمّي ما يكمن في طبيعته هذه من قدرات، ويخضع فعل هذه القوى وفقا لمشيئته هو. ولا نتناول، هنا، تلك الأشكال الغريزية البدائية من العمل، التي تذكرنا بالحيوان المحض. فثمة مدى زمني، لا يمكن قياسه، يفصل بين الأوضاع التي يحمل فيها العامل قوة عمله إلى السوق لبيعها كسلعة، وبين الأوضاع التي كان العمل البشري، فيها، ما يزال في أشكاله الغريزية البدائية. إننا نفترض أصلا أن العمل قد بلغ صورة أصبح معها مقصوراً على الإنسان وحده. إن العنكبوت يقوم بعمليات تشبه عمليات النساج، والنحلة، في بناء خلاياها، تبز الكثير من المهندسين المعمارين. غير أن ما يميز أسوأ معماري عن أبرع نحلة، هو أنه يقيم البنيان في خياله قبل أن يبنيه من الشمع. ففي ختام كل عملية عمل، نحصل على نتيجة كانت موجودة، سلفا، في مخيلة العامل عند بدء العملية، أي مثالياً. إنه لا يحدث تغييرا في شکل مادة الطبيعة فحسب، بل ويحقق في هذه المادة الطبيعية غايته الواعية التي تفرض عليه اسلوب وطريقة أفعاله كقانون ينبغي أن تخضع له مشيئته. وهذا الخضوع ليس محض فعل منفرد. فالعمل يقتضي، في أثناء سيره، فضلا عن جهد الأعضاء الجسدية، أن تتطابق إرادة العامل باستمرار مع غايته، وهذا يتجلى في الانتباه الدقيق؛ وبقدر ما يكون مضمون العمل وأسلوب تنفيذه قليلي الجاذبية للعامل، تقل متعته بهذا العمل كشيء تنطلق خلاله قواه الجسدية والذهنية، ويضطر بالتالي إلى زيادة شدة الانتباه.
وتتألّف عملية العمل من العناصر الأولية التالية، أولا : النشاط الهادف الذي يبذله الإنسان، أي العمل ذاته، ثانيا: موضوع العمل، ثالثا: وسائل العمل.
إن الأرض (وهذا تعبير يشمل من الوجهة الاقتصادية، المياه)، في حالتها البكر حيث كانت تزود الإنسان(1) بالضروريات، بوسائل العيش الجاهزة، موجودة بصورة مستقلة عن فعله بصفتها الموضوع الشامل للعمل البشري. وجميع الأشياء التي يؤدي العمل إلى فكّها فقط عن رباطها المباشر ببيئتها، الأرض، هي مواضيع للعمل تقدمها الطبيعة بصورة عفوية. هكذا حال السمك الذي نصطاده، فننتزعه من عنصر حياته: الماء، والخشب الذي نقتطعه من الغابة العذراء، وخامات المعادن التي نحتفرها من عروقها. أما إذا كان موضوع العمل قد ترشّح، إن جاز القول، عبر مصفاة عمل سابق، فإننا نسميه مادة أولية، مثل المعدن الخام المستخرج والجاهز للتنقية. إن جميع المواد الأولية هي موضوع عمل، ولكن ليس كل موضوع عمل هو مادة أولية: فلا يمكن له أن يصبح كذلك، إلا بعد أن يتعرض لتغيير معين بواسطة العمل.
إن وسيلة العمل عبارة عن شيء أو مركب أشياء يزجها العامل كوسيط بينه وبين موضوع عمله، وتخدم بمثابة موصل ينقل نشاطه إلى موضوع العمل. إنه يستخدم الخواص الميكانيكية والفيزيائية والكيميائية للأشياء كأداة سيطرة يخضع بها أشياء أخرى طبقا لغاياته. وإذا ضربنا صفحاً عن وسائل العيش الجاهزة كالثمار، التي يقطفها الإنسان مستخدماً أعضاء جسده كأدوات عمل، فإن أول شيء يقتنيه العامل ليس موضوع العمل بل أدائه. وهكذا يسخّر الطبيعة بمثابة أعضاء لنشاطه، أي يردف بها أعضاء جسده، فتستطيل هامته رغما عن الكتاب المقدس. ومثلما أن الأرض مستودع قوّته الأولي، كذلك هي مخزن أدواته البدائية. فهي تزوده، على سبيل المثال، بالأحجار للرمي، والطحن والعصر، والقطع، إلخ. والأرض نفسها أداة للعمل، ولكن استخدامها كأداة في مجال الزراعة يقتضي توافر سلسلة كاملة من أدوات أخرى، وبلوغ مستوى عالي من تطور قوة العمل. وما إن يطرأ أدنى تطور على عملية العمل، حتى يتطلب أدوات مُعدّة على نحو خاص. لذا نجد في أقدم الكهوف أدوات وأسلحة حجرية. وفي أقدم عصور التاريخ البشري نرى أن الحيوانات المدجنة، أي الحيوانات التي رُبّيت لهذا الغرض، وجرى تكييفها بواسطة العمل، تلعب الدور الرئيسي بوصفها وسائل عمل إلى جانب الأحجار والأخشاب والعظام والأصداف المُعدّة إعداداً خاصاً (4). إن القدرة على استخدام وابتداع وسائل العمل، وإن كانت موجودة بحالة جنينية لدى أصناف معينة من الحيوان، فإنها سمة خاصة تميز عملية العمل البشري، لذلك يعرف فرانكلين الإنسان بأنه “حيوان صانع للأدوات”
(a tool making animal). إن بقايا آثار وسائل العمل الغابرة تتمتع بالنسبة لدراسة التشكيلات الاجتماعية – الاقتصادية المندثرة، بنفس الأهمية التي تتسم بها المتحجرات العظمية بالنسبة لدراسة أصناف الحيوان المنقرضة. فما يتيح لنا تمييز العصور الاقتصادية المختلفة ليس الأشياء المصنوعة، بل طريقة صنعها ووسائل العمل المستخدمة في ذلك (5). إن وسائل العمل ليست معیاراً ينمّ عن درجة التطور التي بلغتها قوة العمل البشري فحسب، بل إنها، أيضا، مؤشرات تعكس العلاقات الاجتماعية التي جرى ذلك العمل في ظلها. ومن بين وسائل العمل ككل، نجد أن الوسائل الآلية التي يمكن تسمية مجموعها بالجهاز العظمي والعضلي للإنتاج، تمثل سمات مميزة لحقبة معينة من الإنتاج الاجتماعي أكبر أهمية مما تمثله الوسائل الأخرى، كالأنابيب والأحواض، والسلال، والجرار، إلخ، التي لا تقوم إلا بدور الأوعية لمواد العمل، ويمكن لنا أن نسميها، بوجه عام، الجهاز الوعائي للإنتاج. ولا تبدأ هذه الأخيرة بلعب دور هام إلا في الصناعات الكيميائية (a5).
وإلى جانب تلك الأشياء التي تستخدم لإيصال تأثير العمل مباشرة إلى موضوعه، والتي تخدم، بطريقة أو بأخرى، كناقلات للفعالية، يمكن لنا أن نُدخل في عداد وسائل عملية العمل بمعناها الواسع، كل تلك الشروط المادية للقيام بالعملية. ورغم أن هذه لا تدخل مباشرة في عملية العمل، إلا أن هذه العملية، بدونها، إما أن تكون مستحيلة أو غير ناجزة. تارة أخرى، تمثل الأرض الوسيلة الشاملة من هذا النوع، فهي تقدم للعامل الموطىء لقدمه (locus standi) والميدان لفعله (field of employment). ومن وسائل العمل التي تنتمي لهذا الصنف، والناجمة عن عمل سابق، هناك مباني العمل، والقنوات، والطرق، إلخ.
وعلى هذا فإن نشاط الإنسان، في مجرى عملية العمل، يستعين بوسائل العمل ليحقق التغيير المرسوم، مسبقاً، في موضوع العمل. وتتلاشى العملية في المنتوج، وتكون حصيلتها قيمة استعمالية، أي مادة من الطبيعة كُيّفت بتغيير شكلها لتناسب حاجات بشرية.
وبذلك يتحد العمل مع موضوعه؛ فالعمل يتجسد في موضوع، والموضوع يتحول بفعل العمل، وما كان يظهر لدى العامل كحركة، يتجلى الآن من ناحية المنتوج في شكل وجود، كخاصية ثابتة بلا حراك. لقد غزل، والناتج غزول.
ولو تفحصنا مجمل هذه العملية من زاوية النتيجة، أي المنتوج، فمن الجلي أن كلا من وسيلة العمل وموضوع العمل هما وسيلة إنتاج (6)، وأن العمل نفسه عمل منتج (7).
ورغم أن قيمة استعمالية معينة، في شكل منتوج، تنبثق عن عملية العمل، فإن قيمة استعمالية أخرى، هي منتوج عمل سابق، تدخل هذه العملية نفسها کوسائل إنتاج.
والقيمة الاستعمالية نفسها تكون منتوج عملية عمل سابقة، ووسيلة إنتاج في عملية لاحقة.
ليست المنتوجات إذن مجرد نتيجة تتمخض عن عملية العمل، بل هي أيضا شرط أساسي وما عدا الصناعات الاستخراجية، التي تتلقى موضوع العمل من الطبيعة مباشرة، استخراج المعادن، وقنص الحيوان، وصيد الأسماك، والزراعة (بحدود انتصارها على افتضاض التربة العذراء)، فإن جميع فروع الصناعة تعالج مواد أولية، أي موضوع سبق أن مر بمصفاة العمل، نعني أنه منتوج عمل سابق، كالبذور في الزراعة. أما الحيوانات والنباتات التي جرت العادة على اعتبارها منتوجات الطبيعة، فهي في أشكالها الراهنة ليست فقط منتوج عمل العام السابق، مثلا، بل نتاج تحول تدريجي، استمر على مدى أجيال تحت رقابة الإنسان وبواسطة عمله. أما ما يخص وسائل العمل فإن غالبيتها الساحقة تكشف لأنظار أشد المراقبين سطحية عن آثار عمل العصور السالفة.
ويمكن للمادة الأولية أن تؤلف الجوهر الأساسي للمنتوج، أو قد تدخل في تكوينه كمادة مساعدة. ولربما تستهلك وسائل العمل المادة المساعدة، كاستهلاك المرجل للفحم، والعجلة للزيت، وحصان الجر للعلف، أو قد تُمزج مع المادة الأولية لتُدخل عليها تحويراً معيناً، كما يفعل الكلور بالقماش غير المقصور، والفحم بالحديد، والصباغ بالصوف، أو أنها قد تساعد على أداء العمل ذاته، كما هو شأن المواد المستخدمة في تدفئة ورش العمل وإنارتها، بيد أن الفرق بين المادة الأساسية والمادة المساعدة يتلاشى في الصناعات الكيميائية الحقيقية، لأنه ما من مادة أولية، هنا، تعاود الظهور بوصفها جوهر المنتوج مثلما كانت عليه في تركيبها الأصلي(8).
وبما أن كل شيء من الأشياء يتمتع بخواص متنوعة، ويمكن لذلك الانتفاع به في استعمالات متباينة، فإن المنتوج الواحد ذاته يمكن أن يستخدم إذن كمادة أولية في عمليات عمل مختلفة تماما. فالقمح، على سبيل المثال، مادة أولية عند الطحان، وصانع النشاء، والمقطر، ومربي المواشي وهلمجرا. كما يدخل كمادة أولية في إنتاج نفسه أيضا، بهيئة بذور. والفحم، هو الآخر، يخرج كمنتوج ويدخل كوسيلة إنتاج في الصناعة المنجمية.
وقد يُستخدم منتوج معين کوسيلة عمل ومادة أولية في عملية العمل الواحدة نفسها، مثل تسمين الماشية، حيث الحيوان هو المادة الأولية المشغولة، ووسيلة لتوليد السماد في آن واحد.
إن منتوجاً معيناً قد يكون صالحاً للاستهلاك في شكله الناجز، لكن بوسعه، مع ذلك، أن يخدم كمادة أولية لصنع منتوج آخر، كالعنب الذي يصبح مادة أولية لصنع النبيذ. من جهة أخرى يمكن للعمل أن يقدم لنا منتوجاً في شكل محدد لا نستطيع، معه، استخدامه إلا كمادة أولية، مثلما هو الحال مع القطن والخيوط والنسيج. وتدعى المادة الأولية في هذه الحالة مادة نصف مصنعة، ولعل الأفضل أن نسميها مادة مصنعة أولية. وبالرغم من كون هذه المادة الأولية الأصلية منتوجا، يتعين عليها أن تجتاز سلسلة كاملة من عمليات مختلفة تخدم فيها، على التعاقب، كمادة أولية، ويتغير شكلها باستمرار إثر كل واحدة، حتى تخرج من آخر عملية في السلسلة بصورة منتوج کامل، جاهز للاستخدام كوسيلة عيش أو وسيلة عمل.
هكذا نرى أن اعتبار القيمة الاستعمالية مادة أولية، أو وسيلة عمل، أو منتوجا، أمر يتوقف كلية على الوظيفة التي تؤديها هذه القيمة الاستعمالية في مجرى عملية العمل، والموقع الذي تحتله فيها: وبتغير هذا الموقع يتغير تعريفها أيضا.
وعليه، حيثما يدخل المنتوج عملية عمل جديدة بصفته وسيلة إنتاج، فإنه يفقد طابعه کمنتوج، ويتحول إلى محض عوامل موضوعية للعمل الحي. إن النسّاج لا يعامل المغازل إلا كوسيلة يغزل بها، ولا يعامل الكتان إلا كموضوع لهذا العمل. وبالطبع يستحيل عليه أن ينسج من دون خيوط ومغازل، ولا بد من التسليم بوجود هذه الأشياء، کمنتوجات(*1)، في بدء عملية الغزل: إلا أن كون المغازل والكتان منتوجات عمل سابق أمر لا أهمية له البتة في مجرى سير عملية العمل نفسه، مثلما لا يؤثر في شيء على الاغتذاء أن يكون الخبز نتاج أعمال سابقة قام بها الفلاح والطحان والخباز. على العكس من ذلك فإن العديد من وسائل الإنتاج لا تظهر طابعها في عملية العمل کمنتوجات عمل سابق إلا حين تحفل بالنواقص. فالسكين الذي لا يقطع والخيط الذي يتقطع لا بد من أن يذكّرانا بالسيد (آ) صانع السكاكين والسيد (ب) غازل الخيوط. أما في المنتوج الكامل، فإن العمل الذي أسبغ عليه صفاته النافعة يتلاشى تماما.
إن الآلة التي لا تخدم عملية العمل، عديمة النفع. زد على ذلك أنها تسقط فريسة التأثيرات المدمرة لتفاعل عوامل الطبيعة. فالحديد يصدأ، والخشب ينتخر. وخيوط الغزل التي لا تحبك أو تُنسج تكون قطنا مبدّداً. وينبغي للعمل الحي أن يمسك بهذه الأشياء ويوقظها من رقاد الموت، ليحولها من مجرد قيم استعمالية ممكنة إلى قيم استعمالية فعلية وفاعلة. وإذ يغمرها لهيب العمل، ويتملكها كجزء لا يتجزأ من جسده وينفخ فيها الحياة لتؤدي الوظائف المماثلة لمفهومها ودورها في هذه العملية، فإنها تتعرض حقاً للاستهلاك ولكنها تستهلك حقا لغاية معينة، كعناصر مکونة لقيم استعمالية جديدة، أو منتوجات جديدة، قادرة على الدخول كوسائل عيش للاستهلاك الشخصي، أو للاستعمال کوسائل إنتاج في عملية عمل جديدة.
وعليه، لئن كانت المنتوجات الناجزة لا تعد نتيجة لعملية العمل فحسب، بل كذلك شرطاً لوجود هذه العملية من جهة، فإن دخول هذه المنتوجات في تلك العملية، أي احتكاكها بالعمل الحي، هو الوسيلة الوحيدة للانتفاع بمنتوجات عمل الماضي هذه والحفاظ عليها وتحقيقها كقيم استعمالية، من جهة أخرى.
إن العمل يستهلك عناصره المادية، أي موضوعه ووسائله، أي أنه يلتهمها، وعليه فإنه عملية استهلاك. ويتميز هذا الاستهلاك الإنتاجي عن الاستهلاك الفردي في هذا الأمر، وهو أن هذا الأخير يستهلك المنتوجات كوسيلة عيش للفرد الحي، أما الأول فيستهلكها بوصفها وسيلة بقاء العمل، قوة العمل الفاعلة. لذا فنتاج الاستهلاك الفردي هو المستهلك نفسه، وثمرة الاستهلاك الإنتاجي هي منتوج متميز عن المستهلك.
وحين تكون وسائل وموضوع العمل هي منتوجات، فإن هذا العمل نفسه إنما يستهلك منتوجات بغية خلق منتوجات، أو بتعبير آخر إنه يستعمل صنفاً معيناً من المنتوجات، بتحويلها إلى وسائل إنتاج بغية خلق منتوجات. ولكن مثلما أن الإنسان والأرض كانا العنصرين الوحيدين المشاركين في عملية العمل في البداية، حيث الأرض موجودة بصورة مستقلة عن الإنسان، كذلك الحال الآن، حين يستخدم الإنسان، في عملية العمل، عددا من وسائل الإنتاج التي توفرها الطبيعة على نحو مباشر، ولا تمثل أي امتزاج بين المواد الطبيعية والعمل البشري.
إن عملية العمل، كما حللناها سابقا بلحظاتها البسيطة المجردة، هي نشاط بشري هادف يتوخى إنتاج قيم استعمالية، أي تملك مواد الطبيعة وتكييفها للحاجات البشرية، إنها الشرط العام لحدوث التفاعل المادي (الأيض) بين الإنسان والطبيعة، إنها ضرورة طبيعية أبدية للوجود البشري، وهي لهذا السبب مستقلة عن جميع أشكال هذا الوجود، أو هي، بالأحرى، مشتركة بين جميع الأشكال الاجتماعية. ولهذا لم نجد ثمة ضرورة، إذن، لدراسة العامل، (الذي تحدثنا عنها)(*2)، من ناحية علاقته بالعمال الآخرين. إذ يكفينا استعراض الطبيعة وموادها، من ناحية، والإنسان وعمله من الناحية الأخرى.
ولكن بما أن مذاق الحساء لا يشي بمن زرع الشوفان، كذلك شأن عملية العمل البسيطة فهي لا تشي، من تلقاء ذاتها، بالظروف التي تجري في ظلها، فنحن لا نعرف هل جرى العمل تحت السياط اللاذعة لمالك العبيد، أم تحت عين الرأسمالي القلقة، هل نحن إزاء سینسیناتوس (*3) يحرث قطعة أرضه المتواضعة (فدان Jugera)، أم إزاء إنسان متوحش يصرع حيوانا بريا بحجر (9).
لنعد الآن إلى صاحبنا المتحوّل [in spe] إلى رأسمالي. لقد تركناه بمجرد أن اشتری، من سوق السلع كلها، العناصر الضرورية للبدء بعملية العمل، العناصر المادية أي: وسائل الإنتاج، والعنصر الشخصي أي: قوة العمل. لقد اختار، بعين خبير بارع، وسائل الإنتاج ونوع قوى العمل التي تناسب أعماله الخاصة، كأن تكون صنع الغزول او الأحذية، أو أي صنف آخر. بعد ذلك يشرع صاحبنا الرأسمالي في استهلاك السلعة التي اشتراها لتوه، أي قوة العمل، بدفع حامل قوة العمل أي العامل، إلى أن يستهلك، بعمله، وسائل الإنتاج. ومن الجلي أن الطابع العام لعملية العمل لا يتغير لأن العامل يؤديها لأجل الرأسمالي وليس لنفسه. كما أن تدخل الرأسمالي لا يغير، في الحال، الأساليب والطرائق الخاصة التي تستخدم في صنع الأحذية او غزل الخيوط. وينبغي للرأسمالي أن يبدأ بأخذ قوة العمل مثلما يجدها في السوق، وبالتالي أن يتقبل نوع العمل الذي يمكن العثور عليه في الفترة التي سبقت ظهور الرأسماليين مباشرة. إن خضوع العمل لرأس المال لا يفضي إلى تغيير طريقة صنع الحذاء أو الغزل؛ فطريقة الإنتاج نفسها لا تتغير إلا في فترة لاحقة، ولهذا السبب تنبغي معالجتها لاحقا.
إن عملية العمل، التي تحولت إلى عملية استهلاك الرأسمالي لقوة العمل، تكشف للأنظار ظاهرتين مميزتين.
أولا، يشتغل العامل تحت سيطرة الرأسمالي الذي يملك عمله، ويحرص الرأسمالي على أن يجري العمل بالصورة المطلوبة، وأن تستخدم وسائل الإنتاج بشكل هادف بحيث لا يحصل تبديد غير ضروري للمواد الأولية، ولا يحدث تلف وبلى في أدوات العمل عدا ما يحتمه استخدامها.
ثانياً، المنتوج ملك الرأسمالي وليس ملك منتجه المباشر، العامل. فالرأسمالي يدفع، على سبيل المثال، القيمة اليومية لقوة العمل. وهو بذلك يكتسب لنفسه حق استخدام قوة العمل هذه طيلة اليوم، شأن حقه في استخدام أي سلعة أخرى، كاستخدام حصان يكتريه ليوم واحد. إن استعمال السلعة يخص شاريها، أما مالك قوة العمل، فإنه بإعطائه عمله، لا يفعل شيئا في واقع الأمر سوى التخلي عن القيمة الاستعمالية التي باعها. فما أن تطأ قدماه ورشة الرأسمالي، حتى تصبح القيمة الاستعمالية لقوة عمله، وبالتالي استعمالها، أي العمل، ملكا للرأسمالي. والرأسمالي، بشرائه قوة العمل، يدمج العمل نفسه، كخميرة حية، بعناصر المنتوج الهامدة التي تخصه أيضا. وليست عملية العمل، من وجهة نظره، سوى استهلاك للسلعة المشتراة، أي قوة العمل، غير أن هذا الاستهلاك لا يمكن أن يتم إلا بعد إلحاق قوة العمل بوسائل الإنتاج. إن عملية العمل عملية تجري بين شيئين قد اشتراهما الرأسمالي، شيئين أضحى يملكهما. ومنتوج هذه العملية، إذن، ملك له، شأن النبيذ الناتج عن عملية التخمر التي تجري في قبوه (10).

__________

(*) – الجملة الأولى غير واردة في الأصل الألماني، بل أضيفت إلى الترجمة الإنكليزية لغرض

الإيضاح. (ن. ع).
(1) – «إن المنتوجات العفوية للأرض وهي قليلة الكمية، ومستقلة تماما عن الإنسان، تبدو وكأن الطبيعة تقدمها له، على غرار ما نعطي شاباً يافعاً مقداراً صغيراً من المال لكي يشق طريقه في العمل ويحقق الثراء». (جیمس ستیوارت، مبادىء الاقتصاد السياسي، طبعة دبلن، 1770، المجلد الأول، ص 116).
(James Steuart, Pinciples of Polit. Econ, Edit., Dublin, 1770, V. I, p. 116).
(2) – “العقل بارع قدر ما هو جبار. وتكمن براعته، أساسا في نشاطه الوسيط، حيث يدفع الأشياء للتفاعل والتنافذ فيما بينها وفقاً لطبيعتها الخاصة، دون أن يتدخل مباشرة في العملية، فيتوصل، عن هذا الطريق، إلى تحقيق غاياته”. (هيغل، الموسوعة، الجزء الأول، المنطق، برلين، 1840، ص 382).
(Hegel, Enzyklopädie, Erster Teil, Die Logik, Berlin, 1840, p. 382).

(3) – في مؤلفه نظرية الاقتصاد السياسي، باريس، 1815، وهو كتاب بائس في جوانبه الأخرى، يعارض غانيل الفيزيوقراطيين، فيستعرض، بأسلوب أخّاذ، السلسلة الطويلة من العمليات الضرورية التي ينبغي أن تتم مسبقاً قبل أن يبدأ فعلا ما يمكن تسميته بالزراعة. (غانیل، نظرية الاقتصاد السياسي، باريس، 1815، [المجلد الأول، ص 266]).
(Ch. Ganilh, Théorie de l’Écon. Polit, Paris, 1815 [v.I, p.266]).
(4) – يبرز تورغو في مؤلفه تأملات في نشوء وتوزيع الثروات (1766)، على نحو صائب، أهمية الحيوانات المدجنة بالنسبة لبدايات الحضارة.
(Turgot, Réflexions sur la Formation et la Distribution des Richesses, 1766).
(5) – إن أدنى السلع أهمية بالنسبة للمقارنة بين التقنيات في مختلف عصور الإنتاج هي مواد الترف، بمعناها الدقيق.

(5a) – حاشية للطبعة الثانية: ورغم ضآلة اهتمام التاريخ المدون، حتى الآن، بتطور الإنتاج المادي، الذي يشكل أساس كل الحياة الاجتماعية وبالتالي أساس كل تاريخ حقيقي، فإن عصور ما قبل التاريخ تصنف لا حسب نتائج ما يدعى بالبحوث التاريخية، بل حسب نتائج البحوث العلمية الطبيعية، إلى عصر حجري وعصر برونزي وعصر حديدي، وقد صنفت هذه العصور حسب المواد التي كانت تصنع منها الأدوات والأسلحة.

(6) – يبدو أمراً منافياً للمنطق القول، مثلا، بأن السمك الطليق في الماء هو وسيلة إنتاج في صناعة الصيد. ولكن لم يكتشف أحد، حتى الآن، وسيلة لاقتناص السمك في مياه خالية من الأسماك.
(7) – إن هذه الطريقة في تحديد العمل المنتج، من زاوية عملية العمل البسيطة، لا تكفي ابدا في عملية الإنتاج الرأسمالي.
(8) – يطلق شتورخ على المواد الأولية الفعلية تسمية (مواد matieres) وعلى المواد المساعدة تسمية لوازم materiaux)) ويصف شيربولييه المواد المساعدة بانها مواد أدواتية (matieres instrumentales).
هنري شتورخ، دروس في الاقتصاد السياسي، أو عرض المبادىء المحددة لازدهار الأمم،

بطرسبورغ، 1815، ص 228.
(Henri Storch, Cours d’économie politique, ou éxposition des principes qui déterminent la prospérité des nations, St-Pétersbourg, 1815, p. 228).
(*1) – في الطبعة الرابعة: كمنتوج. (ن. برلين).
(*2) – يشير ماركس إلى العامل الذي جرى التطرق إليه في الفصل السابق عند دراسة شراء وبيع قوة العمل. (ن. ع).

(*3) – هو دیکتاتور روما للفترة 458-439 قبل الميلاد، وقد اشتهر بحياة بسيطة مثالية، متولياً زراعة حقله الصغير بنفسه. (ن. ع).
(9) – بمأثرة رائعة ومنطق بارع اكتشف الكولونيل تورنز في حجر المتوحش هذا أصل رأس المال: “هناك في أول حجر يرميه (المتوحش) على الحيوانات الوحشية التي يطاردها، وفي أول عصا يمسك بها لإسقاط الثمار المتدلية بعيدا عن متناول يده، نرى امتلاك مادة معينة ابتغاء الاستعانة بها للاستحواذ على مادة أخرى، وهكذا نكتشف أصل رأس المال”. (ر. تورنز، بحث في إنتاج الثروة، ص 70-71).
(R. Torrens, An Essay on the Production of Wealth etc., p. 70-71).
ولا ريب أن هذه العصا، (Stock) الأولى تفسر أيضا السبب الذي يجعل كلمة ((Stock الإنكليزية مرادفة لرأس المال.
(10) – “المنتوجات تُمتَلك قبل أن يتم تحويلها إلى رأسمال، وهذا التحويل لا يحررها من التملك”.
(شيربولييه، الثروة والفقر، باريس، 1841، ص 54).
(Cherbuliez, Richesse ou Pauvreté, Paris, 1841, p. 54).
إن البروليتاري إذ يبيع عمله لقاء كمية معينة من ضروريات الحياة (approvisionnement) يتخلى عن كل حق في الحصول على نصيب من المنتوج الذي يتولد عن عمله. إن نمط تملك هذه المنتوجات يظل كما في السابق، ولا يتغير بأي حال إثر صفقة البيع المذكورة. فالمنتوج يخصّ الرأسمالي وحده، الذي قدم المواد الأولية وضروريات الحياة، وهذه عاقبة قاسية من عواقب قانون التملك الذي كان مبدأه الأساسي، على عكس ذلك تماما، وهو أن لكل عامل حقا كلياً في ملكية ما ينتج، (المرجع السابق، ص 58). حين يتقاضى العمال أجوراً لقاء عملهم… فإن الرأسمالي لا يصبح عندئذ مالكا لراس المال فقط (يقصد بذلك وسائل الإنتاج) بل مالكاً للعمل أيضا (of the labour also). وإذا كان تعبير رأس المال يتضمن ما يدفع كأجور، كما هو شائع، فإن من السخف الحديث عن العمل بصورة منفصلة عن راس المال. فكلمة رأس المال المستخدمة على هذا النحو، تتضمن شيئين هما العمل وراس المال”. (جيمس ميل، عناصر الاقتصاد السياسي، إلخ، إدنبره، 1821، ص 70-71).
(James Mill, Elements of Polit. Econ, etc., Edinburgh., 1821, p. 70-71).



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن