الصحافة الصفراء...متسول أخرس!

نور عمر
Onour113@outlook.com

2019 / 10 / 12

ليست المشكلة في أن تكون فلسطينيا وإنما أن تعترف بفلسطينيتك التي بتنا كعرب ننبذها. إن لجأت عندنا أعلمنا الجميع أن هذا الفلسطيني يقطن هنا أو هناك، وناديناك بكينونتك، أما إن سئلت عمن تكون وصرحت بفلسطينيتك فعندها نعتبرك إما ناكرا للجميل، خائنا لهذا المخيم الذي آواك ساعة حاجة أو عنصرا أجنبيا يقتضي البتر.

الفلسطينيون لم يعمروا لبنان فقط، بل عمروا أرجاء المعمورة. وحده الفلسطيني يعمل في الغربة دونما اغتراب فتراه يقدم أفضل ما عنده مع يقينه بأنه سيعود يوما. حيثما حللت ووجدت اسما بارزا فبحثت في جذوره، قفزت فلسطين إليك بتحد وفخر، فالجينات الفلسطينية كما القهوة، وحدها تحيل الظروف إلى نكهة قوية. وكالقهوة، أنى للعربي العيش بدونها؟

مع تفرد الفلسطيني حيثما وجد، إلا أننا كعرب سئمنا القضية فبتنا نصب جام غضبنا على الفلسطيني الذي تغنينا به يوم راودتنا البطولة عن أنفسنا. فمن الخليج إلى المحيط، باتت الفلسطينية تهمة.

لم يبدأ الازدهار في لبنان قبل 1948 لأن نكبة فلسطين كانت مصيبة القوم التي غدت لنا فوائد وأي فوائد. من الصباغ إلى خوري، بيدس، أبيلا، أبو غزالة، سابا، النمر، العلمي، غرغور، عودة، غندور، الدجاني... ولو تابعت التعداد لما اتسع هذا المقام لأسمائهم، وأسمائهم فقط. ولكننا لا نعترف بفضل الفلسطيني وما أسهم فيه من تقدم للبنان، نعترف بفلسطينية فلان فقط عندما يرتكب جرما، وبذلك وبغيره تفوقنا لنصبح الدولة الأولى عربيا في مقياس العنصرية.

ماذا جنينا؟ رحل كثر منهم عنا وبقي صنيعهم إرثا نعتز به دون أن نرد الفضل لأصحابه. رحلوا بحثا عن بدايات جديدة في وجهات جديدة. رحيلهم "يضع علامة استفهام على الرسالة التي يجسدها لبنان كأرض تعايش ومحبة". ليس ذلك فحسب، فرحيلهم يغلق أمام اللبنانيين أنفسهم فرص عمل وموارد رزق عدا تلك التي يسعى لها رواد الخليج العربي. إغلاق مصنع أسسه فلسطيني أغلق الباب دون خمسمائة لبناني ضمهم لركب العاطلين عن العمل. وبقينا في لبنان نظن نفسنا أفضل من الجميع، حتى أضحت لدينا كل مقومات الدولة اسما، ففي واقع الحال ليس لدينا دولة بالمعطيات الواقعية لما يعتبر دولة.

الأردن حالة متفردة وسط أمثالنا، فالفلسطيني بالكاد يتمايز عن الأردني. ليس لتشابه الثقافة والعادات فحسب، بل لأن البلدين كانا بلدا واحدا قبل الاحتلال واستمر الشعب على هذا النهج. تجدهم ينادون "شعب واحد مش شعبين" ولما يتظاهرون، يتظاهرون ضد الهم الواحد من أسباب بطالة وحقوق عيش ومعلمين وسواها.

قدم الفلسطينيون في الأردن ما لم يقدمه سواهم ونجحوا في صنع النهضة. من شركات إلى مصانع إلى مصارف وفنادق وغيرها، واستمروا. ليس ذلك إلا لأن الأردن حاضنة لم تبخل عليهم أو على سواهم، وأولا وأخيرا لم تضطهدهم أو تتعامل معهم بفوقية أو عنصرية. لم يقتصر الأمر على من يملكون السعة بل كذلك من يعدمونها، فلا فرق في الأردن بين أردني وفلسطيني، كما لا فرق بين رواد الطوائف مع أن كلا منهم معلوم بكينونته. وحده الأردن لا يسمي العربي مختلف الجنسية بالوافد أو الأجنبي أو يتعامل معه بتصنيف الدرجات الذي نحسن استخدامه، ولهذا ننحني احتراما.

من باب الحسيدة، أطل إسرائيلي يقول إن الأردن هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط وليس الكيان الغاصب. من باب الإمعان في الاغتصاب، قالوا إنهم شعب واحد فلتكن الأردن وطنا بديلا ضمن ترتيبات الصفقة المشؤومة، فما كان من المتلقين إلا أن ضجوا. شعب واحد لا ضير ولكن العودة واجبة، ليس لأننا سئمناكم وإنما لأن لنا في فلسطين مثل ما لكم، وهو كذلك.

وحدها الأصوات المأجورة التي تعيث فسادا بيننا -كما المتسول الأخرس عراب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982- تستمرئ بث السموم. بدا متسخا ومسكينا، رث الثياب حافي القدمين يبيت كل ليلة في موقع مختلف ويشفق السكان عليه ولا يرون في وجوده تهديدا. كان عفيف النفس كريم الأخلاق كما وصفوه فقربوه منهم بداعي الشفقة. في أحد أيام الاجتياح، اقتربت دورية عسكرية إسرائيلية من المتسول المستلقي على الأرض لتؤدي له تحية عسكرية، فقد كان عقيدا في الجيش الإسرائيلي "لولاه ما دخلوا بيروت".

الأصوات المأجورة تبدو كمن يريد إظهار الحقيقة، كمن يريد حقا، بينما تعمل في الخفاء. تصعيد الصحافة الإلكترونية لقضية يوسف حمدان وإخفاقه في تحصيل حقه من بنك أجنبي في الأردن، الهجمة على صبيح المصري إبان نكتة الريتز بالرغم من الجهود الأردنية التي أسهمت في تجاوز الأزمة، انطلاق الصحافة المأجورة والعابثة في آن معا في النيل من مستثمرين ذوي باع طويل في تقدم الأردن أمثال أكرم جراب، نبيل بركات وغيرهم، انطلاق ذات الصحافة في كيل تهم بالعنصرية تجاه مستثمرين فلسطينيين أو من أصل فلسطيني رغم منح مجلس الوزراء الأردني الجنسية لكل مستثمر تنطبق عليه الشروط، وغير ذلك الكثير. إلى أين يريدون الوصول؟ إلى خلق عنصرية تعمد لجعل البلاد تبدو غير صديقة لرواد الأعمال والمستثمرين وتدفع بهم للرحيل. تنغلق موارد رزق، تعم الفوضى وتقف الأردن إلى جانب لبنان.

تمكن هؤلاء من الفرار بما يصنعون كل مرة وعدم إخضاعهم للمساءلة القانونية سيصير شيئا فشيئا ببلد مستقر إلى مصيرنا. كنا في لبنان يوما حيث كانت "القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ". ما وصل بنا إلى هنا، أننا لم نتنبه لمتسولين خرس كثر، اخترقوا صفوفنا وما يزالون بيننا، بل وأتحنا لهم فرصة شق الصفوف بداعي الشفقة وفعل الخير.




https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن