الخارج والداخل في ثورة تشرين

خليل عيسى
khalil_issa1982@hotmail.com

2019 / 12 / 12

منذ انطلاقة ثورة تشرين تهيمن نظرة محدّدة عن علاقة الثورة بكلّ من الخارج (الدولي) والداخل (اللبناني) ترد في اكثر التعبيرات المكتوبة الصادرة عن منخرطين في الثورة. وهي نظرة تفصح عن حقيقة أنّ "الخارج" شبه مختف عن التفكير عما يحصل "داخل" لبنان. إذ تتداخل النوازع الاديولوجية الطبقوية لدى أكثرية تريد وتعتقد أنه من مصلحتنا كثائرين أن نفهم الثورة بوصفها نتاجاً خالصاً للأزمة الاقتصادية وبأنها نتيجة حصريّة لطبيعة النظام اللبناني من جهة، فيتقاطع هذا، مع، من جهة أخرى، ما يعتبره الكثيرون كذلك مصلحة سياسية للمشروع الثوري في أن يعبّر عن ذاته من خلال شعار "كلّن يعني كلّن" من أجل تحقيق الهدف المنشود الا وهو توحيد العمال والعاطلين عن العمل وابناء الطبقة الوسطى الدنيا ضدّ الطبقة الحاكمة. لكن المصلحة السياسية كما التوصيف الطبقوي غير الماركسي يبقيان دون الواقع وفهمه في هذه الحالة.
هنا لا يهمّ اذا لم تكن تعتقد أنتَ أنّك حبّة حنطة. ما يهمّ هو أنّ الدجاجة مقتنعة أنّك حبّة حنطة وبأنها تريد أن تنقرك. لهذا تساءل الكثير من المحتجين ببراءة وصدق: لماذا يتنطّح موالو "حزب الله" في اعتبار الثورة اللبنانية مؤامرة تجري ضدّهم رغم أنّهم، أي المحتجين، يعتبرون الزعماء الآخرين أكثر فساداً بكثير من "حزب الله"؟ لماذا يكون "حزب الله" هو الطرف الذي يتزعّم وينسّق عملية الردّ السياسي والعنفي على الثورة ليصرّح محمّد رعد مؤخّراً أنّ ما يواجهه حزبه يوازي حرب تمّوز 2006 وبأنّ حزبه "سينتصر الان كما انتصر حينها"؟ لماذا يحدث الهجوم على المتظاهرين في بعلبك من قبل الموالين لحزب الله رغم أنّ المتظاهرين هناك هم "شيعة" مثلهم؟
قبل 17 تشرين الاول كانت "التسوية الرئاسية" هي ثمرة الداخل لانتصار ايران وميليشياتها في الخارج. ميشال عون رئيساً وجبران باسيل وكيلاً وحسن نصر الله مرشدًا. إنّه الثالوث المقدّس الذي نرزح تحته اليوم. وهو من خلال "حزب الله" أداة الخارج الاستعماري الايراني الذي، برضى ودعم اميركي، يحوّل بلادنا الى منصة للهجوم على الدول العربية بدءا من سوريا وصولا الى اليمن. أمّا نظامنا الليبيرالي المشوّه بنيويا فوق كل احتمال، المطبوع بتهجير الشباب واستيراد الدولارات فقد كان يمكن أن يستمر باستجلاب الاموال من الخارج كما كان يفعل خلال العقود الثلاثة الماضية. كان يمكن الا يبدأ بالانهيار منذ عام 2015 حين تدهور الاستثمار الاجنبي في لبنان بنسبة 24%، لولا أنّ الدولارات التي تأتينا من الدول العربية لم تقلّ للسبب الاهمّ وهو الحروب التي يشنّها جزء من اللبنانيين.
لهذا لا يختلف التعامل الايراني مع ثورة تشرين في العراق عما هو عليه الحال في لبنان. منذ احتلال الولايات المتّحدة للعراق عام 2003 الذي ثمّ تسليمه لايران، فإنّ الحروب التي أشعلتها هذه الاخيرة لتتخادم فيها مع اسرائيل وتشارك فيها مع تركيا وروسيا في تقسيم مناطق النفوذ برضى أميركي، جرّت حربا أهلية قوميّة على امتداد الوطن العربي. تمّ تحويل العراق ولبنان الى مستعمرتين ايرانيتين بتغطية أميركية تنخرهما اقتصاديات فاسدة تعمل علىى شراء الولاءات المذهبية. لهذا أيضاً ينزل العراقيون، مثلنا، في جنوبهم "الشيعي" بأكثريته، بشعارات بدأت إقتصادية بحتة ليصرخوا "باكونا (سرقونا) الحرامية باسم الدين" ضدّ الاحزاب الطائفية الموالية لايران. وهناك ايضاً، الميليشيات المؤاخية لحزب الله ترتكب المجازر ضدّ الثوار في حين يريد حسن نصر الله تقرير هويّة رئيس الوزراء العراقي المقبل بغطاء أميركي، تماما كما يواجه الثورة في لبنان بغطاء أميركي فعلي -عكس كلّ التصريحات العلنية للاميركيين والايرانيين معاً- حيث أعلن لنا بفرح لم يكتمه أنّ الولايات المتّحدة لا تمانع وجوده في أي حكومة مقبلة.
عندما نحاول في لبنان أن نبني دولة مدنية فإننا نحاول، حتى لو لم نقل ذلك بشكل علني، هدم علاقات الولاء الطائفية التي يعتاش عليها الزعماء اللبنانيين بمن فيهم الزعيم حسن نصر الله. إننا في نهاية المطاف حتى لو لم نفكّر في ذلك ولم يفكّر في ذلك كل من يتظاهر لانّه طرد من عمله، من خلال احتجاجنا الطبقي المحض في الظاهر، نخطو خطوة حاسمة لوقف كلّ هذا الجنون الدموي الذي دمّر بلادنا وبلاد أناس عاديين شرّدوا وقتلوا وعذبوا وبكوا وحرقوا احياء. لكلّ هذا ترانا الدجاجة حبّة حنطة بالرغم منّا. ثورتنا اللبنانية هدفها كذلك بناء دولة مواطنة من أجل السلام في هذا العالم، مكانٍ فيه قدر أكبر من الإنسانية وبقعة أرض لا تشتري لنا أعداء أكثر كل يوم. ضدّ كل هذا فإنّ الخارج الاستعماري الذي يعادي الثورة العراقية هو نفسه الداخل الرجعي الذي يعادي الثورة اللبنانية.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن