الكتابة الجريحة

حكمت الحاج
hikmat.tn@gmail.com

2019 / 7 / 29

الكتابة الجريحة: سليم دولة في مداراته الحزينة..
لقد ظلت الفلسفة العربية المعاصرة طويلا تعدّ لتشييع جنازتنا، وفي الوقت الذي دفنتنا فيه وصارت تحتفل بموتنا، كانت تزهو بـ "الآخر" ذلك الذي شاخ وهرم، مستعيدة في كل مرّة ميلاده باستعادة ما تمنى. أمام هذه الفلسفة القاتلة القتيلة، تقف الفلسفة البديلة، فلسفة التدقيق والتحقيق الجديدة، كما يدعوها "سليم دولة" معترفة بنظرتنا الطفولية البريئة لذاتنا ولـ "الآخر" أو كما يسميها في مكان مختلف "النظرة السبحانية" للأنا وللغير ولكنّها تأمر لتعي نفسك بنفسك، فالمطرقة على عنقك فإلى متى تأكل ذاتك، وإن نجت ذاتك منك فإنّ غيرك يترصّدها وهل ثمة شك في أنه سيأكلها هذا إن لم يكن قد أكلها فعلا.
حين تتصفّح كتاب "الجراحات والمدارات" تونس 1991 لمؤلفه المفكر والشاعر التونسي "سليم دولة" تشعر لأول وهلة أنّك أمام نص فكري جديد بل أمام كتابة جديدة في الفلسفة لا كما عهدت من الكتابات في هذا الحقل من الإنشاء الذي يتوسل الفلسفة إلى الإعتوار في المصطلح إلى الغموض في المقصد كحال معظم متفلسفتنا، بل أنّك ستجابه بكتابة من نوع آخر تماما. إنّها كتابة تأسيس الهوية للإنسان العربي الجديد، أو قل إنّها الكتابة الجريحة، كتابة الوعي والتجاوز، كما يريدها صاحبها.
وهذه الكتابة جريحة بجرح كاتبها وقارئها وإذا تصورت أنّك معدوم الجراح فإنّ الجرح سينفتح فيك عنوة وستسيل دماؤك ضريبة لكينونتك التي أرادها لك أسلافك فأنت لم تكن في تاريخك كما اعتقدت إنسانا أنيسا، سليما ومسلما، وإنّما آكلا أو مأكولا، ناتفا، جالفا أو مجلوفا، كما يكتب ذلك "سليم دولة" في واحد من أجمل وأجرأ فصول الكتاب (انظر الجزء الخامس الصفحة 129) إذن، الكتابة الجريحة ستلطخك بدمائها، لتضمّك أمام حقيقتك المرعبة: وهي أنّك كائن "رغبـي" مسكون باللذة، لذة السلطة والجنس والمال.
في هذا الكتاب تنفتح جراحات قديمة، وتفتح جراحات جديدة، جراحات كثيرة وكبيرة في الجسد وفي الذاكرة.
لقد انطلقت مسيرة الحساب المسيّر لذاتنا التاريخية، وبدأ المثقف العربي المعاصر يعمل بمعوله، في التراث أولا، وفي المسألة الحاضرة ثانيا. إنّ ما يريد إثباته المشروع الفلسفي العربي الجديد هو إنّنا "صناع حكم ولسنا صناع بكم" وعلى هذا الغرار تعمل الصفوة المتفلسف الآن، من أمثال الروائي بنسالم حميش، والأكاديمي سالم يفوت، وعبد السلام بنعبد العالي، وسليم دولة. فإذا نحن، عبر أعمالهم، نرحل إلى مدونات تراثنا الثرّ الغزير، بصحبة ديوان الصبابة لابن حجلي، وكتاب الإفادة والاعتبار لعبد اللطيف البغدادي وكتاب إغاثة الأمة للمقريزي ثمّ البدء والتاريخ لأبي زيد البلخي، وشجرة اليقين للداعي عبدان... والقائمة تطول.
والآن، ماذا عن أهم الأفكار الواردة في الكتاب؟
يقف سليم دولة في هذا الكتاب/ المشروع، موقف حفار المعرفة، أو، آركيولوجي المعرفة، مستفيدا من المفكر الفرنسي الكبير ميشيل فوكو، الذي يسميه بالعبقري. ويطرح لنا المؤلف مصطلح البداوة المعرفية، ويقصد به الترحال المستمر في الذاكرة، والترحال يفترض سعة المكان وإطلاقيته، والذاكرة مكان غير محدود، لا تُعرفُ بدايته من نهايته. إنّه ترحال الآركيولوجي الذي يطوف في مكان رحب بحثا عن كنوز الآثار. وإذا ما أردنا أن نذهب بقراءة سليم دولة الآركيولوجية إلى مداها الأقصى لقلنا أنّ شغله الشاغل يتمثل في مقاربته لوسائل إنتاج الإنسان ذاته. ألم نقل أنّ المثقف العربي الجديد هو جـرَّاح الذاكرة؟ إذن، ما يهم هو مُساءلة نقدية واعية لوسائل إنتاج المعرفة في الإطار العربي. طبعا، يفرق "سليم دولة" في معرض حديثه عن الكتابة بين نوعين منها: النوع الأول هو الكتابة/ الإبداع والنوع الآخر هو الكتابة/ المكتوب. وبينما تكون الكتابة من النوع الأول ثورية في جوهرها، فإنّ الكتابة من النوع الآخر هي امتثالية في جوهرها.
الكتابة/ الإبداع تند عن الأمثال لوحدها، إذ أنّها تعطل سلطة المخاطب لديها، فلا تؤمن إلاّ بما تهدم، بمعنى أنّها تفتح إمكانيات هائلة لتشكيل الأشياء من جديد وترتيب العلاقات وفق آفاق أرحب.
ويعقد لنا الكاتب بعد ذلك فصلا مهما عن الانتظار الإبستمولوجي والخيبة الفلسفية يتحدث فيه عن ابن طفيل وفلسفته. ويقول عن الذين درسوا هذا الفيلسوف الكبير وبخاصة من تناول رسالته الشهيرة "حي بن يقظان"، إنّهم في الحقيقة لم يقرؤوا من الرسالة جميعها إلاّ فصلها التاسع فقط، في حين أنّ الرسالة تتكون من عشرة فصول وحتى هذا الفصل من الرسالة الذي يعزلونه عن باقي الفصول، لم يقرأوه كاملا كما يجب. وربما، والقول للمؤلف "قرأوا منه جملة واحدة فقط هي التي تقول بانطباق المعقول والمنقول واتفاقهما".
وسليم دولة في محاولته لدراسة وتحليل رسالة "حي بن يقظان" كان يهدف إلى كسر تلك الأطروحة التي لا ترى في الرسالة كلها إلاّ قصّة التوفيق/ التلفيق ما بين الفلسفة والشريعة، ومن هنا سعى الباحث إلى تكسير هذا السجن النظري. ونحن نرى في هذه المحاولة استفزازا كبيرا، إذ يتحدث المؤلف عن انتصار إبستمولوجي في الخطاب اليقظاني، على حد تعبيره تمثل في "حوصلة الموروث العلمي". ويتحدث كذلك عن خيبة فلسفية تمثلت في نبذ/ إقصاء الفيلسوف من المدينة، وعن خيبة سياسية تمثلت في إخفاق "مهدوية" هذا الفيلسوف.
يقول المؤلف سليم دولة: "ونحن ندرك جيدا أنّ النصية التي انتهى إليها حي بن يقظان في نهاية قصّته يمكن أن تلعب دورا خطيرا في تضليل العامة، وربما تكون نظرة إبن طفيل الواقعية هي التي جعلته يصطدم بعائق إبستمولوجي في إنتاج خطاب تحرّري تقدّمي في وسعه أن يواصل حلمه، وإنْ على مستوى نظري. وهذا النوع من المداخلة والتعليق يجرنا بالتأكيد إلى شيء آخر أهم وأخطر. فلو عمل إبن طفيل كما عمل ابن باجة لكان نصيبه التشريد والاغتيال، ولو قال بآراء جريئة مثل ابن رشد لذهبت آراؤه سدى أو ذكرى في التاريخ، ولكن إبن طفيل المتمرد في الفلسفة الذي لم يتعرض للاضطهاد في حياته كان ضحية الذين يحافظون دائما على تاريخ مشروع، وعلى أن تبقى العامة دائما بعيدة عن كل يقظة وإدراك". ويخلص سليم دولة إلى النتيجة التالية: "... فالفلسفة اليقظانية، بقيت رغم محاولاتها الجريئة احتجاجا على مأساة حقيقية من ناحية، ومن ناحية أخرى كانت طريقة لتجاوز هذه المأساة ميتافيزيقيا".
وبعد هذه المحاججة، هل ثمة مواضيع أخرى تطرق إليها سليم دولة في كتابه هذا؟
لقد كانت حداثة العرب، الأولى والأخيرة مع الإسلام. هذا ما يؤكّد عليه صاحب الجراحات والمدارات، حيث تمّ العبور بالنسبة للعرب من حضارة الشعر إلى حضارة الشريعة، أي من سلطة الإنشاء اللغوي إلى سلطة القانون الذي عمل الخطاب الجديد على ترسيخه. ولا بد من الإشارة هنا إلى أنّ هذه الحداثة وإن اكتملت في مستوى الخطاب وصارت عمليا في إنجاز المشروع الجديد فإنّها قد أكلت نفسها في سياق التاريخ وتآكلت بالدنيوي، فنفت ذاتها بذاتها حين عاود العربي الحنين إلى مضاددة المقدس.
إنّ ما يلفت الانتباه بشدّة ويجدر التنويه به في هذا الكتاب هو، وحسب مقدّمة الأستاذ "محمد الجويلي"، جرأة كاتبه الذي يجبرك على تتبعه والتواصل معه لأنّه يحيلك إلى ما لا تفكر فيه عادة، وإنّك قد تجد في بعض الأحيان ما لا يشفي غليلك فلا تنسى أنّك أمام عناصر أولية من أجل فلسفة عربية جديدة، إلاّ أنّه ممّا لا شكّ فيه أنّك ستسر بعودة سليم دولة القوية إلى التراث، ذلك الذي يسميه المفكر الكبير مطاع صفدي، وطن الجماعة.
كتاب جدير بالقراءة والدرس. وأهمية قراءته تنبع من أنّ الكتاب نفسه يمنحنا تلك العناصر الأولية اللازمة لنقده ومحاججته والرد عليه. وتلك طريق قد اختطها الكاتب لنفسه، فلماذا لا تكون لنا نفس الطريق معه؟
جاء في الكتاب المقدس إنه في البدء كان "الكلمة"، ويضيف سليم دولة إنه في البدء كان الجرح. وستظل الكتابة جريحة تنزف. وما بين البداية والنهاية قصة جراحات ومدارات لا تنتهي.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن