الحراك السلمي وكفاح اللاعنف: الشعب يريد إسقاط النظام..

حكمت الحاج
takamulat@yahoo.com

2019 / 11 / 5

الثورة، كمصطلح سياسي، هي الخروج على الوضع الراهن وتغييره سواء إلى وضع أفضل أو أسوأ باندفاع يحركه عدم الرضا، والتطلع إلى الأفضل أو حتى الغضب.
وللثورة مفهومات معجمية كثيرة تتلخص بتعريفين رئيسيين: التعريف التقليدي القديم الذي وضع مع انطلاق الشرارة الأولى للثورة الفرنسية وهو قيام الشعب بقيادة نخب وطلائع من مثقفيه لتغيير نظام الحكم بالقوة. أما التعريف أو الفهم المعاصر والأكثر حداثةً هو التغيير الذي يحدثه الشعب من خلال أدواته "كالقوات المسلحة" أو من خلال شخصيات تاريخية لتحقيق طموحاته لتغيير نظام الحكم العاجز عن تلبية هذه الطموحات ولتنفيذ برنامج من المنجزات الثورية غير الاعتيادية. أما المفهوم الدارج أو الشعبي للثورة فهو الانتفاض ضد الحكم الظالم.
في أواخر عام 2010 ومطلع 2011 اندلعت موجة عارمة من الثورات والاحتجاجات في مُختلف أنحاء العالم العربي بدأت بحادثة محمد البوعزيزي وإضرام النار في نفسه لتحدث الثورة التونسية التي أطلقت وتيرة الشرارة في كثير من الأقطار العربية وعرفت تلك الفترة بربيع الثورات العربية. من أسباب هذه الاحتجاجات المفاجئة انتشار الفساد والركود الاقتصاديّ وسوء الأحوال المَعيشية، إضافة إلى التضييق السياسيّ وسوء الأوضاع عموماً في البلاد العربية. انتشرت هذه الاحتجاجات بسرعة كبيرة في أغلب البلدان العربية، وقد تضمنت نشوب معارك بين قوات الأمن والمُتظاهرين ووصلت في بعض الأحيان إلى وقوع قتلى من المواطنين ورجال الأمن. تميزت هذه الثورات بظهور هتاف عربيّ أصبح شهيرًا في كل الدول العربية وهو: "الشعب يريد إسقاط النظام" وما هو في الحقيقة إلا تحويراً فرضته ظروف النزول إلى الشارع وقيادة الجموع الهادرة لبيت شعري جدّ شهير لشاعر تونس الأكبر أبي القاسم الشابي يقول: إذا الشعب يوماً أراد الحياة/ فلا بد أن يستجيب القدر.
ولكن ثمة حديث آخر يدور ويتخذ له مساراً واضحاً من تلك المسارات التي أشرنا إليها أعلاه، وإن كان خافت الصوت مشوش النغمة. فهو تارة حديث نظريات المؤامرة والدسائس التي تحاك ضد الأمة ودينها وثوابتها، وهو تارة حديث العارفين أو المدعين باطلاعهم على خفايا وملفات ما يدور في الغرف السرية لأجهزة الأمن والاستخبارات الدولية. وبين هذا وذاك لا يخلو الأمر من دلاء مليئة باليقين يدلو بها المحاربون الأبديون للحركات الماسونية المزعومة وانتشارها في العالم العربسلامي برمته.
لقد كثر الحديث مؤخراً في عالمنا العربي عن ثلاثة أشياء مترابطة ولها علاقة بما يسمى بثورات الربيع العربي تلك المنجزة وتلك التي ما زالت قيد الإنجاز، وتلك التي ستأتي في موجتها الثالثة، وهي: أيقونة أو رمز، واسم عَلَم لشخصية معاصرة، وعنوان منظمة سرية، تجمعها كلمة واحدة ألا وهي: المقاومة.
إن رسم قبضة اليد أو قبضة الغضب الشهيرة قد انتشر كرمزٍ عبر العالم كله وتبنته مجموعات وحركات وأحزاب وحتى أفراد للإشارة إلى التمرد والرفض ومن ثم الثورة وصار الرسم أيقونة ثابتة تتغير من حيث اللون في بعض الأحيان كما هو الحال مع رمز حركة 6 أبريل المصرية. قبضة اليد هو رمز اتخذته حركات المعارضة في الثورات الملونة حول العالم والتي تمت تسميتها بهذا الاسم لأن كل حركة اتخذت لها شعاراً له علاقة بالألوان لجذب الجمهور تحت شعار واحد هو قبضة اليد. إن هذا الرمز ولا شك كان هو نفسه شعار حركة أوتبور الصربية Otpor (أوتبور تعني: المقاومة) وهي حركة قام بها شباب صربيا، تستعمل طريقة الكفاح غير العنيف كاستراتيجية لها. اعترف بدورها المهم والناجح في إسقاط سلوبودان ميلوسوفيتش في أكتوبر من سنة 2000. في البداية، اقتصرت نشاطات الحركة على جامعة بلغراد ولكن بعد هجوم الناتو الجوي على يوغسلافيا السابقة سنة 1999 خلال حرب كوسوفو، بدأت حركة أوتبور حملتها السياسية ضد الرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسوفيتش، فنتج عن ذلك قمع بوليسي على مستوى الوطن كله ضد نشطاء الحركة، فاعتقل ما يزيد عن ألفي شخص تعرض البعض منهم للضرب والتعنيف. خلال حملة الانتخابات الرئاسية في عام 2000، رفعت الحركة شعارات منها (إرحل) و (لقد انتهى) مما زاد من الاستياء العام من ميلوسوفيتش وأدى إلى انهزامه.
إن شعار قبضة اليد يعبر عن ما يسمى بـــ "القوة في يد الشعب" Power to the People أي أن يحكم الشعب نفسه بنفسه ويتحكم في مقدرات دولته بنفسه، بدون سلطات قيادية سواء عسكرية أو مدنية أو غير ذلك بحيث يكون القرار الأول والأخير في يد الشعب! والشيء بالشيء يُذكر فإن الناشط المصري المعروف وائل غنيم وفي حفل تكريمه أمام أكثر من 100 شخصية مؤثرة حول العالم قام في نهاية خطابه بذكر عبارة "القوة في يد الشعب".
وكان عدد من الطلبة الذين قادوا حركة "أوتبور"، استعملوا الترجمة الصربية لكتابات "جين شارپ" حول الحركات غير العنيفة. استعملوها كقاعدة نظرية لحملتهم. وخلال الشهور التي تلت سقوط ميلوسوفيتش أصبح أعضاء أوتبور بصفة مفاجئة أبطالا في يوغسلافيا السابقة كلها كما في أعين الحكومات الغربية. الصورة الأيقونية الممثلة) لوغو) LOGO لحركة أوتبور والمتمثلة في يد بيضاء مغلقة فوق لوحة سوداء انتشرت في كل مكان، حيث ارتدى المشهورون المحليون والشخصيات العامة ألبسة رسمت عليها تلك الصورة. انتشار تلك الصورة بهذا الشكل أظهر كثيرا من حلقات الوصولية والنفاق السياسي حيث سجل تبني حركة أوتبور ونشاطاتها من طرف شخصيات عرفوا بارتباطهم بالنظام القديم.
أما الملهم لكل هذا فلم يكن سوى "جين شارب" من مواليد عام 1928 وهو أستاذ العلوم السياسية في جامعة ماساتشوستس ومرشح للحصول على جائزة نوبل للسلام. ارتبط اسم جين شارب بالكتابة والتأليف في الموضوعات الخاصة بالكفاح السلمي، وقد استقت من كتاباته العديد من التحركات المناهضة للحكومات حول العالم. أنشأ عام 1983 معهد ألبرت أينشتاين، وهو منظمة غير ربحية متخصصة في دارسة العمل السلمي وتعزيزه كوسيلة للحصول على الحقوق والتخلص من الظلم حول العالم. إن جين شارب هو الخبير الأول على مستوى العالم في الثورات السلمية. ترجمت أعماله إلى أكثر من 40 لغة حول العالم، وتسربت عبر حدود دول، مخفاة عن أجهزة الأمن السري في جميع أنحاء العالم. عندما سقط سلوبودان ميلوسوفيتش في صربيا وفيكتور يانوكوفيتش في أوكرانيا ضحايا الثورات الملونة التي اكتسحت شرق أوروبا، نال جين شارب العرفان من الحركات الديموقراطية التي أطاحت بهما، ورغم ذلك ظل غير معروف للجمهور بشكل عام. ويقال إن معهد ألبرت أينشتاين الذي يحتل الطابق الأرضي في منزله ما زال مستمرا معتمدا على قوة شخصية وعزيمة وتصميم مديرته التنفيذية، شديدة الإخلاص، جميلة رقيب التي بدأت في 2009 بتصوير فيلم تسجيلي يتناول تأثير أعماله، وما أنتجه هذا التأثير الذي عبر القارات حتى وصل إلى ميدان التحرير بالقاهرة، حيث نامت كما تقول إلى جانب متظاهرين قرأوا أعماله على ضوء البطاريات، في ظلال الدبابات. جين شارب ليس تشي غيفارا ولا هربرت ماركوز اللذين ألهما ثورة الطلبة عام 1968 ولكن تأثيره قد يتخطى ويفوق تأثير أي منظر سياسي من جيله. رسالته الأساسية هي إن قوة الدكتاتوريات تأتي من خضوع إرادي للمحكومين ـ وانه لو طور الشعب تقنية لسحب هذا الخضوع الطوعي، فسيسقط النظام.
قدم جين شارب في كتاباته قائمة من 198 سلاحاً غير عنيف، بدءا من استخدام الشارات اللونية واستخدام الرموز إلى كيفية استخدام الجنازات الرمزية والمقاطعة. هذه التقنيات هي المقابل للأسلحة العسكرية، وهي تقنيات مستقاة من دراسة تفصيلية تشريحية لمقاومة الطغيان على مدى التاريخ. هذه الأسلحة مهمة جدا لأنها تمنح الناس بديلا، ومن دونها، فإنهم سيعودون للعنف والقتال كل مرة. بعد الثورة الخضراء في إيران في 2009 اتـهم العديد من المتظاهرين أثناء محاكمتهم باستخدامهم أكثر من 100 طريقة من تلك الطرق الــ 198. أكثر كتبه ترجمة وتوزيعا هو كتاب "من الدكتاتورية إلى الديموقراطية"، كان قد كتبه للحركة الديموقراطية في بورما عام 1993. وقد أدى عدم معرفته بأحوال بورما إلى أن كتب دليلا لإسقاط النظام الديكتاتوري، كان عاما بشكل كبير. هذا الضعف في التأليف تحول إلى مصدر قوة للكتاب، بأن سهل ترجمته وتطويعه لينطبق على أي دولة على اختلاف الثقافات والأديان.
نجاح تعليمات جين شارب في إسقاط ميلوسوفيتش في صربيا في عام 2000 كان قوة الدفع التي أدت إلى استخدامها عبر أوروبا الشرقية والشرق الأوسط. عقب اتهامات بتزوير الانتخابات في وطنها، الغابون، سافرت جلوريا ميكا، "سوبر موديل" وناشطة، إلى بوسطن لمقابلة جين شارب. "شعرت بأنني ذاهبة لمقابلة الشخصية الرئيسية في مجال المقاومة غير المسلحة في العالم"، كما قالت لاحقا. ان الصرب الذين استخدموا كتاباته كأساس نظري لنشاطهم كوّنوا منظمة اسمها (كانفاس) التي كانت تعتمد على المنهج اللاعنفي في مواجهة طغيان سلوبودان ميلوسوفيتش وقد نجحت لاحقاً في إسقاطه بعد ما تمثلوا خطوات جين شارب وأطالوا النظر في مناهجه الفكرية وبعد أن تيقنوا بأن "الطغاة ليسوا أقوياء كما يدّعون" وإنما هم مجرد نمور ورقية تسقط عنهم الهيبة والهالة المفتعلتين ما إن ينزل المحتجون إلى الشوارع ويعقدون العزم على تحقيق النصر وتذوّق طعم الحرية والعدالة الاجتماعية.
والى جانب المواد الخاصة بهم، قاموا بتنظيم ورش عمل قائمة على أعمال جين شارب في العديد من الدول الأخرى. وقد بات معروفا الآن إن سيرجيو بوبوفيتش، مدير منظمة "كانفاس"، قال في بلغراد في تشرين الثاني (نوفمبر) انهم عملوا مع المصريين، لا شك أن كثير من الشباب الثوري الذي وجه الدعوة على صفحات الفيسبوك إلى حراك 25 يناير قد اطلعوا على كتابات شارب، ولعل مشاركة بعض أعضاء حركة 6 أبريل في التدريب على التحرك السلمي في منظمة " كانفاس" بصربيا قبل الثورة أكبر دليل على ذلك. ويمكن في هذا الصدد مشاهدة الفيلم الوثائقي الشهير بعنوان كيف تصنع ثورة" للمخرج البريطاني روري آرو حيث يتحدث سيرجيو بوبوفيتش في جزء منه عن علاقتهم في "كانفاس" مع بعض شباب ثورة 25 يناير المصرية. ويفتخر بوبوفيتش قائلا ومعترفا بتدريب عناصر من حركة 6 إبريل المصرية في صربيا، حيث يذكر إنّ الحركة نجحت في تدريب نشطاء سياسيين من 37 دولة للعمل على إسقاط حكوماتهم كما في جورجيا وأوكرانيا والمالديف ودول عربية معينة، كما قامت "أوتبور" أيضا بتدريب الشباب فيها، ولقد تغنى المذكور بنجاح منظمته في عدة ثورات كما حصل في الدول المذكورة.
هذه هي قوة أعمال جين شارب، وأفكاره المتعلقة بالمقاومة والنضال السلمي وكفاح اللاعنف. فلا يهم من تكون أنت، أسود، أبيض، مسلم، مسيحي، شاذ، مستقيم أو أقلية مقهورة. يمكنك استخدام تعليمات جين شارب. وإذا درستها وطبقتها كتقنيات مطلوبة بشكل صحيح فإنك ستستطيع النجاح وتهزم نظاما وتصنع ثورة.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن