إعادة بناء المادية التاريخية -تقديم إبراهيم فتحى لكتاب جورج لارين ، ترجمة سعيد العليمى

سعيد العليمى
memosat1945@yahoo.com

2019 / 10 / 21

إعادة بناء المادية التاريخية قد يعنى عند القائلين بها تحريرها من النزعة الإختزالية الإقتصادية التبسيطية التى سادت الحركة الماركسية عددا من العقود ، نزعة تقدم كل الظواهر الاجتماعية والسياسية والايديولوجية والقانونية والجمالية والنفسية باعتبارها يمكن إرجاعها الى القاعدة الإقتصادية . ولكن ماركس إعتاد ان ينفى عن نفسه الاتصاف بهذه الماركسية : " كل مااعرفه هو اننى لست ماركسيا " فى مواجهة تيار ينسب نفسه للماركسية فى فرنسا ويحول التصور المادى التاريخى الى قالب تبسيطى اختزالى يقوم على قوانين شديدة التجريد والاطلاق ، ووضع ماركس بذلك حدا فاصلا بين ماركسيته و" ماركسية " هؤلاء الاصدقاء الخطرين . ويكرر ماركس ثانية العبارة نفسها رافضا ان يكون " ماركسيا " على غرار " ماركسية " الحزب الاشتراكى الديموقراطى الالمانى التى تزعم انها تقوم على مذهب علمى امبريقي خالص وليس فلسفيا ، وترتكز على الحركة الواقعية للطبقة العاملة ، على حين ان علمية ماركسيتها الكاذبة ليست الا تكيفا مع العلاقات الراسمالية ، وان علاقتها بالطبقة العاملة تقف عند حدود الجوانب الاصلاحية البيروقراطية فى الممارسة التلقائية . كما ان انجلز الشيخ عارض شباب الحزب اصحاب الاتجاه الاقتصادى الارثوذكسى ( خطاب الى بلوخ فى 21 سبتمبر 1890 وعبارة ماركس التى ذكرها انجلز " كل مااعرفه هو اننى لست ماركسيا " لايستنتج منها ان ماركس رفض من حيث المبدأ ان اعماله تنشئ نسقا نظريا يقوم على المفهوم المادى للتاريخ ، مفهوم ان قوى الانتاج وفق شروط الملكية ، اى علاقات الانتاج هى العامل المحدد فى التنظيم السياسي وفى التمثيل الثقافى لفترة زمنية . والمادية التاريخية هى المادية الجدلية مطبقة على تحليل الحياة الاجتماعية ، وليس معنى ذلك ان موضوعات المادية التاريخية يمكن الوصول اليها عن طريق منطقى محض مستمد من المبادئ العامة للمادية الجدلية . فإقحام المادية فى التاريخ يتطلب حساب الخصائص النوعية للمجتمع ، وتميزها عن الاشكال الاخرى لحركة المادة ، ولكشف الوسائل المادية للحياة الاجتماعية والقوانين العامة ، والقوى المحركة لتطور المجتمع الانسانى ، وتثور اسئلة هى ماالمجتمع ؟ كيف يتطور، ولماذا يتطور ، وماسبب تقدمه من عصر الى آخر ، واين تقع جذور تحيزاته الرئيسية وماهى نوعيتها . ان الماركسية ( المادية التاريخية ) فى نظريتها الاجتماعية تطرح وتقدم اجابة ، كما تقدم الدليل العلمى على كل من هذه الاسئلة ، وتدحض وجهة النظر التأملية الحدسية للنظرة المثالية للتاريخ ، وستثبت وتقدم الاجابة المادية الجدلية لسؤال الفلسفة الاساسى سؤال علاقة الوجود الاجتماعى بالوعى الاجتماعى ، وحجر الاساس للمادية التاريخية ارساه ماركس فى مقدمة اسهام فى نقد الاقتصاد السياسي وهو نمط انتاج الحياة المادية الذى يشرط العملية العامة للحياة الاجتماعية والسياسية والعقلية . فليس وعى الناس هو الذى يحدد وجودهم ولكنه وجودهم الاجتماعى الذى يحدد وعيهم . وكانت اجابة مادية متسقة عن السؤال الاساسى للفلسفة فى تطبيقه على المعرفة الاجتماعية هى التى مكنت ماركس من ان يرى الاساس الموضوعى للتاريخ ، والمجتمع باعتباره انعكاسا لواقع الحياة فى الوعى الاجتماعى . وترى المادية التاريخية المجتمع باعتباره واقعا موجودا موضوعيا ، باعتباره مجمل علاقات وشروط الحياة الانسانية المشتركة ، نظاما فريدا حيا يتطور وفقا لقوانينه الخاصة الجوهرية التى لايمكن اختزالها الى قوانين طبيعية او مستمدة من الحالة الروحية للفترة ، من الوعى الجمعى وتدحض وجهة النظر الاجتماعية الماركسية اى تفسير مثالى او اية نزعة ارادية . ولكن الآن هل يوجد فى اذهان الجماهير اى مثال منجز ، اى نموذج حى لمرجع قائم للاشتراكية ، هل الاتحاد السوفييتى ومنظومته سابقا ، وحاليا الصين وكوريا الشمالية وفييتنام وكوبا يصلح اى منها نموذجا موحدا للاشتراكية ، هل تكافح الطبقة العاملة فى البلاد الراسمالية المتقدمة من اجل ان تقيم فى بلادها انظمة كهذه ؟ وبالتالى تكتشف القوانين التى لاتتعلق بارادة ووعى الناس وانما تقوم بتحديدهما . ان المادية الجدلية والمادية التاريخية متكاملتان فلايمكن وضع نظرية مادية جدلية عن المجتمع ككل اذا لم يتوفر تفسير مادى للحياة الاجتماعية ، اذا لم يكن قد اكتشف ان المجتمع ايضا شكل لحركة المادة وخاضع فى تطبيقه لقوانين موضوعية مادية كقوانين الطبيعة ، والمادية الجدلية غير ممكنة بدون المادية التاريخية لأن الاجابة العلمية الصحيحة عن المسألة الاساسية فى الفلسفة حول اولية المادة وثانوية الوعى غير ممكنة بدون توضيح سبب ظهور الوعى الانسانى وكيفيته . والدور الذى لعبه فى ذلك التطبيق العملى للاعداد التاريخى للناس ، اذ الاجابة عن هذا السؤال تقدمها المادية التاريخية وحدها ، فالمادية الجدلية والمادية التاريخية مترابطتان عضويا . ولدى دراسة الظواهر الاجتماعية لايمكن اللجوء الى التجربة فى الظروف المختبرية الاصطناعية كما هى الحال بالنسبة للعلوم الطبيعية فلا المجهر ولا التفاعلات يمكنهما ان يساعدا ، لذا فالقدرة على التجريد تتمتع باهمية فائقة فى بحث الظواهر الاجتماعية فى التفكير النظرى وفى الحياة الاجتماعية . وللمادية التاريخية كأى علم آخر مقولاتها الجامعة ، مفاهيمها الاساسية التى تعكس جوانب جوهرية معينة من المجتمع ، ولذلك فان مقولات العلوم الطبيعية لايمكن استخدامها من اجل تفسير الحياة الاجتماعية مقولات الكيمياء والفيزياء والبيولوجيا ، كما ان مفاهيم المادية الجدلية نفسها تعجز عن ذلك دون ان تطبقها على المجتمع ودون ان تملأها نوعيا بالمحتوى الاجتماعى. ويلاحظ ان التغيير اى الكمية والكيفية تبرز فى المجتمع بشكل عمليات تدريجية وثورية اى بشكل اصلاحات وثورات ، وثمة مقولات اخرى فى المادية التاريخية تعكس جوانب الحياة الخاصة ببعض التشكيلات وحدها ولها اهمية جوهرية من اجل فهم تطورها ( مثلا الطبقات ،الدولة ، السياسة ، الحق . ) ولايجوز جعل مقولات المادية التاريخية مطلقة او معالجتها كحقائق نهائية خالدة ، بل علينا ان ننظر اليها باعتبارها تعبر عن نسبية معارفنا ، وهى خيط يقود الى المعرفة يساعدنا على تصور الواقع العيانى بمجموعه وبجوانبه المختلفة ، والمادية التاريخية اكتشفها لأول مرة كل من ماركس وانجلز . فما هى الاسباب التى كانت تشترط امكان وضرورة ظهورها ؟ وللاجابة عن هذا السؤال علينا ان نلتفت الى ظروف العصر التاريخية الموضوعية التى وجدت فيها ، لقد كان انقسام المجتمع قبل ذلك العصر الى فئات يفصل بينها حواجزصارمة يغطى ويحجب التقسيم الطبقى الاساسي للمجتمع ، وكان النضال الطبقى يسير تحت راية الدين ممازاد فى صعوبة فهم دوافعه الحقيقية . اما الراسمالية فقد حطمت هذا التمايز ، وتلك الحواجز وصار الانقسام الطبقى للمجتمع اكثر وضوحا انقسام المجتمع الى طبقتين اساسيتين : البورجوازية والبروليتاريا ، واحتل الصراع بينهما مكان الصدارة فى الحياة الاجتماعية . ولذا فالرأسمالية اذ احدثت انقلابا فى ظروف الحياة فقد خلقت المنطلقات الموضوعية من اجل النفاذ الى جوهر العملية التاريخية ومعرفة قوانينها ، وكان استخدام الامكانات الجديدة من اجل معرفة العملية التاريخية وخلق علم حقيقى صحيح عن المجتمع فى مقدور المثقفين الذين يتبنون ايديولوجية البروليتاريا وهى الطبقة التى من مصلحتها المعرفة العلمية لقوانين التطور الاجتماعى . وبظهور الانتاج الراسمالى وبتطور النضال الطبقى للبروليتاريا توفرت الامكانية لضرورة ظهور الفهم العلمى للتاريخ . وتتجلى عبقرية ماركس فى انه وسع تطبيق المادية لتشمل فهم التاريخ واكتشاف قوانين تطور المجتمع . والمادية التاريخية علم متحزب يعبر عن مصالح البروليتاريا ونضالها الطبقى الموجه لتحرير المجتمع من الاستغلال ومن الملكية الخاصة .... ولكن حزبية المادية التاريخية تتميز بشكل جذرى عن حزبية علم الاجتماع البورجوازى التى تخدم مصالح اقلية ضئيلة وتخفى التناقض الطبقى فى المجتمع الرأسمالى دون موضوعية وتسلك طريق تزوير الواقع على العكس من حزبية المادية التاريخية التى تنسجم مع مهمة المعرفة العلمية للعلاقات الاجتماعية الموضوعية . وليس معنى ذلك ان ماركس لم يخطئ فى بعض تقديراته التاريخية التفصيلية . فقد اخطأ فى تقديره ان آسيا ظل نمطها الانتاجى جامدا لايعرف التطور كما كان شائعا نقلا عن هيجل ايامها . والحقيقة ان الصين كانت اكثر تطورا فى بعض العهود من اوروبا . ويعتبر بتلهايم ان نصوص الماركسية هى ترابط متناقض من الصيغ والتحليلات بعضها ثورى المضمون وكذلك مايترتب عليها من استنتاجات وبعضها الآخر تعبيرات انتقالية مؤقتة فى فكر ماركس وانجلز ولاتشكل جزءا من الماركسية الثورية المرتبطة بالتحويل الاجتماعى . وصدق نظرية ماركس الاجتماعية والاقتصادية يتعلق باعتبارها كلا ، وفى عمومها لا على مجرد صدق جزء او آخر من اجزائها او من صياغتها . ولنأخذ قول لينين عن الماركسية " انها كلية الجبروت لانها صحيحة وهى كاملة ومتسقة وتعطى الناس مفهوما منسجما عن العالم " ولنقارنها بقول لينين نفسه " نحن لانعتبر النظرية الماركسية شيئا اكتمل ولايمكن المساس بها او انتهاك حرمتها ، بل على العكس نحن مقتنعون انها ارست فحسب حجر الاساس للعلم الذى يجب على الاشتراكيين ان يطوروه فى كل الاتجاهات " . ولايوجد فى الحقيقة تناقض الا فى الصياغة بين العبارتين فهناك مستويات للاكتمال ، ولكن الصياغة المختلفة قد ادت فيما بعد اما الى موقف تلمودى جامد ، واما الى موقف يزعم انه لايوجد فى الماركسية الا حجر الاساس وهى بلا بناء . وكانت المعالجة النظرية سمة مميزة لنضال ماركس العملى منذ البداية . ويصل ماركس الى مفهوم للعلم لعب دورا خطيرا عند "الماركسيين" الوضعيين فى التحليل المثالى للملابسات التى تحث او تدفع المواطنين الى افعال من نوع معين يمكن القيام به باليقين نفسه تقريبا الذى يحدد به الكيميائى تشكل مواد معينة فى اى شروط خارجية مركبا كيميائيا . ان كيمياء التفاعل ليست استعارة موفقة للكشف عن آليات الفعل الانسانى والقوانين الاجتماعية . ولاتقول الماركسية بتقدم خطى تطورى غائى لابد ان يحل التناقضات متجها نحو الاشتراكية . ( ولايجئ ذلك فى كتابات ماركس الا من زاوية الخط العام للحركة العمالية العالمية فى المدى الطويل – حينما نموت جميعا ، ونتيجة لتراكم طويل لصراع طبقة مهزومة وطبقة منتصرة وعبر صعود وهبوط ، وصراع ميول وميول مضادة ) فلسنا امام نظرية نهاية التاريخ ، فالمجتمع الذى يخلف الراسمالية هو بداية التاريخ الانسانى الحق ، وله تناقضات تدفعه للامام ليست هى التناحرات بين الطبقات ، ولن يكون فرعا من الفردوس ، وتجسيدا لمستقبل ذهبى يزول فيه كل اغتراب كما يحدد الاه التاريخ ونبيه الامين كارل ماركس ، لاشئ من ذلك فالماركسية لاتقول بأن الصراع لابد ان يحل الى الافضل ، فقد يصير صراعا مقيما فيه تدمر الاطراف المتناحرة بعضها بعضا ، وقد تتأخر الثورة وتتبرجز الطبقة العاملة لاجيال ، بل ان عبارة ان الراسمالية تجدد نفسها ولاتعيش الا بتجديد نفسها هى عبارة ماركس فى البيان الشيوعى وليست عبارة فؤاد مرسى . ومن يقرأ ماركس يرى عشرات المسارات التى يمكن ان يأخذها التنظيم الرأسمالى للمجتمع فى حالة هزيمة الثورة او تعثرها او اخفاقها . ولكن افق الامكانات مفتوح امام الانسانية . فنمط الانتاج الراسمالى مأزوم ، يحكم بالجوع على كثرة من البشرية ويحكم بالاغتراب والللاعقلانية على الذوات البشرية وكأنه قد صمم على تأكيد نبوءات كارل ماركس . ومامن احد يستطيع ان يزعم انه يعرف المصير المنقوش فى اللوح المحفوظ . كما ان نمط حياة الماركسية كان دائما هو الازمة هو الصراع الفكرى هو التناقض بين النظرية العامة والنظرية بعد ان تصبح قوة مادية تعتنقها جماهير محددة فى زمن محدد . والتناقض بين النظرية العامة والنظرية بعد ان تصبح " دولة " ذات مبان واجهزة ومصالح منفصلة عن الذين يدار الحكم باسمهم وفقا لمبدأ التفويض والتمثيل او الابعاد ... وستظل الازمة مستمرة تنتقل من مستوى الى مستوى اعلى .



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن