مصحة لبنان الفينيقية

نور عمر
Onour113@outlook.com

2019 / 10 / 4

"أشتهي في هذه الصباحات ان اكون فلسطينيا، أشتهي أن أنحني على حجر، أن أحرق كتبي لأقتني مكتبة من حجر، أن أسجد في محراب صلاة تطوقه الحراب، أن ينفجر دعائي وسط قافلة جنود، أشتهي هذه اللوعة المباركة على بلاهة الدجاج وسكينة الطيور الذبيحة"
***

اعتذر جستين ترودو لأنه قام في أحد الأيام الخوالي بطلاء وجهه باللون الأسود لحفلة تنكرية أراد الظهور فيها بمظهر العربي علاء الدين، جاء اعتذاره مفعما بالخجل والشعور بالعار من أنه لم يكن حينها يدرك أن ذلك تصرف عنصري. في الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت إلهان عمر، الصومالية المحجبة التي تثير الجدل بتصريحاتها النارية عضوا في الكونغرس في ظل رئيس دولة شديد العنصرية. نتساءل عما يدفع بالأمم قدما، وليس إلا هذا. قانون ينص على احترام الآخر على اختلافه ومنحه مساحة حرية متكافئة. لم يكن التحضر يوما زيا أو لسانا متعدد اللغات أو شهادة جامعية أو مالا أو جاها، لم يكن يوما تشبثا بحضارة لم نعد نملك من أمرها شيئا، كمن يواري سوأته بالتفاخر بثوب أسلافه المنسدل الأطراف.

مرة تلو مرة، يثبت لبنان تفوقه. لبنان الدولة الصغيرة جغرافيا، الكبيرة في تفردها تتربع على عرش الدول العربية بوصفها سويسرا الشرق الناطق بالفرنسية والإنكليزية وأي لغة أعجمية أخرى والمتبرئ من العربية بوصفها تهمة غسيل ثوابت جاءت لتمحو بعل وإيل وعشتروت.

لم يكن الاستعمار الفرنسي استعمارا، كلا بل محاولة تحرير من الاستعمار العربي الذي شوه هوية حضارة فينيقية يعود تاريخها لآلاف السنين. لبنان تحسده الأمم وتتربص به، فكل ما فيه يثير الغيرة.
في لبنان تجد ما لاتجده في أي مكان آخر. لبنان جامع جامعة، يتوحد ضد الآخر كيفما اتفق لبنان وكيفما اختلف الآخر.

في لبنان تتعدد طوائفنا التي نكلت ببعضها البعض يوما ما ولكن السيد يوحدها، فهيهات يعلو صوت الطائفية على صوت القوة.

في لبنان ننكر الطائفية كخطيئة ولكننا نثير موضوع توجهك الديني كائنا من كنت لنحدد إن كنت كذا أو عادي، وعادي بالطبع هي الطائفة التي تروق لنا.

في لبنان لدينا حرية تعبير، نفحش بالنكات والأغنيات والبرامج، نفحش في الشوارع والأزقة والمواخير ولكن حريتنا تتوقف عند حدود البلد أو السيد، لا من باب الاحترام بل من باب الإقرار بالانضمام إليهم إن لم يمكننا التغلب عليهم.

في لبنان نلعن اللاجئ الفلسطيني في اليوم ألف مرة، نحشره خلف الأسوار ونرقبه بالقناصة ونضيق العيش عليه ما استطعنا، وفي نفس الوقت نرفض الاحتلال الإسرائيلي وننادي ببلاد العرب أوطاني، ليس لأننا نؤمن بها ولكن الاحتلال الإسرائيلي هو سبب لجوئهم أولا والسيد يرفضه أو يفرضه جدلا ثانيا وهو الأهم.

في لبنان نمارس اللعنة الأولى على اللاجئ السوري وكأنه حب يعرف خبايا الشعور للمرة الأولى، فينطلق بكل عنفوان. نضربه، نقفل باب رزقه، نعادي من يعامله وكأنه بشر مثلنا وننبش قبر طفله. نعم! في لبنان لا نقبل بأن تختلط رفات طفل سوري برفات سلالة بني فينيق، فهذا دنس تنعاه علينا الآلهة.

في لبنان لا نخجل من شن حملات ضد عمالة أي غير فينيقي وإن كان يتحدث لغة دخيلة علينا يسمونها العربية، فهؤلاء الذين يؤمنون بالله رازقا لا يعرفون أننا شعب الله المختار نحن أيضا وقد جعل الآخرون ليكونوا تحت أقدامنا.

في لبنان لا نخجل من لافتة تمنع المحجبات والسوريين من اقتحام طهر شاطئ يتدنس بغير عبيد عشتروت.

في لبنان نقمع الثائر للكرامة أو اللقمة أو الحرية، فنحن لا نثمن ونسمن سوى نوعين من الثوار، ثوار الفراش وثوار الألوان. نعم، ففي لبنان لكل لون مرجعية ولا ضير في أن تثور على مرجعية اللون الآخر مستخدما كافة أشكال العنف.

في لبنان نعرف الجرائم المنظمة ولا ننكرها، بل نقابل روادها من مهربين ومعربدين وسفاحين ونمنحهم المنبر الإعلامي المطلوب لكي يعبروا عن أنفسهم، بطشهم يعمينا عن اختلافهم.

في لبنان نسمي أسود البشرة زنجيا، ونفتخر بلافتات تقول للطفل اللبناني أن مكانه محتل من قبل طفل آخر لا يلائم لون بشرته اللون العادي. في لبنان نعلم الطفل أبجدية الحيوان المنوي والبويضة لمستقبل جنسي آمن ونغفل عن تعليمه أبجدية الإنسانية.

في لبنان نمتهن كسر الخواطر، فلما أراد لاجئ فلسطيني متابعة لعبة كرة قدم لفريقه الذي حل ضيفا علينا، منعناه من دخول الملعب فتابعها من وراء حجاب. يجب أن تكون عاديا لتتمكن من الاختلاط ببني فينيق.

في لبنان ننادي بشي الفلسطيني في أفران هتلر، بينما ننسى أو نتناسى أن الفلسطينيين "وحدن بيبقوا" هم السادة بلا منازع.

في لبنان يتحدث جبران دخيل باسم عنصرية تنسف تاريخ جبران النبي، ربما لو لم يكن من رواد المهجر لغدا عنصريا هو الآخر. الذريعة دائما وأبدا هي أن اللبناني فوق الجميع، هذا الجبران ذاته -مثل زوج جوليا- من مريدي حزب الله وجه النهار ومن مؤيدي حق "إسرائيل" في "الدفاع عن نفسها" آخره.

في لبنان نقبلك على اختلافك في حالتين لا ثالث لهما، إن كنت فاسدا ونابنا من الحب جانب أو إن كنت من ذوي الجيوب الممتلئة. فنحن أفضل من الخليجي إلا إن أتانا سائحا يطلب ليلة حمراء، عندها نخدمه بالعيون.

في لبنان ننافق كيفما اتفق، ننادي بالوطن الذي نسلبه على مدار الساعة، ننادي بوطن كبير يصغر عند هلا بالخميس. ننادي بالسيادة والكل مرتهن، رئيس وزرائنا يوقف على ذمة الضيافة السعودية، والسيد لدينا يسود بأمر السلاح والمال في كل مرة يأمر فيطاع.

في لبنان ليست القمامة فحسب هي ما جعل لنا رائحة نتنة، فقد غدونا كالإسرائيلي، ولربما يكون بنو فينيق توراتيين ليعتقدوا أنهم فوق البشر بالرغم من السوس الناخر في الأساس. في لبنان عمليات تجميل تفوق العالم كما ونوعا ولكنها تعجز عن إخفاء القبح المستشري.

في لبنان حرائر وأحرار تقضي نحبها كل يوم اختناقا برائحة القمامة، ولكن القمامة لا يد لها، تحتاج لمصحة نفسية بعد أن أصيبت بلوثات في العقل والقلب والجوارح.











https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن