في رحاب الجنوب الأسترالي

دينا سليم حنحن
redrose_d@hotmail.com

2019 / 3 / 8

ذاكرة مكان
في رحاب الجنوب الأسترالي

بقلم: دينا سليم حنحن - بريزبن

من يولد على الساحل يحيا على مضض
فربما يقتلعه البحر يوما ويسقط بلا عضض
كما يسقط كل سنة تلميذ من تلاميذ المسيح.

قررت زيارة جنوب القارة الأسترالية وتحديدا ولاية فكتوريا، ولأكون أكثر دقة، أعني طريق المحيط العظيم، أو بالإنجليزية (Grate Ocean Road) كهواية لا أستطيع التخلص منها وهي السفر والاكتشاف والتمتع بجمال الطبيعة الخلاب.
تشكل أستراليا قارة بحد ذاتها وتقع في جنوب الكرة الأرضية، إن توقفنا عند التسمية سوف نرى أن كلمة Australia أستراليا تعني جنوبية، ومأخوذة عن أساطير قديمة يعود تاريخها إلى العصر الروماني، وباللاتينية (Legends of Terra Australis Incognita).
يحيطها من الشمال بحر تيمور وبحر أرفورا ومضيق تورز، ومن الشرق بحر كورال وبحر تسمان، ومن الجنوب ممر باس، والمحيط الهندي من الجنوب والغرب.
المزيد من المغامرة والتحدي والقيادة سريعا على طول الساحل، ويعد الطريق المذكور أحد الطرق الأكثر خطورة في العالم وأهمها وأكثرها انعطافا وأشدها، ومن يمتطي الطريق يحس بأنه داخل مشهد هوليويودي وأنه وإن أغمض عينا فيكون الموت سهلا، لا قدر الله.
يمتد الطريق على طول مائتين وثلاث وأربعين كيلومترا، مرورا بمناطق مأهولة بالسكان وببيوت مشيدة على الأطراف المقابلة للساحل، تظهر مباشرة بين جبال وأدغال وهضاب خضراء، مما يضفي سحرا آخر ومشهدا غرائبيا يمنح العين مزيدا من السحر والفتنة.
تقصدنا المضي قدما وسيرا على الأقدام داخل ممرات ومسالك أقيمت خصيصا للسياح لكي يتسنى لهم الوقوف على حدود القارة الأسترالية مباشرة، هناك تنتهي اليابسة ويبدأ مشوار آخر مختلف داخل المياه التي تصل حتى المحيط المتجد الجنوبي.
ساقتني قدماي حيث القطع الصخرية الضخمة التي أنتزعت من لدن اليابسة لتستقر لها بمفردها داخل المياه الصافية، صخور عملاقة يبلغ ارتفاعها خمس وأربعين مترا، أجزاء ضخمة من اليابسة تسافر إلى البعيد لتغوص في المياة رويدا رويدا، مما أثار الرعب في فؤادي عندما علمت بأنه تآآكل ما يحدث سنويا بمقدار سنتمر واحد في كل عام، بسبب قوة الأمواج وكمية الأمطار المنهمرة هناك، يعني كل عشر سنوات يصغر حجم القارة عشر سنتمرات من جهة الجنوب، مما أثار انتباهي ودعاني أغوص أكثر فأكثر نحو الساحل المنقرض لكي أشاهد المزيد من التفككات الصخرية المكونة من حجر الكلس والكركار والصخور الرملية، حتى باتت كل صخرة تشكل قارة وحدها.
تكونت نتيجة هذه الظاهرة الكثير من الكهوف على مدّ الشاطئ فأدى ذلك إلى تقوّس الشاطئ، والولوج إلى تلك المناطق التي تعتبر نائية بعض الشئ هي محض مغامرة، وحتى الوصول إلى المناطق البعيدة يستعين البعض بطائرات مروحية لمشاهدة المزيد من الروائع اللافتة للنظر من الأفق، ويمكن الوصول إليها بالقوارب السياحية. وحتى التمكن من التقاط المناطق المدهشة عن قرب، والتي لا يمكن للمشاهد نسيانها، هناك جولات خاصة للسير على الأقدام وهي الأكثر مغامرة في تلك المنطقة، تقدّر المسافة بمئات الأميال سيرا بين أحضان يابسة يتراوح عمرها ما بين 40.000 وحتى 60.000 سنة.
أما المنطقة الأكثر شهرة والرائعة جدا فتسمى (تلاميذ الإثنا عشر) The Twelve Apostles أو الحواريين الإثنا عشر، نسبة إلى السيد المسيح وتلاميذه، اثنتا عشر صخرة عمودية الشكل وضخمة وتقارب صورة الإنسان في هيكلها، سقطت في المياة بعد أن انتزعت من اليابسة الأم بسبب التآكل، وذلك على مدار آلاف السنين فجاءت على شكل واحد متشابه، سقطت تلك الأعمدة بشكل متقارب ومتناسق وتبدو وكأنها تعوم داخل المياه فشتكل مشهدا رائعا، خاصة أثناء الليالي المقمرة.
يمكن الوصول إليها مباشرة والسباحة بقربها تماما، وقد قامت وزارة السياحة بنصب السبل الخشبية وبناء المراصد للمشاهدة، وأقيم متحف خاص في المنطقة زرع داخل حديقة واسعة، وامتلأت المنطقة بالمقاهي والمطاعم، وشيدت الفنادق والمنتجعات وحوصرت جميعها داخل حدائق بمحاذاة ميناء (كامببيل).
وقد اكتشف المكان صدفة سنة 1922، وأكتشف أيضا حطام سفينة قديمة اصطدمت بهياكل صخرية غير مرئية أقلت مهاجرين وصلوا من أوروبا في القرن الثامن عشر ولقوا حتفهم أثناء محاولة اقترابهم من اليابسة، وقد شيّدت لهم مقبرة في المكان بأسمائهم الكاملة ومفتوحة أمام الزوار والسّياح.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن