بلفور يطل من جديد

نور عمر
Onour113@outlook.com

2019 / 11 / 3

تعفنت جثة الرجل الذي وعد بما لا يملك لمن لا يستحق، وربما نهشت جيفته الضباع، المهم أنه أداة بادت وانقضى وقتها، ولكننا لا نريد الاعتراف بذلك، فنحن أفضل من بكى على الأطلال.

لماذا نحن محتلون؟ من السخيف أن نعتقد أن تلك الورقة هي السبب، أو أن كاتبها المغالي في التذلل له أذرع خفية تنفذ إرادة الروثتشيلديين الذين يسيطرون على العالم بهيمنة الغموض الخفي فنعلق عليهم كل خطايا العالم.

نحن محتلون لأن كاتبها وقارئها ومصدرها ومنفذها أرادوا بها تجربة، لجس النبض فما كان منا إلا أن أنجحناها بما لا يدع مجالا للتصديق، ولو اجتمعت رفات بلفور لتقول شيئا لما وسعها تمالك نفسها من القهقهة على نكتة سلبت وطنا بل واستقر فيه من قدر لهم التيه في الأرض!

نحن محتلون بسببنا نحن، نحن محتلون لكي يكون لحسين المغرب تمثال لدى الصهاينة يشكرون به صنيعه، وليكون لحسين الأردن مخصص شهري ورثه من بعده وليكون للسيسي شيء من هذا وذاك وليكون للأسد نصيب تيس لم يسهل احتلال الجولان سوى تيس سبقه، نحن محتلون لكي ينال عبد العزيز آل سعود رضا برسي كوكس ألف مرة، فيجعل له حكما لا يقل حكما عن الاحتلال لأرض قدس، ويعربد كما اتفق مع إناث أو ذكران أو جماد أو حيوان، كله مباح طالما انشغل بالفرج والكرش. نحن محتلون لأن رئيس المحتلة أرضهم ينظر للاغتصاب كقوادة مربحة.
نحن محتلون لأننا نقفز عن محتلينا لنلوم الغائبين، ثم بكل بلاهة نلوم الورقة.

نحن محتلون لأننا لا نعترف بأن المؤامرات على بلادنا تقع فيها تحديدا وتدار من قبل ذات الرهط الذين ينادون بتحررنا وانعتقانا. الغرب يعرف ونحن "نستهبل" لذلك فهم لا يحترموننا حتى كأعداء، بل ينظرون إلينا كمن له سعر وسعره شهوة، مال أو جواري أو عرش أو سلطة، سعره معروف ولا يحترم لأنه لا يحترم نفسه في المقام الأول.

نحن محتلون لأننا كلنا فلسطين في ذكرى وعد طرطور الذي يحلو لنا استخدامه شماعة، ثم في اليوم التالي نعود لنرتاد ستاربكس ومكدونالدز وسواها من أرباب دعم الصهاينة بل ونتذرع بأننا لا يمكن أن نقاطع كيان الاغتصاب لأن طعم هذا و "براند" ذاك يطيب لنا. لسنا أقل شهوة من الطغاة الذين يمتطوننا ولسنا نستحق احتراما بذلك.

نحن محتلون لأننا بادئ ذي بدء أقمنا اتفاقيات سلام مع مغتصب بل وعادينا من يرفضها، كمن يرى أن المشكلة في عدم تفريج الضحية عن ساقيها وليست في الاغتصاب بحد ذاته.

نحن محتلون لأننا نمعن في الذل، فبعد أن أقمنا معهم معاهدات سلام والتزمنا بتكميم أفواهنا وتكتيف أيدينا، خرقوا المعاهدات، تخيل، فماذا كنا فاعلين؟ ما كان منا إلا أن استمرينا في الالتزام بل وبالغنا في إظهار حسن النوايا، حتى عابوا ديننا فعبناه معهم وامتدت أيديهم لسرقة أقواتنا فقلنا لهم لا والله نحن نقدمها لكم على طبق من فضة، ولو دخلوا جحر ضب دخلناه مبتسمين ببلاهة. في بعض الأحيان أعتقد أن أعداءنا يحاولون استفزازنا كمن يركل جثة علها تتحرك وهي جسد بلا روح، هانت وسهل الهوان عليها ولم يعد لجرح بميت إيلام.

نحن محتلون لأننا نتذرع باتفاقيات ووثائق بائدة لا يعترف بها أطرافها من الأعداء بل ويخرقونها باستمرار دون احترام للقانون الدولي، فنقوم بكل حماقة بالمثول أمام رواد نفس القوانين لتحكم بيننا، تغض طرفا عن عدونا وتلومنا وإن امتهنا دور الضحية حتى أصاب الدور نفسه القرف منا.

نحن محتلون لأننا ننادي بشعارات وطنية جوفاء لنتلقى مقابلها صرة من مال من هنا أو هناك. نحن محتلون لأننا نصلي على الحاضر، بماله وسلاحه. نحن محتلون لأننا نعبد الرجل الأبيض، أقذر الأعراق على وجه الأرض.

نحن محتلون لأننا نعلم أن المحتل وأدواته في الداخل تحاول بث بذور الفتنة بيننا بدين أو عرق أو سواها ومع ذلك نصلي لزارع الفتنة ونعادي المفتون من فصيل آخر يقف معنا على نفس الجبهة.

نحن محتلون لأننا نحسن الندب والعويل، على أندلس وفتوحات وانتصارات وتاريخ مجيد بائد، وظلام بائدين، مستعمرين ومستعملين ومندسين.

نحن محتلون لأننا نسعى لطوق عبودية وإن اهترأ وأصبح الفكاك منه سهلا، اخترعناه في خيالاتنا وعشنا به لنكون ضحايا إخفاقنا أولا.

نحن محتلون ليقيننا بأن لآل روثتشيلد يدا خفية لا تقل بطشا وقوة عن يد الخالق، ولا يد خفية لهم ولسان حالهم "وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي" ، فمن ذا الذي يكرهك على الاقتراض إلاك؟ أكان ذنب المغريات أن سقت نفسك إليها كبهيمة؟

نحن محتلون لأننا كالطير الذي ألف الأقفاص حتى ظن الطيران في سماء الحرية مرضا. نحن محتلون لأننا ننشغل بكل شيء إلا أن نعد لهم ما استطعنا من قوة، ثم نتعجب إن ساقنا أحدهم كبهيمة إلى حيث أراد.

في خضم الفتن، أعدوا لهم ما استطعتم من قوة. في الحرب والسلم المفبرك، أعدوا لهم ما استطعتم من قوة، في الثورة والفكرة بالقلم والحجر، أعدوا لهم ما استطعتم من قوة.
إن صمتا أو صوتا، إن مقاطعة أو مقارعة قربت أو بعدت، أعدوا لهم ما استطعتم من قوة.

ستبيد الأدوات وتبقى أنت، مالم تكن مستعدا ستساق إلى مسلخ ترفع رأسك لخطافه مرة واحدة وإلى الأبد.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن